الرئيسية/العالم
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

مع حماس وضد عباس

مع حماس وضد عباس

نعم، ضد عباس، ولكن ليس ضد حركة فتح صاحبة الرصاصة الأولي في حرب التحرير الوطني الفلسطيني. ونعم، مع حماس، ولكن ليس ـ بالضرورة ـ مع محمود الزهار بتشدده الديني وخططه لهدنة طويلة الأجل مع إسرائيل. وربما لا يصح الانزلاق بحديث السياسة إلي مقارنات شخصية، رغم أن المعني الشخصي واضح ومؤثر بالإلهام، فقادة حماس الظاهرون علي درجة رفيعة من الاستقامة وحسن السلوك، بينما يبدو قادة فتح الظاهرون علي العكس بالضبط، فأن تنتهي حركة فتح إلي قيادات من نوع محمد دحلان وأحمد قريع وصائب عريقات، أن يكون هؤلاء في واجهة فتح، فهذه هي المأساة بعينها، فالإيحاءات الشخصية مسيئة لدم شهداء فتح، وحتي الرئيس عباس نفسه لا يقدم مثالا مقنعا بتصرفاته الأسرية، فابن عباس ـ مثلا ـ مشغول بشراكة في شركة اتصالات، بينما أبناء الزهار ـ مثلا ـ في زمرة الشهداء، وكأن عباس تحول إلي أبو البيزنس لا أبو مازن بينما يبدو الزهار في صورة أبو الشهداء قدم اثنين من أبنائه إلي مقام الشهادة إلي الآن، ويبدو ـ مع ذلك ـ صابرا محتسبا، لا يردعه خطر الاغتيال الشخصي عن نداء المقاومة، ولا تقعده أحزان كالجبال. والمقارنة التي تصح ـ قبل وبعد الشخوص ـ هي بين برنامج وبرنامج، وربما بين حركة وحركة، وقد لا يلتفت كثير إلي المنشأ المتقارب لحركتي فتح وحماس، حركة فتح بدأت خلاياها الأولي من غزة تماما كحماس، ومؤسسو فتح الأوائل ـ في غالبهم ـ خرجوا من معطف جماعة الإخوان المسلمين الفلسطينية، تماما كحماس، كان المؤسس المهندس ياسر عرفات إخوانيا قبل فتح، كذا خليل الوزير أبو جهاد وزير دفاع فتح الأول، وكلاهما انتهي إلي شهادة يستحقها، انتهي أبو جهاد إلي اغتيال في عملية إسرائيلية بتونس، وانتهي عرفات إلي اغتيال مرجح بالسم الإسرائيلي، وبعد حصار طويل في مبني المقاطعة برام الله، ولا تزال تتدفق إلي الآذان والقلوب صيحته الشهيرة وسط الحصار، صيحة شهيدا. شهيدا. شهيدا . وكان عرفات ـ بتداعيات السيرة ـ ملك مناورة بامتياز، وقطا بسبع أرواح، لكنه ـ مع حس المناورة في طبعه ـ تحول إلي رمز مجبول بالدم لعذاب الشعب الفلسطيني ، وحلمه في التحرير، كان عرفات هو الأكبر تأثيرا بين رفاقه المؤسسين لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكان التالي في الأهمية القائد الراحل مؤخرا جورج حبش. وفي مذكراته يروي حبش نكتة بدت كأنها تعليق علي الطبع المناور لعرفات، تقول النكتة: ان عرفات امتنع عن رمي الجمرات في رحلة الحج إلي بيت الله الحرام، وحين سئل: لماذا؟، قال عرفات: دعونا لا نرجم الشيطان فربما نحتاجه فيما بعد! وقد كان هذا المزيج من الإخلاص الفدائي والمناورة السياسية واحدا من أسباب نهاية فتح إلي ما انتهت إليه، فقد تحصن عرفات بزعامته التاريخية موضع الإجماع، وكان لا يقطع خيطا مع عناصر ظاهرة السوء في قيادة فتح، أو في غيرها من حركات الفداء الفلسطيني، كانت هذه لعبته المفضلة، كان يأخذ الكل في حضنه، وكان يجمع الكل في معطفه، كان محمد دحلان مقربا من عرفات ربما أكثر من مروان البرغوثي قائد فتح الراديكالي، كان عرفات يركب جوادين في وقت واحد، كان يمسك بعجلة القيادة إلي اليمين، ويندفع إلي اليسار كإعصار، كان ملتبسا لأكثر المقربين، ودافئ العواطف علي الدوام. كان أسيرا ـ علي نحو ما ـ لفكرة التوحد بالمعتدي، وهي عرض نفسي يجعلك تتعلم من عدوك لتكرر فعله بالضبط، كان عرفات أسيرا لفكرة دور المال في سيرة ونشاط الحركة الصهيونية، ولعب بالفكرة ذاتها مع رفاقه، ومع مثقفين عرب، ومع الأحزاب في حرب لبنان، لكنه وقع في الخلط بسبب اختلاف الظروف بين سيرة الحركة الصهيونية وسيرة الحركة الفلسطينية، وحول التداول عند القمة إلي خزانة أسرار مفتاحها في يده شخصيا، لكنه ـ علي أي حال ـ ظل قادرا علي ضبط التوازنات في فتح بأثره الشخصي الحاكم. وحين اختفي ذهبت التوازنات، وتحولت القيادة إلي أكوام ملح، كان رأس الجناح الراديكالي المجدد لتنظيم فتح مروان البرغوثي في الأسر الإسرائيلي، بينما عباس ودحلان وصحبه علي رأس القيادة، وفي وضع الحصانة الممنوحة من إسرائيل، وسرعان ما أطيح بفاروق القدومي آخر صقور الحرس القديم، أعطيت له رئاسة فتح لوقت قصير عابر، وانتهت قيادة فتح إلي بيت مخصوص لعباس، كانت النهاية مسيئة لحركة فتح التي تمثل قطاعا هائلا من الشعب الفلسطيني، وظلت لعقود عنوانا للهوية الفلسطينية بكاملها، تحولت فتح ـ بعد عرفات ـ إلي تنظيم بلا رأس قادر، وانتهي تنظيمها الواسع إلي كيان مهلهل غير منضبط بالجملة، واندفعت التناقضات المتوارية بظل عرفات إلي منتهاها، تناقضات التوانسة مع قيادات الداخل الخارجة من رحم الإنتفاضة الأولي، ولجنة مركزية متيبسة متقادمة، شاخت قياداتها وأفسدتها الأموال السائبة وامتيازات سلطة العبث. وأثرت حملة الإعتقالات والأسر الإسرائيلي علي تنظيم فتح الداخلي بشدة، ولا يزال أغلب الأسري ـ إلي الآن ـ من حركة فتح، صحيح أن حماس أصابها هي الآخري ربما أكثر ما أصاب فتح، وتوالي اغتيال قياداتها بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين إلي اسماعيل أبو شنب وعبد العزيز الرنتيسي، لكن حماس بدت قادرة علي تجديد قياداتها بكفاءة عالية، زادتها المحن صلابة، بينما انتهت فتح إلي تفكك وذهاب ريح تكاثف بالضباب علي صورتها الأصلية، وبدت فتح ـ بالجملة ـ كأسطورة تنسحب من التاريخ، بينما حماس تتقدم إلي المنصة. صحيح أن قيادة عرفات في أواخرها عطلت التحول لصالح حماس لبعض الوقت، وبدت قادرة علي حفظ دور مرئي لتنظيم فتح في الإنتفاضة الثانية، والتي تفجرت بعد رفض عرفات التنازل عن القدس وحق العودة في مفاوضات كامب ديفيد الثانية، وهكذا تبقي لفتح بقية من دور مقاوم، وبدت قادرة علي حضور ميداني مؤثر، وبأدوار ظاهرة لقيادات من نوع البرغوثي وفارس قدورة وأحمد حلس، لكن المقارنة ـ بالجملة ـ بدت لصالح حماس التي ظهرت مع الإنتفاضة الأولي، وبدت علي درجة كبيرة من الحضور، وطورت تكتيك العمليات الإستشهادية إلي حد موجع بشدة ـ ربما مفزع ـ لكيان الإغتصاب الإسرائيلي، وتقدمت لدور البطولة الأولي علي مسرح الإنتفاضة الثانية، وهو ذات الدور الذي بدا محجوزا لفتح بالتقادم في الإنتفاضة الأولي، بدا كأننا انتقلنا من زمن فتح إلي زمن حماس، وبدا التنظيم العسكري لحماس كتائب عز الدين القسام في صورة الذراع الأقوي بامتياز لحركة التحرير الفلسطيني، بينما بدت الأذرع العسكرية لفتح مفرقة ممزقة وأقرب إلي مكانة الدور الثاني، وموزعة الولاءات علي قيادات مقربة من عرفات، ثم أقرب إلي تفكك وانحسار في الموارد بعد رحيل عرفات، خاصة أن عباس استغل حصار إسرائيل لعرفات، وكون جماعة ضغط ضد عسكرة الإنتفاضة، ولم يتورع ـ بعد وراثة عرفات ـ عن مطاردة الفدائيين حتي من فتح، وتحول بشباب فتح إلي ميليشيات سيئة الصيت علي طريقة محمد دحلان، وكلها ظروف انتهت إلي انحسار الدور العسكري المقاوم لفتح، وانكشاف لخواء القيادة بعد عرفات، والتورط في علاقات مريبة مع الإسرائيليين. وهكذا انتهي الدور السياسي لفتح ـ بعد تآكل دور السلاح ـ إلي عنوان مكروه بإطراد لدي قواعد الشعب الفلسطيني، بدت قيادة فتح كأنها خصم مباشر لفكرة المقاومة، وبدت سكنا مختارا للإمتيازات علي حساب عذاب الشعب الفلسطيني، والنتيجة: انحسار التعاطف مع فتح، وتقدم حماس إلي دور سياسي وعسكري حظي بتأييد مذهل، ولم تكن هزيمة فتح المدوية في انتخابات أوائل 2006 هي آخر دليل، ولا هزيمة ميليشياتها المتضخمة المترهلة بصدام غزة أواسط 2007 هي آخر خيبة، بل لا تزال القصة جارية بفصولها في رواية تقدم حماس إلي دور مركزي ينحسر عن فتح.. حتي اشعار آخر. وحيوية حماس ـ كحركة ـ هي الضمان الأكبر لحيوية برنامجها، فالشباب الظاهر لقيادات حماس هو النقيض ـ بالضبط ـ لشيخوخة قيادات فتح الظاهرة في الصورة، وعوضا عن شخص واحد من طراز عباس الطاعن بالسن في قيادة فتح المتخفية، يبدو خالد مشعل ومحمود الزهار وإسماعيل هنية كأنهم قادة لهم القيمة ذاتها، فالقيادة تبدو جماعية عالية الكفاءة في حماس، بينما القيادة فردية شائخة في فتح، وتغييب مروان البرغوثي في السجن الإسرائيلي انتهي بالغياب ـ أو ما يشبهه ـ لدور فتح وبرنامجها المقاوم، بينما بدت حماس كأنها العنوان الأظهر علي البرنامج المقاوم، وقد بدا دخول حماس إلي السياسة والإنتخابات كأنه النهاية لبرنامج المقاومة، أو كأنه التسليم بصيغة أوسلو والضياع في متاهاتها، لكن الاجتياح الانتخابي الذي تحقق لحماس حمل معني اجتياح أوسلو ذاتها، وكانت أوسلو قد ضربت قبلها في ما يشبه المقتل بحوادث الانتفاضة الثانية، والوضع الناشئ في غزة بالذات بعد خروج إسرائيل بالسلاح وتفكيك المستوطنات. ولم تبد إسرائيل ـ ومعها أمريكا ـ مصرة علي منع حماس من دخول الانتخابات، وإن فوجئت ـ مع النتائج ـ بالتداعي المريع في مكانة فتح بعد عرفات، كان أمل إسرائيل: ترويض حماس، وكانت تلك مخاوفنا أيضا ومخاوف غيرنا، لكن توالي الحوادث بالحصار انتهي بحماس إلي طلاق عملي مع معني السلطة وترويضاتها واستحقاقاتها، وإلي استعادتها لبرنامج المقاومة مجددا، أي أن