الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

مدارس نصرانية

مدارس نصرانية

لا أحب الحديث بالدين ولا أفرّق بين أي من أتباع الديانات إلا فيما يتعلق بالأمور المدنية كالأخلاق والعلم كغيري من المتنورين في هذا العالم الواسع. وأسعى أن يكون بلدي الأردن دولة مدنية بكل ما في الكلمة من معنى، ولن أختلف على تعريف هذه الدولة المدنية، فقد حسم النقاش جلالة الملك عبد الله الثاني في ورقته النقاشية السادسة حين قال:

"إن الدولة المدنية هي دولة تحتكم إلى الدستور والقوانين التي تطبقها على الجميع دون محاباة؛ وهي دولة المؤسسات التي تعتمد نظاماً يفصل بين السلطات ولا يسمح لسلطة أن تتغول على الأخرى، وهي دولة ترتكز على السلام والتسامح والعيش المشترك وتمتاز باحترامها وضمانها للتعددية واحترام الرأي الآخر، وهي دولة تحافظ وتحمي أفراد المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الفكرية، وهي دولة تحمي الحقوق وتضمن الحريات حيث يتساوى الجميع بالحقوق والواجبات، وهي دولة يلجأ لها المواطنون في حال انتهاك حقوقهم، وهي دولة تكفل الحرية الدينية لمواطنيها وتكرس التسامح وخطاب المحبة واحترام الآخر وتحفظ حقوق المرأة كما تحفظ حقوق الأقليات."

ويستطرد الملك لتوضيح دور الدين في الدولة المدنية كما يلي: 

"إن هذه المبادئ تشكل جوهر الدولة المدنية، فهي ليست مرادفا للدولة العلمانية، فالدين في الدولة المدنية عامل أساسي في بناء منظومة الأخلاق والقيم المجتمعية، وهو جزء لا يتجزأ من دستورنا".

بمعنى أن الدولة المدنية تحتكم الى الدستور والقوانين، والتي هي مكتوبة ومتاحة للجميع للمطالعة، والتي تستند اليها المحاكم عند إصدار أحكامها، ولكن السؤال المشروع، هل تستند المحاكم الى نصوص من الشريعة واين نجدها في ظل تعدد المرجعيات والمذاهب واختلاف فهم القضاة لهذه الأحكام. 

لقد حدد الدستور الأردني لسنة 1952 وتعديلاته الأسس التي يقوم عليها النظام القضائي، وقسمت المادة 99 منه المحاكم الى ثلاثة أنواع: نظامية، دينية، خاصة. وبما أن الحديث يدور حول الدولة المدنية وسيادة القانون، وبما أن مسائل الأحوال الشخصية للمسلمين من زواج وطلاق وحضانة ونفقة ومواريث ووصايا وقضايا الدية هي مسائل مدنية، فلماذا يتم الترافع فيها لدى المحاكم الشرعية وليس أمام المحكام النظامية مثلاً.

مناسبة هذا الحديث هي حادثة تعرضت لها زميلة أعرفها، حيث تقدم طليقها بدعوى حضانة الأطفال لدى المحكمة الشرعية لنزع الأطفال القصّر من حضن والدتهم بحجة أنها (وهنا المفاجئة) قامت بوضع الأولاد في مدارس نصرانية تدرس تعاليم الدين المسيحي مما أثر على عقيدتهم...الخ وطالب بإجراء الإيجاب الشرعي.

القاضي الذي تسلم الدفوع من خلال المُدعي سينظر بها وسيبحث عن السند الشرعي (لأنها محكمة شرعية) وليس السند القانوني كما في قانون الأحوال الشخصية وغيرها من القوانين التي تفصل بالدفوع، فما هي تلك النصوص التي سيحكم بموجبها سماحة القاضي، لا سيما بأن المدعى عليها قد وضعت أبنائها في مدارس وصفها حرفياً بالنصرانية.

أنا شخصياً درّست أبني وبنتي بالمدرسة الوطنية الأرثوذكسية، ولم ألاحظ أي محاولات لتنصيرهم ولا أظن بأن المدارس الأخرى الكاثوليكية أو راهبات الناصرة أو المعمدانية أو الأدفنتست تحاول تنصير أبناء المسلمين كما يحلو للبعض أن يتخيل. كما أن خريجي المدارس الأجنبية من أوروبا وأمريكا ليسوا بكفرة، ولا زناديق، كما يصفهم بعض السلفيين، فهل نحجر عليهم ونمنعهم من تولي المناصب بالأردن على أساس أنهم تعلموا بمدارس غير إسلامية.

مصادر الشرع الإسلامي هي القرآن والحديث، ويواجه القضاة صعوبة في إيجاد نصوص حول قضايا معاصرة كأن يقال: هل الطلاق على الواتس آب من خلال المحمول جائز أو باطل، وهل الحديث بين الرجل والمرأة من خلال سكايب يحتاج الى مَحرم.

إن النصوص الشرعية مرنة وتحتمل التأويل كأن يقال بأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، أو خيركم خيركم لأهله أو أي حديث نبوي شريف قد ينطبق على آلاف الحالات ويئولها صاحب المصلحة لصالحة، أو تجد القاضي المحترم يجتهد فيصيب وقاضي آخر يجتهد ويخطيء.

إن الدولة المدنية التي ننادي بها تستند الى الدستور والقوانين وهي نصوص اتفق عليها المجتمع وهي قابلة للتعديل بما يشمل المستجدات التي تطرأ بين حين وآخر، وبهذا يتم تضمين ما اتفق عليه من النصوص الشرعية بالقوانين لإقفال باب الإجتهاد التشريعي حيث تسود القاعدة القانونية: لا إجتهاد بوجود النص.

وعودة على عنوان المقالة الصادم للكثيرين... نرجو من قضائنا العادل رد الدعاوي التي تنال من حرية المعتقد بحجة التنصير أو التشيع أو التكفير، ونرجو من مجلس الأمة وبالتعاون مع مجلس الوزراء الموقر تحويل أفكار جلالة الملك الى تشريعات تحصر التقاضي بالدستور والقوانين لنحقق خطوات إضافية بإتجاه الدولة المدنية.

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner