الرئيسية/عيون و آذان
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

لنا القدس ولكم أولياؤكم!

لنا القدس ولكم أولياؤكم!

سقطت ورقة التوت وبانت العورات السياسية والقيمية للكثيرين؛ دولا وحكاما وسياسيين وكتبة، بل ومشايخ كنا نظن بهم خيرا واكتشفنا أنهم لم يكونوا سوى واجهة لتجميل القبيح تحت غطاء الدين الذي أصبحت المتاجرة به رائجة في هذا الزمن! نعم، كشف قرار الرئيس الأمريكي الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، عن الكثير مما كان بالأمس مخفيا على الغالبية العظمى من العرب والمسلمين. فالقرار المشؤوم، الذي يدل على عربدة وبلطجة سياسية من جانب الإدارة الأمريكية، خلق موجات وعواصف سياسية عاتية فرزت بين الغث والسمين وبين الخائن والأمين! فرزت بين طرف مستعد للتضحية بالغالي والنفيس، رغم شح إمكاناته، دفاعا عن القدس المقدسات الإسلامية والمسيحية، وبين طرف أخر يرى البعض أنه قدم ويقدم الكثير لأعداء الأمة ووافقهم وسار بركبهم سرا على طريق تنفيذ مخططاتهم الخبيثة أو، حسب رأي البعض، لم يكلف نفسه عناء استخدام ما لديه من أسلحة مؤثرة لوقفها، مع أن أغلب المحللين والمتابعين يرجحون الرأي الأول على الثاني!

ظهرت الخطوة الأولى من "صفقة القرن"، التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي، من خلال الضغط على الأطراف ذات العلاقة المباشرة للقبول بتسوية مذلة تضيع فيها الكثير من الحقوق التي ضمنتها القرارات والإتفاقيات الدولية؛ ومنها حق العودة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 تكون عاصمتها القدس الشرقية. وتمهيدا لذلك فقد تعاظمت الضغوط متعددة الأبعاد، منذ بعض الوقت، على الأردن والسلطة الوطنية الفلسطينية لإرغامهما على القبول بما يعد له في الدهاليز المظلمة، وبمشاركة مباشرة من دول إقليمية مهدت لذلك من خلال مبادرات ومغامرات انفعالية لا تخلوا من طفولة سياسية، وربما لا تهدف إلا إلى تحقيق مصالح ضيقة على حساب حقوق الأمة وكرامة مقدساتها! وكما لا يخفى على أحد فإن تلك الحركات قد فجرت براكين وأحدثت هزات أسقطت دولا وعواصم عربية، وتسببت في مقتل مئات الآلاف وتشريد عشرات الملايين، بين لاجئ ونازح. ناهيك عن دمار يحتاج إلى مئات المليارات ويتطلب عشرات السنوات، بعض أن تضع الحروب والنزاعات أوزارها.

وعلى العكس من توقعات الإدارة الأمريكية ومستشاريها ودول المنطقة التي اختارت الأنحياز للمشروع الأمريكي-الصهيوني، فقد جرت الرياح بما لم تشتهيه سفنهم ويخوتهم! فقد أسهمت خطوة ترامب في إيقاظ الأمة المنهكة بصراعاتها العسكرية ومشاكلها الإقتصادية، وعززت لدى أبنائها الشرفاء روح التحدي وأحيت آمالهم في مستقبل مشرق. وكشفت في المقابل عن أنظمة مرعوبة تقلقها تغريدة على وسائل التواصل الإجتماعي، وترعبها تظاهرات عفوية تعبر عن رفضها للمؤامرة الكبرى على المنطقة عموما، وعلى فلسطين خصوصا! وفي الوقت الذي حاولت فيه تلك الأنظمة أن تغطي على سوئاتها بتصريحات خجولة، فقد حركت "جحافلها الألكترونية" التي تتغذى على المال الحرام في الداخل والخارج للدفاع عنها وتبرير تصرفاتها. ولكن هيهات، فمعظم تلك الجحافل لم تتعود على المواجهة والإقناع لأنها وليدة بيئة تسودها ثقافة الرأي الواحد...ثقافة جوهرها أن من وافقني الرأي فهو معي ومن خالفني، حتى ولو كان على حق، فهو عدوي ودمه مباح! ولهذا فقد جاءت لغتها ركيكة أحيانا وفاضحة في أحيان أخرى، مما أسهم في تأكيد المؤكد!

أما رجال الدين فقد انقسموا إلى طائفتين؛ الأولى فئة قليلة أبت إلا أن تقول كلمة الحق وسارت على طريق الإمام أحمد بن حنبل، فكان مصيرها غياهب السجون. وفئة أخرى، وهي الأكثر، استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير وأخلدت إلى الأرض واتبعت أهوائها، فصمتت أو ذهبت إلى ما هو أسوأ وأخذت تدافع عن "أولياء النعمة" وتؤكد على سدادهم وصواب رأيهم وتدعوا لهم بالنجاح والتوفيق في مساعيهم "التآمرية" قبل وبعد كل صلاة. أما قضية القدس فقد غابت عنهم وعن خطبهم وتغريداتهم، وكأنها لم تكن، أو ربما لا تستحق بضع كلمات منهم، بعد أن ملأوا الدنيا ضجيجا لسنوات خلت بدعوة أبناء الأمة للجهاد دفاعا عن قضايا كانت في "ظاهرها" تتسم بنصرة الحق وفي "باطنها" من قبلها ليس سوى القتل والتدمير والخراب!

إذن فقد انقسم أبناء الأمة إلى قسمين، الأول عرف وجهة الحق ووقف يدافع عن القدس والمقدسات، والثانية وهي لحسن الحظ قليلة، ضلت الطريق وأضحت من أولياء شياطين الإنس والجن؛ بدءا من ترامب ونتنياهو وانتهاءا بتلاميذ السياسة الذين ظنوا أن أموالهم مانعتهم من الفشل في تحقيق أهدافهم المدمرة. كل هذا حدث في أيام قلالئل، ولا تزال الأيام والأسابيع القادمة حبلى بالتطورات والمفاجآت؛ فأمة ما بعد قرار ترامب لم ولن تعود كما كانت قبله. ولكل قبلة هو مولّيها....

Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner