Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

«موصل» أول فيلم حركة هوليوودي ناطق بالعربية

«موصل» أول فيلم حركة هوليوودي ناطق بالعربية

خبرني  - في أبريل/نيسان عام 2018 تلقيت دعوة من إحدى أكبر وكالات الترويج في هوليوود لزيارة مقر تصوير فيلم دون عنوان، يتناول فرقة مقاتلين عراقيين تشارك في تحرير الموصل من داعش عام 2017.

وقد أوضحت الرسالة أن الفيلم لا يطرح من منظور أمريكي بل من منطلق عراقي، تماماً كفيلم كلينت ايستوود «رسائل من إيوو جيما» الذي طرح أحداث المعارك بين الأمريكيين واليابانيين في جزيرة ايوجيما إبان الحرب العالمية الثانية من منظور الجنود اليابانيين.

وأضافت أن الفيلم الجديد هو الجانب الآخر لفيلم كلينت ايستوود «قناص أمريكي» الذي سرد قصة قناص أمريكي خدم في الجيش خلال حرب العراق، حيث قتل ما يقارب مئتي شخص.

خلال قراءة الرسالة، ملأني شعور بالتفاؤل سرعان ما تحول إلى إحباط بعد اختتامها، إذ لم تأت على ذكر أي اسم عربي، في قائمة طاقم الإنتاج، الذي ألفته شركة الانتاج «أغبو» التابعة للأخوين أنتوني وجوزيف روسو، المعروفين بإخراج أكثر الأفلام دخلاً في تاريخ السينما، وهو «المنتقمون: نهاية اللعبة» الذي حصد ما يقارب ثلاثة مليارات دولار في شباك التذاكر. فضلا عن إخراج أفلام «مارفل» أخرى كـ «المنتقمون: الحرب اللا نهائية» وفيلمي «كابتن أمريكا الحرب الأهلية» و«جندي الشتاء».

 

قضايا عالمية وصراعات دولية

الأخوان روسو معروفان بآرائهما الليبرالية وفي تناولهما قضايا عالمية وصراعات دولية في أفلامهما، ما يدل على إلمامهما بما يحدث في العالم خارج الولايات المتحدة. لكن مخرجين آخرين مطلعين على القضايا العالمية، مثل جورج كلوني وبيتر بيرغ، حاولوا أن يقدموا طرحاً إيجابياً للعرب في أفلامهم، لكنهم فشلوا، لأنهم حولوا العربي من شرير الى ضحية، ينجدها الأمريكي من محنتها، بدلاً من أن يقدمونه كبطل ثلاثي الأبعاد. كما أن مخرج الفيلم الجديد هو ماثيو مايكل كارنهان، كاتب سيناريو فيلم بيتير بيرغ «المملكة» الذي قدم طرحا نمطيا لحرب السعودية ضد الإرهاب، فضلا عن سيناريو، حرب الزومبي العالمية، الذي بدا فيه الجدار الفاصل الإسرائيلي درعا ضد الفلسطينيين المصابين بفيروس!

لكن عندما التقيت لاحقا بالمخرج العراقي، محمد الدراجي، في مهرجان كانّ السينمائي الفرنسي، أخبرني أنه عضو في طاقم إنتاج الفيلم الجديد، وطمأنني أن الفيلم يُطرح بالفعل من زاوية عراقية، وأن جميع شخصياته عراقية، يجسدها ممثلون عرب يتحدثون بالعربية، وتحديداً باللهجة العراقية.

وبعد عام من الانتظار، حضرت العرض الأول للفيلم، الذي سٌمي بـ «الموصل» في الدورة الـ 76 من مهرجان فينيسيا السينمائي، حيث قدم في فئة خارج المنافسة، ولم يخب أملي فيه؛ إذ لم يطرح أحداث الموصل والشخصيات العراقية بطريقة نمطية، بل قدمها بمصداقية لم أعهدها من قبل في أي فيلم هوليوودي، وقد نجح في ذلك دون التفريط في مستوياته الفنية والتقنية والآدائية والترفيهية.

وعندما خرجت من الصالة، اتصلت على التو بوكالة الترويج التابعة للأخوين روسو في هوليوود، وطلبت منهم ترتيب مقابلة معهما لمعرفة ما دفعهما لصنع فيلم باللغة العربية.

«هذه كانت مهمة يجب القيام بها منذ سنوات وحقيقة أنها لم تتم كانت مأساة بالنسبة لنا» يقول الأخوان روسو عندما التقيت بهما بعد مشاهدة الفيلم في فينيسيا، حيث حضرا مع طاقم إنتاجه وممثليه للترويج له. «لدينا أربعة أولاد والعالم معقد بعض الشيء ووسائل الإعلام تبث صوراً نمطية عن شعوب وأماكن بعيدة، فقررنا استخدام نفوذ علامتنا التجارية، التي صنعناها من خلال أفلام «المنتقمون» لطرح رواية من منظور مجموعة جنود عراقيين كأبطال في هذا الفيلم».

يتابع الفيلم فرقة تدخل سريع على مدار يوم بأكمله تتمرد فيه على أوامر القيادة المركزية، وتنطلق الى داخل المدينة، حيث تخوض معارك شوارع مروعة ضد عناصر «داعش» من أجل إنقاذ عائلات أفرادها من قبضتهم.

الفيلم مليء بمشاهد الحركة والمؤثرات الخاصة وتقوم شخصياته ببطولات لا تقل شجاعة وضراوة عن بطولات شخصيات أفلام «المنتقمين» ما يجعله يبدو خياليًا، لكن في الواقع قصته حقيقية اقتبسها الأخوان روسو من مقال الصحافي لوك ماغيلسون (المعركة اليائسة لتدمير داعش) الذي نُشر في صحيفة «نيويوركر» عام 2017.

 

الأخوان روسو: نص الفيلم أبكانا

«عندما قرأنا المقال الأصلي بكينا بحلول نهايته» يقول جوزيف. «كان مؤثراً ومهماً جداً وشعرنا أنه علينا أن نكرم ذلك. لهذا السبب الفيلم ناطق بالعربية، فهذه قصتهم وهي ملكهم. نحن بالتأكيد لا نريدها أن تبدو مصادرة من قبل صناع أفلام أمريكيين، أو خادمة لأجندة أخرى ما عدا رغبتنا بتكريمهم وتكريم ما حاربوا لأجله، وأن نظهر أن الكرامة الإنسانية هي سمة عالمية من حقنا جميعاً أن نمتلكها.»

«هؤلاء هم الأبطال الخارقون الحقيقيون» يضيف أنتوني. «فهم أكثر الهاماً بأشواط من الأبطال الخياليين في أفلام مارفيل، لأن ما مروا به حقيقي».

أبطال فيلم «موصل» العراقيون يختلفون تماماً عن الشخصيات العربية في أفلام هوليوود الأخرى، التي كانت عادة تطرحهم كإرهابيين متوحشين أو ضحايا بائسين يهب لنجدتهم بطل أبيض. فهم يقاتلون بشجاعة وبسالة في معاركه ضد عدو بشع، ويتحلون بأخلاقيات راقية تجاه المواطنين. ويرفضون مساعدة الأمريكيين لهم بغارات جوية على مواقع العدو، لكي يحولوا دون تدمير بلدهم وقتل مواطنيها، وهو ما تعمد الأخوان روسو القيام به، حسب قولهما.

«الفيلم يمثل حقاً مدى تعقيد المشاعر إزاء الغزو الأمريكي للعراق وبروز «داعش» في أعقابه، والعراقيون الذين شعروا أنهم مهاجمون بسبب نظام لم يؤيدوه أصلا، عليهم أن يقاتلوا الآن من أجل استعادة بيوتهم من هذا الهراء، الذي عمّ بعد ذلك الغزو. كانت لديهم مشاعر معقدة للغاية بشأن كل ذلك. ولهذا رفضوا تلك المساعدة بسبب ما حدث في العراق.»

صنع فيلم من هذا النوع وفي هذا الطرح يحتاج الى منتج يتمتع بنفوذ خارق وشجاعة فائقة. فانتاج فيلم أبطاله من غير البيض ولا يتكلمون الإنكليزية، يعتبر مخاطرة تجارية تتفاداها هوليوود، ناهيك عن كونهم عرباً يتحدثون بلغتهم. لكن بالنسبة للأخوين روسو، لم يكن ذلك التحدي الأكبر، بل كان العثور على ممثلين عراقيين.

