الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

ليش المرأة تعبانة نفسياً؟

ليش المرأة تعبانة نفسياً؟

هناك من يعتبر أن طبيعة المرأة البيولوجية تقودها الى المرض النفسي أكثر من الرجل، متذرعين بنسبة النساء العُصابيات الأعلى مقارنة بالرجال وإصابتهن بالقلق والاكتئاب واضطرابات الأكل وغيرها من الأمراض العُصابية أكثر منهم، ومعتمدين أيضاً على تفوّق عدد النساء المراجعات للعيادات النفسية على الرجال. أولئك المتذرعين بتلك الحجج الواهية تغافلوا سهواً أو قصداً لا فرق (الوضع الاجتماعي) للمرأة وما يرافقه من ضغوط كثيرة عليها وتعدد أدوارها والمهام المُلقاة على عاتقها، مضافاً الى ذلك تدني مكانتها في المجتمع، والأهم تغافلهم عن غياب القوانين والتشريعات التي تحمي حقوقها عند انتهاكها. 

أليس هذا الوضع المرهق كفيلاً بإصابة المرأة بالمرض النفسي وأكثر إقناعاً من إصابتها به نتيجة لطبيعتها البيولوجية ؟؟ لماذا لا نعتبر المرأة التعبانة نفسياً أكثر جرأة من الرجل في مراجعة الطبيب النفسي عند شعورها بالحاجة لطلب المساعدة؟؟ ألا يُحسب ذلك نقطة قوة لها وتستحق رفع القبعة احتراماً؟؟  المرأة تفوق الرجل عدداً لأنها تعلن بصراحة عن معاناتها النفسية وتعبر عنها بشجاعة كذلك !

إذا أردنا التعمق في أزمات المرأة النفسية وكشف أسباب زيادتها عن الرجل دعونا نلقي نظرة عامة عن وضعها الاجتماعي منذ نعومة أظفارها، ولنبدأ أولاً بكيفية تنشئتها منذ لحظة ولادتها، فنلاحظ أن تنشئة المرأة في المجتمع العربي تتوجه لا لتصبح إنساناً لديها إمكانات للتطور والاستقلال، أو لأن تكون شخصاً قائماً بذاته، بل كي ترتبط بشخص آخر: الزوج ثم الولد، يؤدي هذا الوضع بها (حكماً) لأن تصبح اتكالية تفتقد مقوّمات تقدير عالٍ لذاتها وتنهار أمام أية خسارة . لا غرابة إذن من ضعفها الموسومة به (نمطياً) عندما تتربّى المرأة على الخضوع وعدم المواجهة وعلى صفات فيها الكثير من القبول الإذعاني بالعُرف الظالم، غنيّ عن الذكر بالطبع أنها تنشأ دون أن تتعلم أيضاً قول (لا) فتستبدن رفضها مرضاً نفسياً !!! إن نموذج تربية المرأة المذكور هنا لا ينطوي على صحة نفسية البتّة.

ونتيجة لذلك تفتقد المرأة فيما بعد القدرة والمهارة على أخذ القرارات وصناعتها، وتمسي هذه النتيجة ذريعة لإقصائها وتهميشها وتبرير غيابها عن المشاركة الاقتصادية والسياسية وغيرها بحجة طبيعتها.  وهنا تقع المرأة فريسة للضائقة النفسية تارة وللمرض النفسي تارة أخرى، لأنها تصبح في موقع اتكالي تفقد فيه السيطرة على أوضاعها، ثم تجد نفسها إزائها بدون حول أو قوة؛ فتستفحل حالتها النفسية سوءًا ويزيد عدائها وعنفها اتجاه ذاتها مرة واتجاه الآخرين مرات.

