الرئيسية/عيون و آذان
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

مرحلة تتطلب التحليق بعيداً!

مرحلة تتطلب التحليق بعيداً!

في ظل التحولات والتحالفات الدولية والإقليمية التي بات تقوم على أسس إقتصادية في المقام الأول، وفي ظل التحديات الإقتصادية التي يواجهها الإقتصاد الوطني، وبعد أن قلب لنا الأصدقاء والأشقاء ظهر المجن، وتركونا نقتلع أشواكنا بأيدينا رغم ما تحملناه نتيجة صنائعهم، ورغم ما قدموه لنا من الكلام المعسول والوعود الزائفة بتقديم ما يلزم من مساعدات لتغطية أعباء اللجؤ السوري وانعكاسات إغلاق الحدود مع سوريا والعراق، مع ما يعنيه ذلك من خسارة أسواق هامة وتأثيره على الميزان التجاري وعلى أداء مختلف القطاعات الإقتصادية، وما تركه ذلك من آثار واضحة للعيان على معدلات النمو المتواضعة ومعدلات الفقر والبطالة.

وفي ظل الأعباء التي باتت تنوء بحملها الموازنة العامة، وتضخم حجم الدين العام، وخاصة محفظة القروض الخارجية، مما أسهم في إرهاق الإقتصاد وتسبب في تراجع تصنيفه الإئتماني، ومن المتوقع أن يرهقه إلى سنوات طويلة قادمة، فقد بات من الواجب على الحكومة أن تفكر خارج الصندوق وتتخذ خطوات جريئة، لا تقتصر فقط على جيب المواطن الذي بات غير قادر على تحمل المزيد من الضغوط. وهذا يعني، من جملة ما يعني، ظرورة التفكير بتوسيع قاعدة العلاقات الإستراتيجية مع دول راغبة في التعاون مع الأردن، لأسباب متعددة، وفي مقدمتها روسيا والصين وقطر وإيران وسوريا، رغم ما يحيط بهذا التوجه من حساسية من قبل بعض الأشقاء والأصدقاء!

قد يقول البعض أن في ذلك دعوة لبناء علاقات مع نظام دموي في دمشق، ومع دولة تحاول بسط نفوذها ونشر مذهبها على مساحة واسعة من الوطن العربي! ولكن الرد على ذلك في غاية البساطة؛ فالعلاقات التجارية لا تعني بالضرورة قبول السياسات والتحركات التي تقوم بها هذه الدولة أو تلك، ولو كان هذا القول مصيبا لما كان لأي دولة عربية علاقات، من أي نوع، مع الولايات المتحدة، الداعم الأول لإسرائيل، والتي قامت باحتلال العراق تحت مزاعم ثبت بطلانها، وتسببت في مقتل مئات الآلاف من العراقيين وتشريد الملايين منهم. ولما كان هناك علاقات عربية مع بريطانيا، صاحبة وعد بلفور المشؤوم، ولما كان هناك علاقات رسمية، أو غير معلنة، مع إسرائيل نفسها!

وليس هذا فحسب، بل إن نظرة سريعة على ما يجري في الساحة الدولية تبين لنا كيف تقوم الدول باقتناص الفرص من خلال بناء علاقات اقتصادية مع دول تناصبها العداء. فبعد توقيع الإتفاق النووي الإيراني سارعت العديد من الشركات الأمريكية للحصول على جزء من "الكعكة الإيرانية"، وكان في مقدمتها شركة بوينج العملاقة، وشركة جنرال الكتريك، وجامعة هارفارد العريقة، وشركات عديدة في مجال تصنيع المعدات الطبية وغيرها. وفي الوقت الذي ظن فيه الكثير من المراقبين بأن حربا تلوح في الأفق بعد قيام تركيا بإسقاط مقاتلة روسية على الحدود السورية في تشرين الثاني من عام 2015 وما تبعها من عملية اغتيال السفير الروسي في أنقرة. عادت العلاقات بين "العدوين اللدودين اللذين يتصارعان على الأرض السورية" تسير بوتيرة أسرع من السابق، عقب فترة قصيرة من التوتر. وتم تبادل الزيارات من قبل القيادات وكبار المسؤولين في البلدين وتوقيع العديد من الإتفاقيات في مجالات حيوية، كالغاز، إضافة إلى اتفاقيات أخرى أسهمت في زيادة حجم التبادل التجاري الذي بلغ قرابة 27.0 مليار دولار في العام الماضي، بعد تراجعه خلال فترة الأزمة المذكورة سابقا!