«ما حدث في العراق تشتت مجتمع الفنون» يقول أنتوني. «فكان علينا أن نجول العالم بحثا عنهم في المهجر، فوجدنا ممثلينا في ويلز في المملكة المتحدة، وديترويت وألباكركي في الولايات المتحدة، وكذلك في تونس ومارسيليا».«كما أن حظر السفر جعل إمكانية الوصول إلى الناس في العراق أو إخراجهم منه صعباً» يضيف جوزيف. «والأشخاص الذين تمكنا من إخراجهم كانوا مفيدين للغاية من حيث مستوى التفاصيل التي تم إدخالها في الفيلم. ممثلنا الرئيسي، سهيل دباج، في اعتقادي هو أحد أفضل الممثلين العراقيين على قيد الحياة. هرب من بلده منذ سنوات عدة وهو يعيش الآن في نيو مكسيكو. وقد وجدناه يعمل في دار للمسنين. إنه ممثل مدهش، قارنته مجلة «ديدلاين هوليوود» بتوم هانكس. وكان مهمشاً ومنسيًا».سهيل دباج كان دائماً محصوراً في أدوار هامشية نمطية في أفلام هوليوودية مثل خزانة الألم، حيث أدى دور عراقي يتفجر بحزام متفجرات كان مقفلا حول وسطه وفشل خبير المتفجرات الأمريكي في تفكيكه. لكنه يقدم أداءً يضاهي أداء أبطال أفلام الحركة الهوليوديين في الموصل، حيث يجسد دور قائد فرقة التدخل السريع، الرائد جاسم، الذي يبدو كأسد مغوار، ينقض على أعدائه ويحمي ذويه.

«هذه تجربة تختلف تماماُ» يقول دباج. «فهنا يتيحون لك مجالاً للتفكير وتطوير الشخصية. كان هناك نقاش دائم مع المخرج والمنتجين والمصور حول الشخصية وتجسيدها، ونقاش مع الممثلين الآخرين كي نصل إلى المستوى الأدائي المقبول. كما أننا تدربنا عسكرياً لأسبوعين على يد شركة أجنبية متخصصة في هذا النوع من القتال. الأمر الذي ساهم كثيرا في رفع مستوى الأداء وتعزيز مصداقيته».

 

نموذج لمدينة الموصل

لكن تقنيي الفيلم ليسوا عرباً، وذلك لأن الأخوين روسو أرادا أن يحققا فيلماً على أعلى المستويات الهوليوودية. فالمصور والمؤلف والملحن ومصمم الإنتاج، الذي قام ببناء نموذج لمدينة الموصل في مقر التصوير في المغرب، هم من أبرز تقنيي هوليوود، وشاركوا في صناعة أضخم أفلامها وأكثرها نجاحا نقديا وتجاريا مثل سلسلة «أفلام مارفيل» وسلسلة «آفاتار» وسلسلة «سيد الخواتم». لكن من أجل تعزيز مصداقية الفيلم، ألحق بهم الأخوان روسو طاقماً من المرشدين العراقيين، على رأسهم محمد الدراجي، الذي أكد أنه شعر أن الفيلم كان فيمله، رغم أنه لم يخرجه، وذلك لأنه قدم طرحاً عراقياً أصلياً.

«لدينا مخرجون في الوطن العربي، لكننا نفتقد البنية التحتية والكفاءات التقنية لإنتاج أفلام على هذا المستوى أو بهذه الميزانيات». يوضح الدراجي.

بلا شك أن «موصل» حدث تاريخي، وصفه النقاد الغربيون بأنه أكثر الأفلام مصداقية عن واقع العراق. فواضح من مشاهدة الفيلم أن الأخوين روسو لم يتهاونا في استثمار كل ما يلزم في إنتاجه، فرغم أن طرحه عراقي إلا أنه يضاهي أفلام الحركة الهوليوودية على كل المستويات الترفيهية والتقنية والفنية، ويستحق المشاهدة على الشاشة الكبيرة. لكن جائحة الكورونا حرمته من ذلك، فالتهمته «نتفليكس» التي ستطلقه هذا الأسبوع على منصتها الالكترونية، بحسب القدس العربي.

Khaberni Banner Khaberni Banner