التباري عاد سجالا ـ بغير التباس ـ بين برنامج المقاومة وبرنامج المساومة، وفيما يبدو برنامج المساومة مأزوما، إذ أن إسرائيل لا تبدو مستعدة لمساومة في الضفة والقدس بغير الضغط المسلح، ثم انها تبدو بلا رأس ـ بعد غيبوبة شارون ـ قادر علي مساومة تاريخية، ثم انها متشككة في مقدرة عباس علي لعب دور الشريك الكفء في مساومة تقنع الحد الأدني اللازم من شرائح الشعب الفلسطيني، وهو ما يعني أن خط المساومة ـ ولو بألف أنابوليس ـ انتهي إلي حائط مسدود، بينما تبدو الطرق سالكة لبرنامج المقاومة، وبالذات بعد دراما اقتحام معبر رفح، وعودة الموضوع الفلسطيني هاجسا ملحا ضاغطا في رأس السياسة المصرية، وانفتاح ملف الآثار الخطرة لقيود كامب ديفيد علي سيادة مصر ودورها، وانفساح المجال لتضاغط مؤثر في مصر بين هيمنة أمريكا وإسرائيل وتصاعد دور حركة الوطنية المصرية الراغبة في التغيير، ففتح ثغرة في الحصار إلي مصر. ان وجود الثغرة ينبه مصر إلي قيدها بقدر ما يلفت النظر لخطورة عزل الفلسطينيين، والمعروف أن ملاحق معاهدة السلام الأمنية حجزت الوجود المصري العسكري إلي شرق قناة السويس، وبعمق 58 كيلومترا فقط إلي داخل سيناء، وتركت عمق سيناء الإستراتيجي فارغا من السلاح إلا من أربع كتائب لحرس الحدود، ونزعت حق مصر في إقامة مطارات وموانئ حربية بسيناء، ونزعت سلاح شرق سيناء بالكامل، وإلي عمق 33 كيلومترا من خط الحدود مع غزة فلسطين ومع إسرائيل، وهو ما يعني ـ بالحقائق الصلبة ـ أن تفريغ سيناء أمنيا هو صناعة أمريكية وإسرائيلية، وقد تكشف الفراغ ظاهرا للعيان مع حوادث المعبر، وهو ما يتيح لصانع القرار المصري ـ إن أراد ـ فرصة غير مسبوقة في أثرها لاستعادة السيادة المضيعة، والمطالبة بتعديل جوهري في الملاحق الأمنية المهينة، وزيادة حضور القوات المصرية في شرق سيناء، والتي لا تتعدي إلي الآن 750 فردا من حرس الحدود، تقرر وجودهم بتعديل محدود جري أواخر 2005. أي أن الحوادث ـ بعد انتفاضة المعبر ـ فتحت الأقواس التي كانت مغلقة، وجعلت استرداد حق مصر في السيادة مرتبطا أكثر بمعركة التحرير الفلسطيني، وكما لم يحدث منذ غابت مصر عن واجهة الصدام مع إسرائيل باتفاقات أواخر السبعينيات، وهو ما يقبل التطور ـ بالتداعي ـ إلي دعم معنوي وربما سياسي من مصر لحركة التحرير الفلسطيني، وليست القصة معلقة بترتيبات عاجلة يتفق عليها أولا يتفق لإعادة تنظيم المعبر، بل الحال الفلسطيني كله ـ وربما المصري أيضا ـ علي المحك، خصوصا مع أزمة النظام في مصر، وأزمة عباس في رام الله، وأزمة الخيبة الأمريكية في العراق، وأزمة القيادة في إسرائيل بعد تقرير فينوغراد، وكلها موارد سياسة تدعم التحول لصالح برنامج المقاومة. أضف: دور قوة أقليمية مؤثرة جدا هي إيران، وهي تمد صلات بالسياسة إلي عواصم عربية مؤثرة من الرياض إلي القاهرة، وتدعم ـ بالمال وبالسلاح ـ برنامج المقاومة ضد إسرائيل وأمريكا، وهو ما يعني أن التطورات كلها ـ بنصاعة المغزي ـ مع برنامج حماس وضد برنامج عباس.
Khaberni Banner
Khaberni Banner