الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

معلّقة رفع الدعم عن الخبز

معلّقة رفع الدعم عن الخبز

منذ عام 1989 وحتى الآن تحدث عن موضوع رفع الدعم عن الخبز، وغيره من السلع الأساسية، رؤساء حكومات ووزراء فاق عددهم عدد شعراء المعلّقات، وكتبت عنه دراسات ومقالات أكثر مما احتوته تلك المعلقات من أبيات وكلمات! ولكن أسوأ ما قيل عن هذا الموضوع يسجل لصالح الحكومة الحالية، بعد أن أظهرت تخبطا واضحا في بيان الأسباب التي تدفعها للمضي قدما في رفع الدعم عن سلعة الخبز وتقديمه للفئات التي تستحقه من المواطنين، دون غيرهم. حيث تعددت التبريرات وتنوعت لتشمل قصصا خيالية من قبيل قيام تهريب الخبز إلى بعض دول الجوار دون تسميتها، مرورا بنشر أخبار عن "ضغوط خارجية"  لثني الحكومة عن هذا التوجه حتى لا يسهم ذلك في زيادة الدعم الذي تقدمه تلك الجهات للاجئين السوريين، وكأن المجتمع الدولي ملتزم بصرامة بالعهود والوعود التي قطعها على نفسه في هذا المجال! وربما كانت الحكومة تأمل من وراء تسريب مثل هذه الأخبار كسب دعم المواطنين في وجه تلك الضغوط الخارجية العاتية مجهولة المصدر!

ويرى البعض أن كل هذا التخبط والعنت الحكومي، غير المنتج، ناجم بالأساس عن بعد الحكومة عن الناس وعدم تفهمها لظروفهم ومواقفهم ونضجهم الذي يمكّنهم من التعامل مع الحدث بكل إيجابية عندما تكون مبرراته منطقية وموضوعية. إلى جانب ذلك،  فإن اختلاف أنماط استهلاك متخذ القرار عن أنماط استهلاك العامة، وخاصة الفئات المسحوقة، وتعامل الفريق الأول مع الموضوع وفق ما يراه، لا وفق الواقع، كفيل بأن يقود إلى ما نلاحظه من تخبط، وربما إلى ما هو أكثر!

وأعتتقد جازما أن ردة فعل المواطنين كانت ستكون أقل حدة، بل وربما أكثر تفهما، لو أن الحكومة صارحت المواطنين بالدوافع الحقيقية التي قادتها إلى هذا الخيار، من جهة، وطرحت بدائل عملية وسلسة تضمن حصول المستحقين على الدعم المباشر دون عناء ودون مساس بكرامتهم، مع توفير ضمانات لاستمرار تقديم الدعم لهم ضمن منهجية وأطر واضحة وشفافة، من جهة أخرى. فمن جهة الدوافع كان على الحكومة أن تبين للمواطنين أن سياسة الدعم الحالية تعني، من ضمن ما تعنيه، ما يلي:

أولا، أن هذا الدعم يؤدي إلى تشوهات اقتصادية بسبب التباين بين سعر الخبز المدعوم وأسعار أصناف الخبز الأخرى التي تباع بأسعار عالية جدا مقارنة بسعر الخبز المدعوم، وهو ما قد يفتح الباب على مصراعيه لتمكين فئة معينة من المنتجين من استغلال هذه الثغرة لجني أرباح كبيرة قد تفوق النفع الذي يعود على الطبقات الفقيرة في ضوء النهج القائم حاليا.

ثانيا، أن سياسة الدعم الحالية تعني قيام خزينة الدولة، المنهكة أصلا، بتقديم الدعم لفئات واسعة من غير الأردنيين ربما يتمتع معظمهم بمستوى معيشي أفضل من مستوى معيشة المواطنين الفقراء. ولا يقتصر الحديث هنا على اللاجئين والوافدين بل يتوسع ليشمل السياح، في حال وجودهم، والعاملين في الهيئات الدبلوماسية والمنظمات الدولية، أو على الأقل جزء منهم، لأن نسبة ملموسة من هؤلاء لديها أنماط غذائية مختلفة.

ثالثا، أن أسعار الخبز المدعوم تسهم في رفع جانبي الطلب والعرض؛ الأول بسبب انخفاض تكاليف الإنتاج والثاني بسبب أسعار الخبز التي تقل  كثيرا عن سعر التوازن في السوق، وهذا ما يؤدي إلى إتلاف كميات لا يستهان بها من الخبز من قبل بعض الفئات المستهلكة، ولا أقول جميعها لأن هناك فئات من المواطنين الفقراء يشترون كميات كبيرة جدا من الخبز ويقومون باستهلاكه يوميا لأنه يشكل السلعة الأساسية لوجباتهم الثلاثة، وفي كثير من الحالات تكون تلك الوجبات مكونة من الخبز والشاي، أو اللبن، أو الخبز والزيت، أو والبندورة، عندما تكون أسعار الأخيرة ضمن نطاق قدراتهم الشرائية! وربما لا تعلم الحكومة أن هناك فئة من المواطنين تشتري الخبز بالدّين وأن عددا كبيرا من المخابز بات لديها "دفاتر" تسجل فيه ديون بعض زبائنها من مستهلكي الخبز!

رابعا، أن آلية دعم الخبزالحالية تضع على وزارة الصناعة والتجارة ضغوطا إدارية ومالية، غير مشمولة في مخصصات الدعم في الموازنة العامة، في ظل الجولات التفتيشية التي تقوم بها فرق الوزارة المتخصصة للتأكد من التزام المخابز بالشروط اللازمة للحصول على الكميات المقدمة لها من الطحين المدعوم.

خامسا، أن المؤسسسات الدولية والجهات المانحة، مع إدراكنا لتقلص حجم المساعدات الخارجية بشكل حاد لأسباب مختلفة تم التطرق إلى أبرزها في مقالات سابقة، تطالب الحكومات بشكل مستمر بالتخلص من التشوهات الإقتصادية والتكاليف المالية الناجمة عن الدعم؛ علما بأن ما يهم هذه الجهات في المقام الأول هو تقليص عجز الموازنة وليس تقليص معدلات الفقر والبطالة، ومن يقول غير ذلك فهو لا يدرك ما وراء الأكمة! وأعتقد أن هذا هو السبب الرئيس وراء "الهبّة الحكومية" الجديدة لإلغاء الدعم، لأن ما تقدمه الموازنة العامة لدعم الخبز يقارب 130.0 مليون دينار سنويا.   

سادسا، وأخيرا، أن الدعم الذي تقدمه الحكومة لسلعة الخبز سيتحمله المواطن في نهاية المطاف، غنيا كان أو فقيرا ، لأنه يعني توسع العجز المالي وبالتالي لجوء الحكومة إلى تغطيته إما من خلال فرض ضرائب جديدة أو رفع نسب الضرائب القائمة أو من خلال الإقتراض، مع ملاحظة ارتفاع شهية الحكومة الحالية في كلا الإتجاهين!

وفي جانب تقديم الدعم للفئات المستحقة من المواطنين، فإن المعايير الثلاثة الأساسية التي يتوجب على الحكومة مراعاتها هي العدالة والكفاءة والإستدامة. أما المعيار الأول فيعني أن يكون مقدار الدعم المقدم يماثل العبء المالي الذي ستتحمله الفئات المستحقة نتيجة رفع الدعم. وفي هذا المجال يجب على الحكومة أن تعتمد منهجية واضحة وشفافة في تقدير الدعم النقدي الذي سيتم تقديمه. ولا أعتقد أن الحديث عن متوسط استهلاك الفرد من الخبز سنويا، عن طريق قسمة الكمية السنوية المباعة على عدد السكان، يمثل آلية عادلة في هذا المقام، لأن هذا المؤشر يتأثر كثيرا بالقيم المتطرفة! وأرى أن المنهجية الأفضل تقوم على تكليف دائرة الإحصاءات العامة بتنفيذ استطلاع محكم يستهدف الفئات الفقيرة لمعرفة حجم إستهلاكها الحقيقي من الخبز. وربما تجد الدائرة في بيانات التعداد السكاني الأخير، وغيره من البيانات المتاحة لديها، ما يمكنها من تحديد تلك الفئات على المستوى الجغرافي ومستوى دخل العائلة أو الفرد.

أما معيار الكفاءة فيعني قيام الحكومة بتمكين الفئات المستحقة من الحصول على الدعم بكل يسر وسهولة وبأقل التكاليف، من حيث المال والوقت والجهد، وبوتيرة مستمرة؛ إما شهرية أو ربعية على أبعد تقدير، على أن يكون الدعم المقدم سابقا للقرار وليس لاحقا له. أما معيار الإستدامة فيعني إيجاد آلية عابرة للحكومات تلزمها بتقديم الدعم للمستحقين طالما بقيت أسعار السوق أعلى من السعر الحالي "أي المدعوم"؛ مع الإشارة إلى أن المواطن لديه بعض التجارب غير المطمئنة في هذا الإطار، في التاريخ القريب والبعيد.     

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner