الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

محسوب على الحكومة

محسوب على الحكومة

رن جرس هاتف أبو مشاري ،في ساعة متأخرة من الليل ..لكنه توقف عن الرنين قبل أن يصل إليه، وقد وضعة على الشاحن بجانب فراشه الذي اعتاد النوم عليه فوق الأرض مباشرة بعد أن انزلقت غضاريف فقراته الثالثة والرابعة وهو يحاول حمل احد قدور طعام الولائم التي أقيمت عندما تسلم أخيه ساري سلطات منصبه ، مديرا لأكبر مؤسسة عامة في البلد. وعلى الطرف الآخر من الغرفة غطت، الست صبحا زوجته في نوم عميق منهكة من عملها في إدارة المدرسة الأساسية المختلطة التي تقع بجانب بيتهم ورعاية طلبات أبو مشاري وعزائمه التي لا تنتهي ،واصغر أبنائهم علي في الصف العاشر . بعد زواج ابنهم مشاري الذي يعمل ضابطا في الجيش وابنهم الثاني الذي يتدرب على مهنة المحاماة في العاصمة. جلس أبو مشاري في فراشه يبحث تحت الوسائد عن نظاراته المكبرة حتى يستطيع رؤية الرقم على شاشة الهاتف ،وأثناء بحثه عاد الهاتف ليرن من جديد عندها ،استعاذ من الشيطان وهو يضغط على زر الاتصال منزعجا من الرنين والرنان معاً،رغم عدم معرفته للرقم لضعف نظره إلا انه شد جسده منتبها عندما سمع صوت أخيه "ساري"القادم عبر الأثير:اخوي يا أبو مشاري ..أحالوني على التقاعد!!. انتفض أبو مشاري من فراشه فزعا من الخبر:الله لا يعطيهم ...!! ..لماذا.. قصفوا عمرك هكذا؟؟..الصوت في الطرف الآخر:هذا ما حصل .. حان وقتنا ..مثلنا مثل غيرنا !!..أبو مشاري بصوت خافت: طمني...إن شاء الله هبرت لك هبره كويسه؟؟..ساري على الطرف الأخر:بعدين يا أبو مشاري ..هذا وقت غير مناسب للخوض بمثل هكذا حديث!!..أبو مشاري مستدركا سؤاله :ولا يهمك يا خووي! ..رتب أمورك وتعال بسرعة..الناس هنا ستسمع بالخبر وكعادتهم سيفزعون لك.!!.ساري:دير بالك يا خوي ..لا تحتاج وصاه ..اجمع العشيرة وأهل المنطقة واعمل ترتيبات يسمع بها القاصي والداني ..خاصة الحكومة.. أريدها رسالة للجميع ..أنني لم أتأثر بالتقاعد وأنني لا زلت املك سلطه وكلمة عند اهلي وعشيرتي..ما عليك من الصرف.. ولا يهمك..كله على حساب الشعب ..لقد حسبت حساباً لمثل هذا اليوم مثلي كمثل غيري !!..أبو مشاري متحمساً:ولا يهمك يا خووي!..مع طلوع الفجر كل شي يكون جاهز!! وضع أبو مشاري نظاراته على عينيه مناديا :صبحا..يا صبحا.!!..تململت صبحا فوق سريرها :خير إن شاء الله ..يا ساتر يا رب!!.. يا صبحا أحالوا ساري على التقاعد..صبحا غير مستوعبة للموضوع:من؟؟ ساري؟؟ الله لا يعطيهم ..!! ..اكييد.. مسكوه يختلس أموال الناس.. بعد هذا العز والجاه ..ماذا سيفيده المنصب ؟.. ،صاح أبو مشاري غاضباً: اخفض صوتك يا صبحا .لا تفضحينا..الصوت في الليل له جواب..اسكتِ..ولا كلمه!! مع طلوع أول خيوط الشمس كان أبو مشاري يقف أمام مضافة العائلة مع ابنه الأصغر علي الذي طلب منه أن يتصل بإخوانه ، طالباً أن يتركوا أعمالهم ووظائفهم من اجل الوقوف الى جانب عمهم في هذه الأوقات الصعبة وقبل صلاة الظهر كان الجميع بجانب والدهم من اجل ترتيبات استقبال العم صاحب مدير المؤسسة الأهم في البلد والذي أحالوه على التقاعد! لاحظ أبو مشاري عدم حماس وامتعاض أبناءه تجاه استدعائهم السريع من قبل والدهم وانخفاض مستوى حماس العمل معه ،وعلى مائدة طعام العشاء اجتمعت العائلة وقد ظهر الامتعاض على أبو مشاري مقرعا أولاده على تخاذلهم أمام الناس وعدم حماسهم لعمهم الذي ينتظرون حضوره غدا صباحاً..حينها اظهر مشاري مشاعره تجاه عمه قائلا: لو تعلم يا والدي كم عانيت للحصول على الاجازة من قائدي..كانت نظرات الشماتة تقدح من عينيه قائلا أن عمي قد ظلم الكثيرين من أبناء منطقتنا، ليخلوا له المكان وانه كان دائما مغيب عن كثير من القرارات وانه كان مجرد أداة لا غير..في السابق كان عمي على رأس عمله وكان الجميع يجاملوننا ويطلبون الخدمات ويعتقدون أننا نعيش وعمنا في بيت واحد..ولا يعلم الناس انه لا يأتي لزيارتنا ولا يتصل بنا إلا عندما يشعر بان سلطته الرسمية مهددة.!! عندها تدخل ابنه المحامي:يا والدي الناس تغيرت أحوالهم هذه الأيام أوضاعهم الاقتصادية وضيق العيش لم يعد يسكتهم عن قضايا الفساد والنصب. عمي لا يزال يعتقد أن الناس مغفلون، الجميع يتحدث عن الفساد وأصابع الاتهام تشير عليه. !