الرئيسية/عيون و آذان
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

لماذا يرحل الطيبون ؟

لماذا يرحل الطيبون ؟

لطالما لم يستطع أحد الاجابة على هذا السؤال ، ولطالما جاء هذا السؤال تابعا لسؤال أكبر ... ألا يرحل السيئون ؟ بالتأكيد يرحلوا لكننا لا نشعر برحيلهم كما نشعر برحيل الطيبين ... أو ربما لأننا لا نكترث لرحيلهم كما نكترث لرحيل الطيبين!

لما تفارقني هذه الأسئلة و لا اجاباتها التي تجر خلفها مئة سؤال طوال يوم أمس ، و أنا أهجس بوفاة الأخ و الصديق أحمد لافي ،،، لم يكن أحمد إلا أحد الطيبين الذين يوجعنا رحيلهم ، فكيف اذا رحل عنا بلا وداع و لا بقدمات و بلا حتى منغصات ، رحل هكذا فجأة عن هذه الدنيا التي تحمل الينا دائما مفاجآت تجعلنا نتفكر كم هي زائلة و كم نحن غرقنا فيها!

أحمد كان أحد هؤلاء الطيبين ، مبتسما بشكل دائم ، ضاحكا من قلبه ، يركض في حاجات الناس ، نظيف اليد ، طيّب القلب ، عفيف اللسان، دافئ المقابلة ، هادئا في كل التفاصيل ، أنيقا في كل لحظة ، يبحث عن الخير في كل شيئ، و لا يترك فرصة لعمل الخير ... وها هو يركض الى ربه مستعجلا الرحيل و هو في عز شبابه ، ربما لان قلبه لم يتحمل كل هذا الشر الذي يحيط بنا من كل مكان!

قبل عامين بالتمام رحل عني صديقي الأقرب مرهف الاحساس علاء رحمه الله ، و لعلها من مفارقات القدر أن يفتح رحيل الطيب أحمد جرح شيخ الطيبين علاء في قلبي ، خاصة وأن رحيل علاء كان في اليوم الذي رحلت به والدة أحمد ، فالطيبون يتقاطعون في كل تفاصيلهم حتى لو لم يعرفوا بعضهم ... وكلاهم رحلوا بعد رحيل امهاتهم !

في التأمل العميق نستنتج أن الكل راحل ، لكننا نشعر بلوعة الفراق و فجيعة البعد مع الطيبين فقط، ربما لأن هؤلاء الطيبين كانوا صمام الأمان بالنسبة لنا ، كانوا مبعث البهجة ومعبد الحب و الأقرب الى القلوب التي تحيط بهم ، ويصبح تعاملنا معهم على فرضية وجودهم الدائم حين نحتاجهم ، و لا نشعر أننا أهملناهم و هم في أمس حاجتهم لنا إلا حين يرحلون ... ندرك كم رمينا عليهم من أحمال و كم نسينا أن نساعدهم في أحمالهم لأننا تعودنا أنهم " جمل المحامل"!!

ربما تتحمل ثقافتنا في عقلنا الباطن جزءا من السبب ، فالتعبير عن المشاعر في مدننا يعتبر بوحا غير محبب ، أو ربما يعتبره البعض فينا طيبة تصل حد السذاجة ، أو مسلمات لا داعي للخوض فيها ، و حين يرحل الطيبون نتسساءل في داخلنا : هل عرفوا فعلا كم أحببناهم و هم بيننا ... و نندم على كل ذلك البوح الذي كان علينا اطلاقه في حياتهم ليعرفوا أنهم لم يكونوا أشخاصا عاديين ....

ربما علينا بين الفينة و الأخرى أن نقف مع أنفسنا وقفة مراجعة ، ننظر في الدوائر التي تحيط بنا ، و نبحث عن الطيبين الذين لا زالوا حولنا أحياء يمشون على الأرض ، و نتمسك بهم ، و نصارحهم بما نكنه لهم من محبة و احترام و تقدير ، و نحيطهم بما يستحقون من محبة و حنان و حرص و دفىء !

ربما علينا أن نتغير مع رحيلهم لنتشبه بهم ، لنصبح طيبين مثلهم ، طيبين في تعاملنا مع الناس ، طيبين في تعاملنا مع المحيط، طيبين في تعاملنا مع أنفسنا ، طيبين في إتقاننا لعملنا ، لعلنا نغار منهم قليلا ونحرص على أن نرحل و نحن طيبون مثلهم فيتذكرنا الناس كما نتذكرهم في كل موقف و في كل لحظة ....

ربما علينا أن نعيش حياتنا بفن .... كما قالت لي صديقة عزيزة قبل أيام ، بدلا من أن نعيش حياتنا بلا بوصلة و بلا هدف ، وأن نحول ذكرى كل الطيبين الى متحف حي يعرض القيم الانسانية الجميلة التي كانوا يحملونها في قلوبهم ، هذه القيم التي جعلتنا نحبهم بصمت قبل أن يرحلوا بصمت .... ربما علينا فعلا أن نحب بصوت مرتفع حتى لا نندم على الصمت الذي يغلف قلوبنا و لا يخدش هذا الغلاف العقيم إلا فجيعة رحيل الطيبين!

لهم جميعا الرحمة ، و لنا في ذكراهم أسوة حسنة ... فإما أن نقتدي و نهتدي الى أهمية المحبة و الانسانية و الطيبة ، وإما نشمّع هذا الغلاف فتتحول حيتنا الى مصطنعة لا مشاعر فيها!

 

Khaberni Banner
Khaberni Banner