خبرني- ترجم الكاتب الدكتور أحمد عويدي العبادي ملحوظات عن" البدو والوهابيين " والتي كتبها الرحالة السويسري البريطاني جون لويس بيركهارت (1810-1817) وتنشر خبرني الجزء الأول :
ملاحظة من العبادي : الروايات والحواشي مأخوذة عن والدي المغفور له الحاج صالح سليمان العويدي ت: الثلاثاء 18/1 / 2000م )
مقدمة المترجم
للصراع بين الشرق والغرب قصّة تعود إلى أعماق التاريخ وتسير معه إلى يومنا هذا، ففي الوقت الذي حاولت فيه بعض الموجات الشرقية أن تغتصب البلاد الغربية،نجد أن موجات العسكر والتبشير الغربية قد هيمنت في أوقات متباينة على البلاد الشرقية، بدءاً بشرق البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا، وانتهاء بالهند والصين.
لقد حاول الفنيقيون الهيمنة على إسبانيا وبريطانيا وشمال غرب وشمال البحر المتوسط، كما استطاع المسلمون أن ينشروا الحضارة الإسلامية في ربوع إسبانيا على مدى سبعة قرون، ووصلوا إلى ما سمي فيما بعد بالأمريكيتين.
وبالمقابل فإن ما نشره أو فرضه القادم من الغرب لم يكن دائماً متفقاً مع الإنسانية والادعاءات التي تنادي بالتحضر والتقدم.
السـفن الرومـانيـة
وقد حاول اليونانيون، والرومان بسط نفوذهم على بلادنا العربية، وكان لهم ذلك، بينما تبعتهم، فيما بعد ظهور الإسلام، موجات صليبية، جاءت بحجة تخليص القبر المقدس من آسريه وهم المسلمون والعرب ! واستمر تتالي هذه الموجات قرنين من الزمن، ذاقت البلاد على أيديهم من الذل والهوان والإبادة، ما لا يتفق مع دين سماوي، ولا ذوق إنساني، ولا حتى أخلاق الوحوش.وقد بينا تفاصيل ذلك في كتابنا : تاريخ الاردن وعشائره .
وعندما طرد الصليبيون من بلادنا، وبالمقابل طُرد العرب المسلمون من الأندلس، انتهت التداخلات. وعادت الأمور إلى أساسها في أن الشرق شرق والغرب غرب وبينهما برزخ لا يلتقيان ولكنهما يبغيان .
نخلص من ذلك إلى أن بلاد الشرق في اساسها هي بلاد الصفاء والنقاء، والأمل المنشود لأي طامع بالهيمنة، أو الحياة الرغيدة، وبذلك استقطبت الفاتحين والممثلين من الشرق والغرب على حدّ سواء، ومن الجنوب والشمال أيضاً
لقد كان الإسلام هو مصدر القلق لكل أعدائه خاصة في أوروبا، ثم في أمريكا من بعد، وكان تحطيم أهله أو تحطيمه أملاً تسعى إليه الأباطرة مثلما تنشده البابوات والكاردنيلات وكانت الأرض المسلمة مطمعاً للجالس على العرش الفرنسي، أو الألماني، مثلما هي لفلاح أوروبي بسيط، مثل بطرس الناسك، أو لمهووس عظمة مثل نابليون، أو لبابا يحتل كرسي البابوية .
فتصفية الدين والشعب واحتلال هذه البقعة من المعمورة، كانت أهدافاً تسعى إليها أوروبا جميعها برفيعها ووضيعها، وعصاتها ومدفعها وناسكها وفاسقها وتاجرها وفاجرها . أما الأرض فلمزيد من توسيع المجال الحيوي، وطريق إلى بلاد العنبر في الشرق الأقصى، وأما الإنسان فللعمل من أجل بناء قوة هؤلاء الأوروبيين، وزجّهم في أتون معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وأما الدين الإسلامي، فهو الروح الذي إذا نزعت من الجسد أصبح جثّة هامدة متعفنة، لا قيمة لها ولا قوام، ولا نضارة، ولا حضارة.
إزاء ذلك كان لابد من جسّ النبض على أساس مدروس، حتى لا يقع الغرب فيما وقع به مهندسوا الحروب الصليبية وبُناتها وحماتها، كانوا يريدون غرس أرجلهم بدون دماء ولا عنف، الأمر الذي استوجب معرفة روحية هذه الشعوب وعقليتها، معرفة عميقة ودقيقة قبل ان تطأ اقدامهم ارضنا مرة اخرى .
استخدم الغرب ثلاث وسائل لمعرفة واقعنا في الشرق.
أما الواقع الاول الذي كان مستهدفاً فهو: مدى قوة السلطة السياسية، والتي كانت تتمثل في الأتراك / الدولة العثمانية باعتبارها دولة الخلافة التي يفرض ان تكون الجامعة للمسلمين آنذاك , فضلا عن استطلاع إرهاصات القيادات العربية هنا وهناك وشيوخ العشائر والزعامات المختلفة التي يمكن لها ان تؤدي ادوارا او مهمات في المراحل القادمة من التاريخ . وقد رأوا في الأتراك قوة غير قادرة على السيطرة على أهل الصحراء والمناطق النائية، مضافاً إلى ذلك ما تتميز به علاقة المواطن بالسلطة من عداء، وصراع، وبالتالي تأمل بالتخلص منهم، لو بعد حين.
وأما الأمر الثاني فكان دراسة المجموعات السكانية، ومدى ترابطها أو تفككها وما بينها من صراعات وعداوات وتحالفات وامكانية او عدم امكانية ان يتمخض عن ذلك قيام سلطات مركزية او قيادات سياسية قادرة على توحيد الناس او تفرقهم . ، في الداخل، والخارج، ومع السلطات الحكومية، وما هي نقاط ضعفها وقوتها؟ وكيف يمكن الهيمنة عليها، وما هي طبيعة حياتها الاجتماعية.
وأما الأمر الثالث فكان دراسة الطبيعة والبيئة بما فيها من موارد مائية ومعادن، وقرى وآثار، ومدى ارتباط هذه بما تقول به نصوص التوراة في قصصها على الناس، والذي يبدو بعد التمحيص أنه لا يتفق مع العلم والحقيقة ولكن ليس دائماً.
وأما الوسائل التي استخدموها فكانت في منطقتنا العربية ثلاثاً ايضا : الأولى وهي فتح القنصليات والمكاتب السياسية في المدن الرئيسية بالمنطقة، إذ لم يقتصر الأمر على فتح سفارة في استانبول، وكانت هذه القنصليات عبارة عن مراكز استخبارية للتجسس على الشؤون الثلاثة أعلاه ومتابعة الامور بشكل حثيث .
وأما الوسيلة الثانية فكانت إرسال البعثات التبشيرية، سواء على شكل تبشير مباشر، أو بصورة مستشفى للمعالجة الإنسانية، أو مركز طبي، يحتوي رهباناً وراهبات، يبدو لنا الآن أن أكثرهم إن لم يكن جميعهم ناقلي أخبار، ضباط مخابرات وجواسيس ليس الا , ولا علاقة لهم بالدين والانسانية وانما بخمة اهداف بلدانهم السياسية ليس الا .
وأما الوسيلة الثالثة فكانت إرسال رحالة بشكل أو بآخر، تارة سيدة، واخرى رجلاً، قد يتظاهر بالإسلام، وقد بقي على حقده الذي لا تخفيه كلماته التي أطلعنا عليها بعد أحقاب طويلة ومتعاقبة من الزمن.ووصل الامر الى ارسال اكثر من بعثة في الان نفسه الى المنطقة الواحدة في عام واحد او اعوام متتالية , وكان كل رحالة له اختصاصه ومهمته ومنطقته .
لقد اعتمد هؤلاء الرحالة الأسس التالية أثناء تنفيذهم لمهماتهم التي كانت تبدو ظاهرياً من باب الفضول الشخصي والبحث عن المعرفة. فقد كانوا يرتدون لباس البدو نفسه، فيبدو واحدهم من بعيد، وكأنه أحد القوم من حوله، وكانوا يحاولون التحدث بلغة ولهجة البدو أيضاً، وكانوا يتقيدون بعادات ولهجات العشائر التي يمرون بها، أو يعيشون بين ظهرانيها، وكان بعضهم يتظاهر بالإسلام، أو على الأقل لم يحاولوا الجهر بمعاداته للدين الحنيف ،ومضافاً إلى هذه وتلك، كانوا يحملون معهم النقود لدفعها للشيوخ أو للأفراد أو أجراً لاستخدام الدواب، أو لاستئجار خادم لفترة قصيرة أو طويلة، وكانوا يحملون في أوقات أخرى كتب توصية من مسؤولين أتراك، أو شيوخ أو حكام إداريين، وكان بعض كتب التوصية مجدياً، بينما كان البعض الآخر يجلب وبالاً على حامله.
وهكذا فإن الشخص إذا لبس لباس قوم وتكلم لهجتهم، وتقمّص عاداتهم، وتظاهر (أحياناً) باعتناق دينهم، فإن الازار كاف لتغطية جلده ولحمه وعظمه ودمه . رغم ان غرابته تبدو من غرابة لون بشرته، ويبقى القلم في النهاية أكثر وأكثر غرابة وبعداً عن روح مجتمعنا ومبادئه وحياته.
وقد سار الرحالة الأجانب تارة بتكليف من هيئة علمية، وأخرى التظاهر بانها جهود وطموحات شخصية، وأخرى في بعثة تبشيرية... إلخ، حتى كانت المحصّلة النهائية، هي جمع ما كان يدور في المجتمع، من معلومات، ووصف نمط الحياة، ومصادر المياه، والمعادن، والأماكن، والعشائر والشيوخ والصراعات والتحالفات والتوجهات وخبايا النفوس , بشكل جاء في صور تقارير استخبارية، تنفع الطامع بالاحتلال والانحلال.
لقد كان بيركهارت أحد هؤلاء الرحالة،وكان من اهمهم ان لم يكن اهمهم , وقد جاء إلى منطقتنا مبكرا في أواخر عام 1810، بقي فيها إلى عام 1817 حيث (لقي حتفه) في القاهرة، ودفن فيها على أنه مسلم. وقد زار سوريا والأردن وفلسطين وجزيرة العرب ، وبيت الله الحرام (بدعوى أنه مسلم جاء لأداء فريضة الحج). وسيناء، ومصر العليا والسفلى، إلى أن حط رحالة أخيراً في القاهرة حيث مرض بالحمى ومات.
كتب هذا الرحالة عدداً من الكتب، من بينها : سوريا والبلاد المقدسة، كما كتب عن الأمثلة العربية، وعن رحلاته في بلاد العرب (الحجاز والجزيرة العربية) وبلاد النوبة ومصر. وقد قام المترجم ( شخصيا ) بتصوير الكتابين المتعلقين بالأمثلة، ورحلاته عن بلاد العرب والنوبة من مكتبة جامعة كمبردج على أمل أن تتاح لنا فرصة ترجمتها إلى العربية بعون الله سبحانه.
ومن كتب المؤلف، هذا الكتاب الذي ترجمته بجزئيه وهو: ملحوظات عن البدو والوهابيين . وقد أتيحت لي قراءة كتابه. رحلات في سوريا والبلاد المقدسة، بالعربية مختصرا – ترجمة عبد الله عرفات، وبالإنجليزية حيث توجد في المكتبة الكبيرة في جامعة كمبردج،وصورتها عن نسخة في المركز البريطاني بعمان وقد وجدت أن الترجمة إلى العربية ( عبدالله عرفات ) ليست بالمستوى العلمي المطلوب، كما كانت خالية من الهوامش الضرورية. أما النسخة الإنجليزية، فقد هالني منها ما بها من ملحقات، تنم عن عقلية ومهمة استخبارية مذهلة للرحالة بيركهارت، وقد كتبها بإتقان زائد، فهو يهتم بالطرق، ومراحل طريق الحاج، وآبار المياه، وأفضل السبل للوصول إلى القرى والمدن، وبلاد الحجاز، وما إلى ذلك.
والشيء الذي وجدته في مكتبة جامعة كمبردج أيضاً: أن رسائل بيركهارت إلى أصدقائه وهي بخطه بالحبر , لا زالت محفوظة هناك وقد اطلعت عليها في مكتبة جامعة كامبردج وهي في قسم خاص برسائل الرحالة ، رغم أنها في بعضها شخصية أحياناً، ومما وقعت عليه يدي مثلاً، رسالة بخط يده مؤرخة عام 1817، ومرسلة من قبله إلى صديق له بجامعة كمبردج، يصف له الحياة، بالقاهرة في الفصل (من السنة) الذي راسله فيه.
وقد تكون دائرة المعقول المقبول، إذا ما قلنا، أن حفظ هذه الرسائل والكتابات الدقيقة، جاء من منطلق استخباري وعلمي في آن واحد. فهذه معلومات يستفيد منها الجميع للأغراض الدراسية، وأيضاً للأغراض الاستعمارية- السياسية. ورغم أن هذا كله في محصلته النهائية يشكل خطراً علينا، إلا أننا لا نملك إلا التمني أن نكون بهذا المستوى من احترام العلم وحفظه، والتطلع نحو ازدهار المجتمع العربي والإسلامي الذي ننتمي إليه.
ومن جهة أخرى جاءت كتابات ورحلات بيركهارت ضرورية ومفيدة لنا للغاية، حيث تحدث عن عشائر التقاها أو عرفها في بلادنا ( بلاد الشام وجزيرة العرب ) ، وعن نمط الحياة، بحيث وصفه وصف المشاهد المعايش، وكان به ذكياً ودقيقاً وشمولياً، بما يفوق أي رحالة آخر قدم إلى المنطقة. فقد كتب أكثر من كتاب، وبالتالي كان يتفادى النقص الذي يحدث في أي منها، أقول يتفاداه بتغطيته في الكتاب الثاني، وهكذا.
والباحث لا بد أن يحترم ذكاء هذا الرحالة، بغض النظر عن الغرض الذي قصده من الكتابة أو الملاحظة. ولكن المأخذ الملحوظ على ماكان يكتبه في كتابه هذا الذي ترجمناه، أنه يتسم بالقلقلة وعدم الاستمرارية فهو ينتقل من موضوع إلى آخر، دون مراعاة للخيط الذي يربط السلسلة من ألفها إلى يائها.
ورغم أنه جاء أميناً ورزيناً في بعض المواقع من كتابه، إلا أنه كان مشتطاً في بعضها الآخر، بحيث يبدو حاقداً، وأحيانا غامضاً بما يتعذر علينا فهم مقصده. وقد عذرته شخصياً لغموضه هذا، لأن اللغة الإنجليزية التي كتب فيها بحثه (إذا جازت تسميته بحثاً)، ليست لغته الأم مما حدى بنا للاعتقاد أنه ربما كان يفكر بلغته، ثم يترجم إلى اللغة الإنجليزية، فكانت التركيبة اللغوية والبناء بطريقة تبدو مشوشّة، أو غير واضحة على الأقل؛ طويلة الجمل إلى درجة الملل.فهو سويسري ومرسل من قبل اللجنة الجغرافية الملكية البريطانية
وقد يُعزى هذا الغموض إلى عدم فهم بيركهارت لمجريات الحياة واللغة الانجليزية بالشكل المناسب، مما جعله يقول ما يخطر بباله، وهو بالتالي يعبِّر عن عدم وضوح الرؤية لديه، وعدم فهم جوهر الأمور واللغة كما يجب فهمها وربما كانت العجلة سبباً من الأسباب، بحيث لم يتسنَّ له تنقيح أو إعادة كتابة أو تنظيم ما سطّره , اذ عاجله الموت قبل تحرير المادة بالشكل النهائي والعلمي المطلوب . وكان الرحالة الاخرون يعودون الى بريطانيا ويكتبون رحلتهم فب هدوء وتاني وهم في بلادهم , اما بيركهارت فقد عاجله الموت قبل ادراكه لهذه المرحلة .ومع هذا دون ملحوظات هائلة عن عشائرنا العربية في بلاد الشام وجزيرة العرب , بما يلقي الضوء على تركيبة ومناطق تلك العشائر في تلك الحقبة من الزمن
أما عدم التنظيم في كتابه هذا ، فقد كان شفيعه الوحيد، أن عنوان الكتاب: ملحوظات عن البدو، الأمر الذي يعطيه المبرّر، في أنه لا يقصد عمل كتاب، وإنما تسجيل ملحوظات. وعلى أية حال، فإن المنهج العلمي غائب تماماً عن الكتاب، وإن كانت المادة العلمية الأولية متوفرة بشكل قد يوصف بالمناسب المريح.
لقد حوى الكتاب مادة عن طبيعة ونمط حياة العشائر العربية البدوية ، ومواشيهم، وبيئتهم، والمظاهر العامة الهامة في الاعتقاد والقضاء، والتشكيلات العشائرية من تحالفات ومناكفات وصراعات ، مما يعطي فكرة موجزة عنهم في هذه المناحي في مطلع القرن التاسع عشر، وهو وقت كتابة المادة. كما انه اول غربي وصل البتراء وتحدث عنها ورسم لها مخططا والقى الضوء عليها لمن تبعه من الرحالة الغربيين فيما بعد .
وقد وجدنا – للأمانة العلمية- أن نترجم ما ورد بما يكفل نقل ما أراده الكاتب،ولا يتنافى مع طبيعة ونمط الحياة البدوية، وحيث أن الرجل كان يكتب بلغة غير لغته، وعن شعب غير شعبه، وعن بيئة غير بيئته، وعن ثقافة غير ثقافته , فقد كانت الكلمات والتعبيرات كثيراً ما تخونه، وفهم بعض الأمور بما يقصر عن إدراك كلياتها وجزئياتها. من هنا، فإن المتمعِّن في نصه الإنجليزي، ونصنا العربي، ليجد أن الكاتب استخدم الكثير من الكلمات في غير مواضعها، فترجمناها نحن بما يوافق سياق النص وطبيعة الحياة وأسسها وثقافتنا العربية وما ينسجم مع السياق وطبيعتا العربية والبدوية ، كما نعرفها نحن، ونحن جزء من البدو ومن العشائر ، ومن أبناء البادية، وإذا قُدّر للمطبعة أن تضع الكلمات الإنجليزية المستخدمة، وما يقابلها من ترجمة عربية، فإن الفوارق ستظهر بوضوح في توظيف الكلمة في غير موقعها من قبل الكاتب، أو استخدامنا للكلمة العربية بما يتفق مع الأساس العام، ولا يتفق مع المعنى الحرفي للكلمة، ولا يناقض السياق العام للنص.
وقد استخدم الكاتب لغة القرون الوسطى وهي صعبة ولم تعد سائدة الان ولكن ولكثرة ماترجمت من الكتب ولانني خريج جامعة كامبردج البريطانية , فقد كنت قادرا والحمد لله على فهم لغة القرون الوسطى وترجمتها الى السياق العربي. ومن المشاكل التي واجهتها ايضا ان الجمل الانجليزية التي كتبها المؤلف طويلة لدرجة ان بعضها تساوي صفحة في النص المطبوع واحيانا تزيد على ذلك , الا انني كنت اقطع الجملة الانجليزية عند الترجمة الى عدة جمل بما يتفق مع بنائية اللغة العربية , فيبدو النص وكانه مكتوب اصلا بلغتنا العربية وليس مترجما , وهذا من فضل الله علينا .
وقد وضعنا أرقاماً على المواضيع التي نراها بحاجة إلى شرح، وشرحنا في الحواشي ما نراه ضرورياً، وكنت استعين بوالدي المغفور له صالح سليمان العويدي رحمه الله لشرح المعنى والعاات التي لااعرفها , او تلك التي اريد التحقق منها او التي لم تعد موجودة في جيلنا ولكنها كانت في جيل والدي رحمه الله . فجاء ما كتبناه في الهوامش تارة تعليقاً، واخرى شرحاً أو تحليلاً،او سردا لتطور العادة منذ زمن المؤلف الى زمني ( قرنين من الزمن ) فجاءت الحواشي بحجم ليس بالقليل ركزنا فيها على ما لدى العشائر الأردنية (بدو الأردن في حينه) فيما يخص هذه الظاهرة أو تلك.
كما حاولنا أيضاً تبيان تطوّر بعض الامور من عادات أو استخدامات أو كلمات او اصطلاحات ، منذ تاريخ قدوم هذا الرحالة إلى ديارنا (1810 – 1817م) إلى الآن (2010 ). وقد يمكن اعتبار ذلك نوعاً من التأريخ الاجتماعي او التطور الاجتماعي ، وربما يستفاد منه مستقبلاً ضمن هذا الإطار أو غيره من الأطر.
أما شروحاتنا، فجاءت مقصورة على بدو الأردن كما قلنا، لأننا منهم والفرص أمامنا متاحة بشكل أفضل للتعبير عنهم بشكل لا يكون سقيماً، ونعرف مدى دقة واتفاق الملحوظة أو اختلافها مع ما ورد في النص.ولان الدقة جزء من الامانة العلمية .
وأما ترجمة هذا الكتاب فلها قصة. فعندما شرعت في دراستي العليا بجامعة كمبردج البريطانية (بداية 1980)، وقعت يدي على هذا الكتاب ضمن المراجع التي لا بد من مطعالتها والرجوع إليها , والتي وضعها لي الاستاذ الشرف انذاك المستشرق المعروف عالميا : البرفسور سارجنت وكان يتحدث ثماني لغات منها العربية . وقد قرأت الكتاب في مطلع دراستي انذاك ، وكانت لغتي الإنجليزية لا تساعدني على فهمه بدقة، وإن كنت قد استوعبت معناه ومحتواه بشكل عام. ثم عدت إلى قراءته ثانية عام 1981، عندما وجدت أن من اللازم ترجمته إلى العربية، لما فيه من معلومات مفيدة (ولا أقول منهجاً علمياً مفيداً).
وعندما انتهيت من كتابة رسالتي للدكتوراه، وتقديمها إلى لجنة الفحص , شرعت في الترجمة ، أثناء انتظاري لأداء الاختبار أمام اللجنة الفاحصة . وقد بدأت العمل بالترجمة يوم الاثنين 4/10/1982، وانتهيت منه في الساعة الرابعة وعشر دقائق صباحاً بتوقيت غرينتش بعد حوالي أربعين يوماً، تنقص قليلاً. وكنت تواقاً لإنهائه، وتفرغت إليه، فعملت ساعات الدراسة التي كنت أشغلها للدكتوراه، أعانني الله سبحانه على الانتهاء منه، وكنت في منزلي في 10 طريق القديس جونز – كمبردج. وقد أديت الامتحان الشفوي لرسالة الدكتوراه أثناء ذلك، وذلك يوم الاثنين 10/11/1982، وكنت قد قدمتها لمجلس الجامعة يوم الجمعة 30/9/1982. واستغرق انتظاري ستة أسابيع أي أربعين يوماً. وقد تسلمت رسالة الدكتوراه شخصياً في يوم السبت 11/12/1982 وهو تاريخ إبتعاثي لها. وكان المشرف هو البرفسور سارجنت المذكور , اما اللجنة الفاحصة فكانت من استاذين وهما : الفاحص الداخلي وهو البرفسور الين . واما الفاحص الخارجي فكان البرفسور بول دريش وهو مختص بالشؤن اليمنية وكان احد تلاميذ البرفسور سارجنت المختص اصلا بالشؤن اليمنية ايضا .
وقد كان لزوجتي جميلة عبد الحليم زعل الطواهية دور كبير في مساعدتي وتشجيعي ليس في ترجمة الكتاب فحسب، بل وفي إنجاز الدكتوراه قبل وقتها المحدد بفضل الله سبحانه، إلى العود إلى ربوع الأردن الذي أعشقه.حيث رافقتني في العام الاخير من الدراسة .
من هنا، فإن لهذا الكتاب قصّة عاشت معي حلو أيامي ومرها، فمن لحظات الآلام والمعاناة للتحضير، إلى التشنج في انتظار النتيجة، إلى السعادة اللذيذة في تسلّم الدكتوراه والحمد لله سبحانه.
وعندما عدت إلى الأردن، شرعت في كتابة الملاحظات والتعليقات والشروحات، وكنت انوي إعادة صياغة الترجمة، إلا أنني أنوي بعد قراءتها لم أجد ما يبرر تغييرها، فهي الآن بين أيديكم كما ترجمتها مباشرة، وكما هي بالمسودة تماماً. وقد شرعت في كتابة الملاحظات يوم السبت /17/9/1983 يوم عيد الأضحى المبارك، حيث كنت مناوباً بالوظيفة الرسمية،وكنت ضابطا في الامن العام وكنت كبير مناوبين عندما بدات الترجمة , وانتهيت منها في يوم الخميس الموافق 11/10/1984 ولم أكن مواظباً على الكتابة، إلا في الفترة الأخيرة، عندما وجدت أن الأفضل هو الانتهاء من الموضوع وتجهيزه للطباعة، بعون الله، واستغلال وجود والدي الى جانبي وهو البحر الزاخر فيما يخص العشائر والعادات والعشر البدوي والقصصالبدوية ومنا وضحا وابن عجلان التي اخذتها عن والدي رحمه الله . واعانني الله، فانتهيت من الكتاب والحمد لله. كما كان لوالدتي المغفور لها رفعة زعل الطواهبة الدور الأكبر في إعطائي كثيرا من تفاصيل الحواشي التي كانت خارجة عن معرفتي وعلمي فإلى روحيهما الرحمة وأسأل الله سبحانه لهما المغفرة والجنة آمين. والشكر موصول لزوجتي جميلة عبد الحليم زعل الطواهية، وأولادي: البشر ونمي، والعرين والزهراء وآية الذين تسامحوا باوقاتهم لقاء تفرغي للدراسة والبحث والترجمة .
أما مقصدي من وراء هذه الترجمة، فهو أن أي علم ينفع، ففيه الأجر عند الله سبحانه، ونسأله جلّت قدرته أن يؤتينا ما ينفعنا في الدارين، في الحياة، وبعد الممات. فمن النافع أن يطلع القارئ، والإنسان العربي على ما كان عليه مجتمعنا، وما هو عليه الآن، وما كتبه الأجانب، وما نكتبه نحن، ذلك أن فهم طبيعة المجتمع ضرورة من ضرورات الحياة للتعايش والتعامل معه. كما أنه من المهم معرفة ما كان عليه آباؤنا وأجدادنا قبل حوالي قرنين من الزمان. وما هم عليه الآن وما كانوا عليه في (الحقب) المتتالية بين الحلقتين.
وأعتقد أن من المتعذر أن يقوم بترجمة مثل هذا الكتاب، ترجمة دقيقة تفي بالغرض، شخص يجهل حياة البدو، لأنه حينها سيجد نفسه مطوّقاً بمتاهات واصطلاحات وتسميات مجهولة، يعجز عن حلّها إلا بالرجوع إلى ذوي الخبرة والعلم في هذا المجال.
وأخيراً وليس آخراً، فإنني استميح القارئ عذراً عن أي تقصير يجده، لأننا بشر، فالكمال صفة تفرّد بها الخالق سبحانه على من سواه، ونرجو أن نكون قد أدينا الأمانة، وألقينا الضوء على الحياة البدوية وحياة االعشائر ، بما يصور الواقع، ولا يشتط في الوصف أو الخيال وأن نكون خدمنا العلم والأردن.
وفي الختام أحمد الله سبحانه أن قدّرني على أداء المهمة، وأسأله سبحانه أن يلهمنا قول الحق (بلا رياء ولا مراء)، والله من وراء القصد.
السويسة السبت 13/10/1984 الساعة الثالثة بعد الظهر
التنقيح الثاني 1/6/2006
التنقيح الثالث شهر اذار 2010
توطئة/ تصدير Preface
(من الناشر الانجليزي في مطلع القرن 19 )
إن هذا المجلد الذي يلحق بالكتب التي تم طبعها في أوقات مختلفة، والتي تشكل وصفاً لأبحاث بيركهارت في كل من النوبة وسوريا وجزيرة العرب ، وكما وعد العقيد ليك Leake (محرّر رحلات بيركهارت في النوبة وسوريا)، فان هذا الكتاب يشكل ملاحظات وفيرة عن عرب الصحراء وخاصة عن الوهابيين([1]).
إن هذين المجلدين ضمن هذا الكتاب، والمقسمة حسب ترتيب المؤلف نفسه إلى جزئين، تؤديان خدمة في عدة مناسبات لتوضيحات متماثلة، ومع هذا فإن كل جزء يشكل عملاً مستقلاً واضحاً، فالأول ( ملحوظات عن البدو )مجرد وصفي، والثاني ( ملحوظات عن الوهابيين ) تأريخي.