عندها صاح علي: صحيح يا والدي انه سرق ثمانية مليون دينار..لماذا لم يكملهم على العشرة ؟؟ صعق أبو مشاري من حديث أبناءه ..صارخا في الابن الأصغر:اخرس يا ولد..من أين لك مثل هذه الأخبار؟.علي بصوت خافت:كل الناس تتحدث بذلك وأصدقائي في المدرسة يقولون لي انه لا داعي لاجتهد فمنحتي الدراسية جاهزة بمعدل عال أو بدونه !! ..عندها تدخلت صبحا في النقاش زاجرة أولادها خوفا على زوجها من الضغط: لا خوف على عمكم!! انه محسوبا على الحكومة..هيا اذهبوا للنوم ..فغدا نهاركم حافلا!! عندما ترك الأولاد المكان لوالدهم وأمهم ساد الهدوء والصمت ،وفي لحظة استرجاع للذكريات قال أبو مشاري:لماذا يا صبحا انقلب الأولاد على عمهم بهذا الشكل..أخاف أن يقول الناس أننا تركنا ابننا عندما تركته الحكومة !..صبحا تحاول أن تخفف عنه: الأولاد لم يعودوا صغارا..والتعليم وسع مداركهم وأفكارهم ومن حقهم أن يقولوا رأيهم..ام تريدنا أن نكمم أفواههم ؟؟..أبو مشاري وفي قلبه غصة: أنا خائف عليهم يا صبحا .الخيول الأصيلة تلجم أفواهها لتروض.. كما تعلمين..!!..اقتربت صبحا من أبو مشاري لتخفف من قلقه قائله :لا تخاف على الأولاد..لكل زمان دولةً ورجال..ولا تخاف على مساري ..كان في الحكومة مثل المنشار ..يا ترى كيف سيصرف الثمانية مليون..غير مزارع الزيتون والأراضي التي تملكها في الغور وقصره في "دابوق" و مجالس الإدارة،والشركات باسم زوجته وابنه "الصايع" في أمريكا ..والسمسرة على المستثمرين ..والهدايا ..والر..شو.ا.ت..! عندها غضب أبو مشاري :وبعدين يا صبحا ؟؟ ..كلهم يسرقون ..كلهم يختلسون ..إنها شطاره وتدبير حال ..أنهم كعفن الخبز..أكثر الناس أخلاقا ودينا أصبح متأثرا بالمجال العام..ولم تعد النصيحة بنافعة أو مخافة الله برادعة..!! عندها.بحا احمرار وجه أبو مشاري عندما سقطت نظاراته على وجهه من شدة الغضب .عندها .أسرعت وبدون تفكير.. لتحضر دواء الضغط والحبة الصغيرة ليضعها تحت لسانه ،عله يهدئ من روعه وغضبه!! رغم انشغالهم إلا أن هواتفهم لم تتوقف عن الرنين، فالجميع يريد الاستفسار عن سبب هذا التقاعد السريع والخاطف.. خبر اختلاس الثمانية مليون وصل الى الناس، بين متسائل ومشكك ومستغرب الى مستنكر.. اختلطت المشاعر بين سكان المنطقة واجتمع الأهل العشيرة للوقوف على الخبر بعضهم قال:أن الحكومة ظلمته لأنه ابن بلد وجريء.! ..البعض الأخر :انه مختلس وحرامي ..الله لا يرده! أو:لا خوف عليه فهو ضمن حلقة فساد مؤسسي إذا وقع يقع كثيرون غيره !!.. أو انه قد اكتشف حقائق عن الحكومة على أثرها "صفوه" ؟! آخرين:انه سيشكل الحكومة القادمة!!..أو سينضم الى المعارضة ويشكل اكبر حزب وطني في البلد!! وصل ساري في اليوم التالي حيث تدفقت عليه جموع الناس من كافة المناطق المحيطة ..وقد تصدر المجلس الكبير يقف للسلام والترحيب وكأنه بطل مغوار قاد حرب تحرير أو اشرف على مرحلة انجاز وطني تركت أثار الرفاهة والانتعاش على الوطن والمواطن وقادت البلاد الى مرحله متطورة من البناء يوازي المستويات العالمية في التقدم والازدهار!! في منتصف القاعة وضعت طاولة فرشت بالجرائد والمجلات التي احضرها ساري معه منذ الصباح والتي تحدثت عن خبر تقاعده ..ومسيرته في العمل والعطاء وانجازاته البطولية في خدمة الوطن والمواطن ورسائل الإشادة بجهوده ..والمقالات التي نشرت على المواقع وفي الصحف عن فروسيته وخصاله القيادية الفذة !! مضى أكثر من أربعة أشهر.. لم يسمع فيها أبو مشاري أي خبر عن أخيه ابن الحكومة إلا ما تناقله الناس حوله ..في هذا الأثناء اشتدت عليه الألم الظهر،وعلى فراشه، استلقى منسدحاً متألما متوجعا ..رن جرس هاتفه بجانبه..حاول أن يمد يده ليجلبه..لكنه كان ابعد من مدى يده هذه المرة..نادي بأعلى صوته .:صبحا..يا صبحا..!!نهضت الست صبحا من فراشها مستعجلة قبل انقطاع الرنين..تناولت الهاتف بسرعة .:الو..من؟..ساري؟ يا هلا.. يا ساري؟..ماذا ؟..محافظ !!!؟؟..يا ألف مبروك..سأخبره ..سأخبره!!..وضعت صبحا الهاتف على الأرض بجوار فراش زوجها قائله :الم اقل لكم انه محسوب على الحكومة!!!
Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner