الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

لماذا رحلت الى البلد البعيد

لماذا رحلت الى البلد البعيد

نيويورك - خاص اؤمن دوما بان لـ (الكتابة) ضريبة يجب ان ندفعها بـ (صمت)، ولكن تساؤلات القراء الكثيرة بعد المقالين الاخيرين (احب عمان ولكنني احب الكرك ايضا ) و(لا زلت ابحث عن الهوية الاردنية) حول سبب وجودي في (امريكا) دفعني لان اخرج عن صمتي واروي حكايتي . لست ماكثا في (البلد البعيد) بقراري ، وما احببت ان اكون بعيدا عن الاردن بقراري ،ولكنني اشاء ، وانت تشاء، وتفعل (الحكومة) ما تشاء . قبل ثلاثة عشر عاما نشرت عشرات المقالات تجاوزت فيها كل الخطوط مما اثار غضبة الحكومة علي فرفعوا علي عشرات القضايا واعتقلت خمس مرات وحكم علي بالسجن لمرة واحدة  ، لكنني لم اخف ،وعندما لم تنجح المحاكمات والاعتقالات و( المداهمات) في ترويضي ، مدوا لي (الجزرة) لكنني رفضت كل العروض ، فكان الحل (قبل الاخير) : أرسلوا لي شخصين ضخمين وثالثهم (مسدسهم )،ضربوني ،هددوني وقالوا لي : " عشان تتعلم كيف تكتب ضد الحكومة" . تقدمت – يا لسذاجتي - بشكوى بضربي ، فقيدت القضية ضد مجهول ،فجاء (الحل الاخير)، استدعوني ، اعطوني ثلاث خيارات :التوقف عن الكتابة ، السجن ، الرحيل عن البلد ، تأبطت (جرائدي) ومقالاتي، وحملت قهري ونفي وهجراني والقلم و(رحلت) . حملت قمعي وهزيمتي مرتحلا عن (وطن) لم يعد يتسع لـ ( كلماتي)، و قالت لي امي :" ابق هنا(يمّا)"،قلت لها : ولكنني مللت من وجه (السجان )، وتعبت من زيارة المحكمة كل خميس، فقالت:" ولكن الجويدة اقرب من امريكا". عندما كنت في ريعان الشباب، و عندما كان بعضكم يبحث عن متعة الطفولة ، وعندما كان بعضكم، ومن ضمنهم (ضلعي الاغلى) بين اضلعي، طفلتي الوحيدة ،لم ير النور بعد ، كتب علي ان )اهجّر) من بلدي. حرموني من اهلي وأصدقائي، حرموني من ان اصحو صباحا استمع لعصافير الوطن تزقزق للحرية ، تركوني استمع لـ (وردة) : "مليت انا مليت من الغربة ، وتعبت من الترحال" ، واصحو على صوت (كاظم): " نفيت واستوطن الاغراب في بلدي ، ودمروا كل اشيائي الحبيبات". منعت من حضور جنازة ابي ، ولم اشهد زفاف اخوتي، وحرمت من رؤية عمان تكبر وتنمو، وكتب على طفلتي الوحيدة ان تعيش بعيدا عن اماكن كنت احلم لها ان تعيش فيها ،خسرت (الايام الاجمل) من حياتي بعيدا عن اهلي ،اصدقائي، وطني، ثمنا لحريتي وانتمائي لقيم يعتقد القابضين على الحياة انها محض غباء وهراء . افتقد القلم والورقة ، ومكتبي البسيط في (الرأي) و (شيحان) و(البلاد) ، افتقد لاعقاب السجائر تتكوم في منفضة بالكاد تجد لها مكانا على مكتب مبعثر، واوراق مخطوط عليها كلمات لمسودة مقال لن ير طريقه للنشر ابدا ، وخمسة فناجين قهوة فارغة ،تنتظر (قارئة الفنجان ) لتحكي لي اين سأكون بعد دقائق ، في (فندق) خمسة نجوم، ام في (زنزانة) خمسة نجوم . لا اكتب بانطلاق لانني اعيش خارج الوطن، بل اكتب لأن من يخسر الاردن لا يوجد لديه شئ يخسره، ،أكتب بانطلاق لاني اعرف ان مهر الحرية والاردن غالي،وحين اعود لمقالاتي التي نشرتها ابان وجودي في الاردن اراها اكثر جرأة مما اكتب الان في (القدس العربي) و(خبرني) . وحيد غريب، جسدي غربي المحيط وروحي شرقي المحيط ،غربتي تقتلني ، الا انني بعد ثلاثة عشرا عاما من الغربة لا املك شيئا الا نفسي ،وقلمي وحريتي وانتمائي للاردن واخلاصي لمبادئي . عندما كنت في السابعة عشرة من عمري رأيت ذات حلم سيدة ترتدي فستانا ابيض ،قالت لي : "ستقطع البحر مرتين، وستعيش مثلما عشت، وستكون كأنك ما كنت"، بعد غياب ثماني سنوات في الغربة عدت للاردن وكان عمري اربعة وثلاثين عاما فوجدتني غريبا في وطني (كأني ما كنت ) ، فحملت اوراقي من جديد و(رحلت ) . شئ اخير : لا بد لي ان اعود، لا بد ل (قلمي) ان يعود، لا بد لـ (الحرية) ان تعود ، ولا بد ل (شعبي) ان يعود.   khaledkasasbeh@yahoo.com
Khaberni Banner
Khaberni Banner