وعلى نحو مشابه تسير العلاقات الإيرانية التركية، رغم أن بينهما ما صنع الحداد حول مجريات الحرب في سوريا! فهناك زيارات متبادلة بين كبار المسؤولين يرافقها توقيع إتفاقيات تجارية تعود بالنفع على البلدين. وقد سجلت العلاقات الإقتصادية الثنائية نقلة نوعية عندما اتفق البلدان على استخدام العملة المحلية، بدلا من الدولار، في عمليات التبادل التجاري، وهو ما يسهم في زيادة الطلب على العملة المحلية ويؤدي إلى تعزيز سعر الصرف أمام العملات الأخرى. وتشير التوقعات إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين سيرتفع من حوالي 10.0 مليار دولار في عام 2016 إلى ما يزيد عن 15.0 مليار دولار خلال العام الحالي، وقد يتوسع بنسب مرتفعة خلال السنوات القليلة القادمة!

من جهة أخرى، لم يمنع التباين المعلن في موقف البلدين، تجاه القتال المستعر في سوريا، كلّا من قطر وإيران من توقيع عدد من الاتفاقيات الهامة قبل إندلاع ما بات يسمى بالأزمة الخليجية؛ حيث كان من أبرزها تأسيس مجلس اقتصادي مشترك وإقامة منطقة اقتصادية حرة. أما بعد تفاقم الأزمة فقد دخلت العلاقات مرحلة استراتيجية أكثر عمقا بعد أن فتحت إيران مجالها الجوي وموانئها أمام حركة الطائرات والسفن القادمة من قطر وإليها، ناهيك عن أن المنتجات الإيرانية قد غزت السوق القطرية بسرعة البرق، لتحل مكان السلع التي كانت تستورد من الخليج الأخرى!

أما علاقات مصر الإستراتيجة مع دول الخليج العربي، أو معظمها، فلم تكن عائقا أمام تبني مصر موقفا مغايرا تجاه العلاقات مع النظام السوري، إضافة إلى سعيها الدؤوب تجاه الحصول على نصيب متميز من "غلة" إعادة الإعمار في سوريا؛ وذلك من خلال مشاركتها الواسعة في معارض إعادة الإعمار التي أقيمت في معرض دمشق الدولي. وكذلك لم تمنع العلاقة المتوترة تاريخيا الرئيس اللبناني ميشيل عون، حليف حزب الله، من اختيار المملكة العربية السعودية لتكون محطته الأولى في زياراته الخارجية التي قام بها بعد انتخابه رئيسا. وكذلك لم تمنع علاقة العداء الحادة بين القيادة السورية وبين تيار المستقبل بقيادة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، الحليف الرئيسي للمملكة العربية السعودية، من قيام الأخير قبل أيام بتوقيع أوراق تعيين سفير لبناني جديد لدى سوريا، مشيرا إلى أن هذه الخطوة جاءت لتعزيز استقلال لبنان وسيادته، علما بأن سوريا تعتبر المعبر البري الوحيد لحركة السلع اللبنانية.

كل هذه الأمثلة نسوقها للتأكيد على حقيقة واحدة، وهي أن العالم يتغير، والمنافع التي تحدثها التغيرات المتسارعة في العلاقات الدولية لا تنتظر أحدا، فالمنافسة على أشدها، والحصة الكبرى لمن يحلّق ويبادر أولا.

Khaberni Banner
Khaberni Banner