الفخّ الأسوأ على الإطلاق الذي تقع فيه المرأة ويزيد من تعبها النفسي المزمن لها ولبنات جنسها هو تكريس دونيتها عندما تتبنى النمط ذاته في التربية وتعيد إنتاجه مع أولادها وبناتها دون نقد أو حتى أدنى رفض، فتشعر عندئذ بالعجز التام وتفقد الجرأة وتنغمس في المخاوف وتزيد اتكاليتها، ثم تتبنّى مبدأ (السُترة) منهجاً حياتياً لها ولغيرها، وتفقد بعد ذلك الرغبة في تأهيل ذاتها أو حتى تطويرها. وهل يُؤسس مفهوم السُترة لحياة ذات معنى؟؟ حتى أحلامها وخيالاتها وطموحاتها الشخصية تتصادر أيضاً. هذا الوضع المرعب يُبقي طاقة المرأة (غير المُستَغلّة) في الإنجاز والإنتاج على أتم الجاهزية والاستعداد لتوظيف ذكائها في إذكاء المشاكل، وأحياناً (للكيد والشيطنة)، وفي أسوأ الظروف يتطور عندها المرض النفسي.

إن تربية المرأة على الخضوع يؤدي بها الى (اللاتكيف) وفقدان المرونة في اللعب على التناقضات التي تعيشها في الثقافة الحالية التي تتأرجح ما بين الحداثة والتقليد. فالمرأة لا يتم تعليمها أو تهيأتها لمواجهة المآزم والمصاعب الواقعية، قتنهار غالباً عند أول عقبة على الرغم أن مجتمع العالم العربي بأكمله رجالاً ونساءً قُمع فيهم الإبداع مما عزّز العجز داخلهم والاستسلام أمام مصاعب الحياة والخضوع للأقوى.

تربية الفتيات بالطريقة السابقة وإعادة تدويرها وإنتاجها لا تجعل منهن ملُاحظات جيدات أو مفكرات مُبدعات، بل تدفع بهن الى العُرفية الاجتماعية لا الى الفردية الخلاّقة، ويتجلى ما استعرضته هنا في خياراتهن لشركاء حياتهن، ويتجلّى أكثر عند زواجهنّ في مرحلة مبكرة جداً، فبعد النضوج  تتفاقم المشاكل وتساهم في تدهور أوضاعهن النفسية لاحقاً.. أما بالنسبة لفرض النموذج النسائي (المرغوب) اجتماعياً على المرأة يؤدي بها الى كبت فرديتها، ويجعل من المرض النفسي وسيلة مُتاحة للتعبير عن تلك الفردية المُحبَطَة والمكبوحة بالضغوط المجتمعية للتشبه بأنموذج محدّد دون غيره.

المشكلة ليست في النموذج النسائي المرغوب والمفروض على المرأة، ولكن المشكلة الرئيسية تتجسد بفرضه خياراً وحيداً عليها لا غير، فتضيق خياراتها وتتوجه نحو ذلك النموذج الأوحد والوحيد المقبول اجتماعياً والمرسوم ثقافياً بصورة مزيفة ينقص ألوانها التناغم الأصيل. فإن تشبهت المرأة بالصورة المرسومة لها والمرغوبة اجتماعياً لكي تحقق أنوثتها تضمن بذلك أن تكون مرغوبة من الرجل، فتحقق هويتها التي لا يمكن تحقيقها بخلاف ذلك والا خسرت صحتها النفسية. وإن تمرّدت وقررت العكس وحاولت التشبه بالرجل تخسر بذلك جاذبيتها له وتحقيق أنوثتها ولكنها بالمقابل تكون قد ربحت صحتها النفسية.

معادلة صعبة جداً  للمرأة  لاغتصاب راحتها النفسية، فتجد المرأة المعاصرة نفسها في موقع تتجاذبه قوى متناقضة، واحدة باعثة للصحة النفسية ولكنها تُفقدها جاذبيتها للرجل، لأن الرجل حدّد جاذبية المرأة بصفات عكس صفاته أو على الأقل مكملة لها. أما الأخرى وهي الأصعب؛ فهي القوى المجتمعية التي تحدو بها لأن تتوافق مع رغبة الرجل وتلبية حاجاته والخضوع لرغباته ونظمه، فتغدو انسان غير متوافق مع العالم المعاصر ويحمل إمكانية غير قليلة أبداً للوقوع في المرض النفسي.

ونأتي الآن بالحديث عن العمل المزدوج للمرأة داخل المنزل وخارجه، فلا يمكنها الاستغناء عن عملها خارج المنزل وإن كان ترفاً مادياً، ويعود السبب لذلك بأنها مدفوعة اليه دفعاً بقرار إرادي لأنها مستعبدة هي وزوجها وأولادهما لقيم الاستهلاك الحديثة في ظل العولمة الرأسمالية المتوحشة. فتنازلت عن أطفالها وحاجتهم الشديدة لها ولحضانتها كي تلهث هي وزوجها وراء لقمة العيش ورفاهية الحياة في ظل الغلاء الفاحش للأسف الشديد. الأمر الذي يخلق لدى أطفال أولئك النسوة مشاكل نفسية إما مباشرة أو غير مباشرة بسبب انشغال الأم بأدوارها المستجدّة في مجتمع الحداثة، فيزيد ذلك من أزماتها النفسية وينعكس بدوره على أولادها؛ فهناك علاقة وثيقة بين صحة المرأة النفسية وبين سعادة وصحة أولادها النفسية أيضاً.

وتعيش المرأة عبىء خيارها للعمل المزدوج لوحدها، ولا تحصل على دعم الرجل أو دعم المجتمع، فتجني السلبيات من دورها المزدوج دون الإيجابيات بزيادة واجباتها وأعبائها، وأحياناً يزداد الطلب على مساهماتها المادية في دخل العائلة مع بقاء تقديرها الذاتي وحقوقها العامة على حالهما!! مفارقة عجيبة وغريبة. وفي المقابل أيضاً فإن حالة (اللاعمل، واللاإنتاج) التي تكون فيها المرأة هو من محركات المآزم النفسية !! اعتقد أننا بحاجة لحل جذري أو ربما سحري ولكن لا أدري ما هو.

لا يخفى على القارىء كذلك أن عيش المرأة في كنف رجل متسلط وقمعي، أو مُعنّف، أو خائن ونسونجي، أو مزواج، أو مهمل، أو عنيد، أثراً  كبيراً على صحتها النفسية، وتظهر تجلياتها بوضوح عند القمع المباشر والتحكم الشديد أو عند التبخيس بأدوارها وعدم تقدير ما تقوم به. إن تضييق فسحة الحرية للمرأة بوصاية ذكورية من (الأب، الأخ، الزوج، الابن) سواء في خياراتها الشخصية أو حياتها الاجتماعية يزيد من مآزمها النفسية، خصوصاً المرأة العصرية والمثقفة تحديداً التي ترفض الخضوع للتسلط الذكوري غير المبرّر ودون وجه حق.

أقول بحسرة أن القيم المجتمعية كلها لا تسمح للمرأة أن تكون صحيحة نفسياً، لأن سلوك المجتمع الأساسي هو سلوك تهميشي لها، ونصيبها في كلّ الأحوال -حتى وإن جاهدت وتعلّمت وعملت وناضلت واستشهدت- هو اللّوم والتحقير والتقزيم من رجال في كثير من الحالات هم أقلّ منها تحصيلاً وشأناً، ثم يحولها الى (ضحية) وهي بدورها تستدخل تلك (النبوءة)  وتتمثّلها  وتمارسها بجدارة أحياناً بكل أسف. إن تماهي المرأة شبه الدائم مع دور الضحية، وسلبيتها اتجاه الواقع الخارجي واستسلامها له، وانتظارها الحلول السحرية من الخارج يكرّس ضعفها في مواجهة مآزمها، ويضاعف من أزماتها النفسية نتيجة لاستضعافها نفسها وقبولها بإيحاء الآخرين بضعفها، مما يعيد إنتاج هذا الضعف وتعميقه في ردود الفعل والسلوك والمواقف. فتعيش المرأة حياتها بأنها كائن غير مستقل وأنها (حاجة) للرجل فقط للأسف الشديد، مما يقود الى القصور في تحكيم العقل، والمبالغة في الاعتماد على العلائقية الاجتماعية المليئة بالغيرة والحسد وحبّ الاستعراض والاندفاع القهري في الكلام حتى وإن كان فارغاً.

مهنة (ربّة المنزل) تتصف زوراً بأنها خالية من الضغوط، والواقع هو عكس ذلك تماماً؛ فطبيعة الأعمال المنزلية لامحدودة بوقت زمني معيّن بل تستهلك ساعات طويلة من النهار وأجزاء من الليل أحياناً. ورغم قيام الكثير من النساء في كثير من الأحيان بتلك المهام المناطة بهنّ على أتمّ وجه، الا أنهن دائمات (الشعور بالذنب) إن قصّرن أو خوفاً من تقصيرهن في رعاية الزوج والأولاد. لذلك من الظلم والجائر جداً قبول فكرة أن (طبيعة المرأة) تقودها الى المرض النفسي وبالتالي الى التقصير في البيت، وإنما العكس هو الصحيح تماماً؛ فالضغوط الرتيبة الكثيرة جداً الملقاة على عاتقها وحدها وتعدد أدوارها بالإضافة الى الضغوط المجتمعية  عليها هي السبب الرئيس في أزماتها النفسية لا العكس.

تقع المرأة بين مطرقة اللاتوافق واللاتكيف الاجتماعي وسندان المرض النفسي، ويعود ذلك الى المكانة الدونية للمرأة في المجتمع الذكوري، واللامساواة، وما يتبعها من الاتكالية أو العلائقية المعتمدة على الآخر، تلك التي تأصلت عامودياً في التاريخ وأفقياً في كل الثقافات الاجتماعية والتصقت بالمرأة. هذا واقع يجب رفضه بشكل قاطع ولا يمكن قبوله (كقدر نهائي) ، لأن المرأة وإن ورثت (إرث الدونية) النسائي-صنيعة المجتمع- الا أنها لم ترث معه الخنوع الكامل، فهي وريثة للإنسانية كالرجل تماماً وتستطيع أن تصنع ذاتها مثله أيضاً إن شاءت، بتطوير قدراتها الخاصة بأقل تقدير.

من غير المعقول أن تتأزم المرأة داخلياً إذا لم تكن مدفوعة الى ذلك خارجياً؛ فالمرض النفسي للمرأة هو الناتج الطبيعي  للإحساس بالواقع الفجّ واستشعاره بالقهر، ويزداد وقع ذلك الواقع المُحبط كلما انخفض موقع المرأة وأهميتها في السلّم الاجتماعي. فيفجّر هذا الوضع البائس مآزم علائقية خرافية الحجم وعظيمة التأثير على المرأة.

صحة المرأة النفسية مشروطة بالصحة المجتمعية، المرض النفسي للمرأة وهدرها الوجودي لا يتعدّى كونه تعبيراً سافراً عن المرض الاجتماعي وإعادة إنتاج له. واستشهد هنا كدليل بأحدى مقولات أبو الطب النفسي (سيغموند فرويد) عندما قال :" إذا أردت أن تعرف سبب العلّة في مريض فيجب أن تسلّط الضوء القوي على تاريخه حتى تظهر الحقائق واضحة تحت مجهر الماضي".

انظروا الى ماضي المرأة وواقعها الاجتماعي الحاضر بالتأكيد رح تعرفوا  ليش المرأة تعبانة نفسياً أكثر من الرجل !! 

نأمل أن يكون المستقبل القادم أجمل ويحمل لها الكثير الكثير من الصحة والراحة النفسية...

كومات من الكلام ما زالت هناك، ودوماً يبقى للحديث من بقية.. دمتم...

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر(النوع الاجتماعي) للاستشارات النسوية والاجتماعية

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner