الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

من سيء إلى أسوأ

 من سيء إلى أسوأ

لا شك بأن حكومة الدكتور هاني الملقي تشعر بحرج وارتباك شديدين وهي تقرأ البيانات المالية المتاحة عن الشهور الثمانية الأولى من هذا العام. وربما يكون ذلك ما يدفعها للتعجل في اتخاذ قرارات اقتصادية لا تقوم على دراسات منهجة وواقعية بقدر ما تقوم على أساس الفزعة والإستعجال، أملا في أن يسعفها الأمر في تعديل النتائج، أو على أقل تقدير وقف المزيد من التدهور في الأداء، قبل نهاية العام! وفي ظل هذه الإدارة المرتبكة فإن الحكومة لم تدرك بعد أن كثيرا مما وصل إليه الوضع هو نتاج نفس القرارات والإجراءات التي سبق وأن اعتمدتها معتقدة أنها أيسر وأسرع الحلول لوقف تضخم العجز المالي والإرتفاع في حجم الدين العام.

حيث تشير البيانات التي نشرتها وزارة المالية إلى تسجيل الإيرادات المحلية تباطؤا حادا في معدل نموها الذي لم يتجاوز، خلال الشهور الثمانية الأولى من هذا العام، ما نسبته 1.8% مقابل نمو ملحوظ نسبته 10.8% خلال ذات الفترة من العام الماضي؛ لتبلغ تلك الإيرادات ما يقارب 4.5 مليار دينار. أما إيرادات الضريبة العامة على المبيعات فقد نمت بما نسبته 1.7% مقارنة مع نمو نسبته 3.7% خلال الشهور الثمانية الأولى من العام الماضي؛ لتبلغ حوالي 1.9 مليار دينار، في حين تراجعت إيرادات ضريبة الدخل والأرباح من 830 مليون دينار إلى 794 مليون دينار، أي بما نسبته 4.3% خلال الفترة محل المقارنة. من جانب آخر، فقد انكمشت المساعدات الخارجية بما يقارب 44.0%؛ لتصل إلى 159.0 مليون دينار مقابل 281.0 مليون دينار خلال الشهور الثمانية الأولى من عام 2016. وفي المقابل فقد نمت النفقات العامة للحكومة المركزية بما نسبته 4.6% مقابل نمو نسبته 3.9% خلال فترة المقارنة، لتبلغ نحو 5.3 مليار دينار.

وفي ضوء هذه التطورات فقد بلغ عجز الموازنة العامة، قبل المساعدات الخارجية، حوالي 807.0 مليون دينار؛ بارتفاع نسبته 19.0% عن مستواه خلال نفس الفترة من العام الماضي. أما العجز المالي، بعد المساعدات، فقد توسع  بنسبة كبيرة جدا تجاوزات 57.0%؛ ليقفز من 372.0 مليون دينار خلال الشهور الثمانية الأولى من العام السابق إلى حوالي 649.0 مليون دينار خلال ذات الفترة من هذا العام، وهو مستوى قريب من العجز المقدر للسنة بأكملها والبالغ 693.0 مليون دينار، حسب قانون الموازنة العامة لعام 2017.

ولا بد من التذكير هنا بأن البيانات المذكورة أعلاه تؤكد على الوصول إلى المرحلة التي توقعها عدد من الإقتصاديين وحذروا الحكومة منها أكثر من مرة دون جدوى. إذ يمكن القول بأن سياسات الجباية غير المدروسة التي انتهجتها الحكومة، تحت ضغط الأداء الإقتصادي ومتطلبات صندوق النقد الدولي، قد جاءت بنتائج عكسية بعد أن أثرت سلبا على مستوى الطلب الكلي، الإستهلاكي والإستثماري، بسبب الأثر المباشر وغير المباشر الذي خلفته على تكاليف الإنتاج والمستوى العام للأسعار، أو معدل التضخم؛ حيث سجل الأخير نموا نسبته 3.3% مقابل تراجع نسبته 1.2% خلال الشهور الثمانية الأولى من العام الماضي، في حين نما الرقم القياسي لأسعار المنتجين الصناعيين بما نسبته 3.0% مقابل تراجع نسبته 9.9% خلال فترة المقارنة.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن وجبة جديدة من رفع ضريبة المبيعات فإن التوقعات التي تدعمها النظريات الإقتصادية تشير إلى أنها لن تحقق النتائج المرجوة منها، بل ومن المرجح أن تقود إلى مزيد من التراجع في معدلات النمو الإقتصادي، وليس المحافظة على استقرارها فحسب كما كان عليه الوضع خلال النصف الأول من هذا العام، لأسباب متعددة منها أن أي رفع إضافي لمعدلات الضريبة ستكون إيراداته أقل من السابق بسبب ارتفاع نسبة المرونة، أو ردة الفعل، في جانبي العرض والطلب نتيجة الارتفاع في معدل العبء الضريبي على المنتج والمستهلك، كما أن من شأن هذه الإجراءات أن تسهم في نقل جانب من القوة الشرائية من المستهلك إلى الحكومة، وهو ما يعني تراجع قدرة المستهلكين على الإنفاق بشكل عام. ناهيك عن أن هذا التوجه الحكومي يعني أن النظام الضريبي سيصبح في نهاية المطاف، إن لم يكن قد أصبح، تنازليا وليس تصاعديا؛ فليس من الصواب القول بأن ضريبة المبيعات تعتمد على القوة الشرائية، وبالتالي فإن الطبقة الغنية تتحمل الجزء الأكبر منها في ضوء ارتفاع قوتها الشرائية، حيث يجب أن نأخذ بعتبارنا نسبة الضريبة التي يتحملها المستهلك مقارنة بدخله، وبالتالي فإن فرض ضريبة جديدة، أو زيادة نسبة الضريبة، وخاصة على السلع غير الكمالية، تعني بأن جزءأ كبيرا من دخل الفئات الفقيرة والمتوسطة أصبح ينفق على شكل ضرائب وبالتالي فإن معدل الضريبة النسبي، الذي يمثل نسبة ما يدفعه المكلفون من ضرائب إلى إجمالي دخولهم يرتفع كلما ارتفعت معدلات الضريبة، ونظرا لمستويات الدخل لدى الشرائح الفقيرة والمتوسطة فإن معدل العبء الضريبي عليها يصبح أعلى المعدل الذي تتحمله الفئة الغنية.

أما فيما يتعلق بجانب المساعدات فإن الحكومة، حسب البيانات المتاحة، قد سجلت إخفاقا لا يمكن إنكاره. وقد يعود ذلك إلى عاملين رئيسيين: أولهما سياسة الحكومة الإنبطاحية أمام مجتمع المانحين في الوقت الذي كان بإمكانها اللجوء إلى سياسة المطالبة "بحق" الأردن على المجتمع الدولي مقابل استضافته للاجئين السوريين والتهديد باتخاذ إجراءات تصعيدية في هذا المجال، مع توزيع الأدوار والنبرات بين الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة. وثانيهما، غياب الخطط والبرامج الإقتصادية ذات الرؤية الواضحة والآثار المباشرة على مستويات معيشة الأردنيين، لإقناع مجتمع المانحين بتقديم مساعدات تمكن الحكومة من تنفيذها بمشاركة منظمات المجتمع المدني. ويبقى في جانب المالية العامة تحليل تطورات الدين العام ومدلولاتها، وهو ما يحتاج إلى مقال منفصل.       

Khaberni Banner
Khaberni Banner