ونحن نجد في الجزء الأول، ليس تعدادا للقبائل البدوية وأوضاعهم المحلية المختلفة وأعدادهم، وقوتهم العسكرية فحسب وإنما أيضاً وصفاً لعاداتهم الغريبة، وأنماط حياتهم، وعاداتهم، وعلومهم وفنونهم، وملابسهم، وأسلحتهم، وعدداً من الأشياء الخاصة الوثيقة الصلة بذلك الجزء الهام من العرق العربي race.
أما الجزء الثاني من هذا الكتاب، فقد ألفه بيركهارت من معلومات أصلية مكتوبة وشفوية، كما يبدو ذلك بالتحقيق الدقيق، والذي يعتبر أكثر أصالة كتاريخ لهذه المجموعة الإسلامية ذات الحماس المنقطع النظير، وهم الوهابيون، حيث أنه يتابعهم منذ ظهورهم في أيامهم الأولى كمصلحين، تم في هذا القرن الماضي (18)، وذلك خلال حروبهم كلها مع غيرهم من العرب، ومع الأتراك إلى عام 1816، وهو العام الذي عاد فيه بيركهارت من الجزيرة العربية مكان نشاطهم إلى مصر، حيث لقي حتفه بعد وقت قصير، في موت سابق لأوانه والذي انتهى معه مستقبله الأدبي، وحال دون إنجاز العديد من المخططات، وهي رغبته الملحة في اكتشاف قلب المناطق الإفريقية التي لم تكن معروفة كثيراً.
وأثناء إعداد هذين الجزأين للطباعة، فلا بد للمجرب أن يعلن هنا، أنه قد تبنى، وبدون خلاف، خطط صديقه العبقري الكيّس accomplished الجامع للعادات antibuary والذي أشرف أثناء الطباعة على الأعمال الكتابية لرحالتنا الذي فجعنا به، وذلك بإبداء ، عواطف المؤلف في المناسبات جميعها،، وبالإخلاص الذي لا يرقى إليه شك, وبالإبقاء على لغته الأصلية، وبدون أي التزام لمجرد رشاقة elegance الأسلوب، أو الاصطلاحات المنتقاة، طالما أن التغيير لم يكن ضرورياً بصورة مطلقة أو قوية ، ليتمشى مع نظامنا في التعبير والبناء القواعدي تلك الاصطلاحات الغربية toreignidioms والتي قد تسللت في كتاباته الإنجليزية.
إن هذين العملين المقدمين بين يديك، سوف يزكيان نفسيهما للقراء. وذلك من خلال الحكايات النادرة المتعددة الغريبة ذات الطابع الخاص. ولكن لا بد أن نشعر جميعاً بالاهتمام في حساب هؤلاء العرب وأن نحترمهم ، والذي يمكن أن يكون الأمر الحتمي لأي مؤرخ يتحدث عنهم أنهم: "كما أن البرية القفراء المجردة nekedwild erness لاتستطيع استدامة إعاشة شعب من الصيادين، فإنهم قد جاؤوا مرة واحد إلى ظروف أكثر أمناً من الحياة الماضية، تلك الحياة إياها المنسقة التي ثبتتها الصحراء المتجوّلة، وإنها في صورة البدو المعاصرين، يمكننا أن نتقصص ونستشف trace ملامح أجدادهم والذين أقاموا في ظلال خيام ممثالة زمن (سيدنا موسى) أو (سيدنا محمد) (عليهما الصلاة والسلام). والذين لا بد أنهم قد وردوا بخيولهم وإبلهم ومواشيهم sheep إلى نفس المنابع والمراعي". (إمبراطورية قيبون الرومانية- الفصل الأول).وليم أوزيلي William Ousekey لندن 19 شباط 1830
انتهت التوطئة المقدمة من الناشر البريطاني
انتهت الحلقة الاولى وتليها الحلقة الثانية حيث نبدا بمتن الكتاب ان شاء الله .
([1][1](Burckhardt's "travels in Syria and the Holy land . Pref. P.ii, 4to Editition,.
[email protected]



