احمد عويدي العبادي
خبرني - الكتابة عن العشائر الاردنية من الصعوبة والتعقيد والحساسية الى درجة انني اشعر وكانني اسير في حقل من الالغام قد تنفجر بي في اية لحظة , ويؤدي هذا الى تعطيل ماافخر به من الفصاحة وحسن التعبير ,لان اي تعبير ادبي اصرفه عند الكتابة لطرف من التبجيل او التشكيك او ذكر الحقيقة , فانه قد يؤخذ من طرف اخر انه جاء في معرض الالغاء والذم وبخاصة ان لغتنا العربية تحتمل في مفرداتها الذم في معرض المدح والمدح في معرض الذم . لذا فانني اشعر ان الكتابة عن عشائرنا اثقل علي من جبل احد وجبل رم وجبل منيف , حيث اجد ان ان القراء من ابناء عشائرنا الكريمة يقراون مااكتبه حرفا حرفا وكلمة كلمة وجملة جملة وقد يفسرونه على غير مأخذه. كما ان كل واحد يريد ان نكتب عنه وحده وانه فريد عصره وانه صاحب تاريخ يبلغ الفرقدين وانا لااجد له فيما بين يدي من مصادر صحة مايبغيه ابدا واطلب اليهم دائما ان يزودونني بما يقولون موثقا وغالبا مايبقى الامر من طرفهم كلاما في الهواء .
واما انا فاكتب التاريخ وحركات العشائر بالاسم وليس بالنسب , لانه لا علاقة لي بالانساب , وهذا مافهمه اهلي الاردنيين منذ الحلقات الاولى لان الناس امناء على انسابهم وهم يوثقونها, ولا يجوز لاحد ان يطعن في نسب احد , لان ذلك يؤذي الاجيال الحاضرة والقادمة , وان التحقق من نسب عائلة واحدة قد ياخذ مدى جيل كامل للوصول اليه ,فكيف يمكن لعمر شخص او لمججموعة ان تحيط بانساب الاردنيين . فالنسب التاريخي ( وليس نسب الانتساب ) هو وجود الناس في البلاد واما النسب بالدم فهذه مهمة كل عائلة عن نفسها هي . لان غياب التدوين في الاردن ادى الى غياب الحقائق واحيانا تشويهها بالروايات , واحيانا اندثارها تماما وايذاء كرام الناس ورفع مقام بعض اللئام من الناس .
ولا شك ان هناك شخصيات اردنية من زعماء العشائر كانت كالنجوم العوالي في تاريخ الاردن , ولكن المشكلة ان عدم التدوين جعل معرفة الناس لهم محمدودة على عشائرهم . ونحن نحاول هنا ان ناتي عليهم بالذكر الحميد لانهم يستحقونه فعلا . عليهم رحمة الله وبركاته
قلنا ان المغفور له الشيخ ماجد العدوان توفي في عام 1946 وكان زعيما وطنيا وشيخا لمشايخ العدوان والبلقاء ودخل التاريخ من اوسع ابوابه , وبعد وفاته تم اختيار أكبر ابنائه المرحوم الشيخ حمود بمرسوم اصدره جلالة الملك المؤسس رحمه الله جاء فيه "يعين الشيخ حمود ماجد باشا العدوان شيخ مشايخ البلقاء بعد وفاة الشيخ ماجد", كما ساهم أبناؤه وأحفاده وأبناء عشائر العدوان، في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية الاردنية بشكل معروف , وبذلك حافظت القبيلة على كيانها ومجدها الذي صنعه الاباء والاجداد .
الحلقة الثالثة عشرة
تارخ الاردن وعشائره / ح 13
تاليف المفكر والمؤرخ : د . احمد عويدي العبادي
عشائر الانباط الاردنية في جنوب الاردن وصراعهم الداخلي وصراعهم مع بني صخر
والتباين بين منهج ابن عدوان وبن ختلان االعبادي في ادارة القبيلة والصراع
دور الشيخ طراد بن زبن في حماية الاردن عبر القرن 19
وارتياد الرحالة للديار الاردنية ,
واستمرار الصراع بين اليمانية والقيسية في وسط الاردن
في الجنوب
عشيرة الحويطات النبطية
أشار إليها رحالة عرب من شمال أفريقيا عبروا العقبة(ايلة) برأً لأداء فريضة الحج واجتازوا النقب وذلك في زمن الأيوبيين والمماليك، وتحدثوا عن الحويطات كعشيرة في هذه الديار بهذا الاسم وقالوا ان الحويطات وبني عطية عشيرة واحدة. وقد نشرنا ذلك مفصلا في كتابنا الأردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين , ومقتطفات حول ذلك . وحيث ذكرنا هناك ماكان الرحالة دونوه من صراع بين المطالقة ( جماعة الجازي) والفرارجه جماعة ( أبو تايه) (وهما جميعا من الحويطات ويرتبطان معا في الجد الاعلى ) ، وما بين الحويطات بعامّة وأمراء الحج المصري والمغربي بخاصة ، والبطش الذي مارسه هؤلاء الامراء بسوق النساء والأطفال في القيود وهم يضربوهن بالسياط، وبشكل تقشعر له الأبدان ويسوقونهن من النقب الى العقبة .فاننا هنا نتحدث عن التاريخ العشائري ومجرياته .
لقد ركزت كتب التاريخ على طريق الحج الشامي عبر الأردن ، وعن دفع المال لبني صخر والمهداوي قبلهم، وللأمراء الطائيين ( آل الفضل بن عيسى بن مهنا بن حيار الطائي ) والى السردي الكندي من شمال الأردن، إلا أن هذه الكتب التاريخية صمتت عن طريق الحج المغربي والمصري والفلسطيني العابر للديار المقدسة من خلال أيلة/ العقبة في جنوب الاردن ، وما كان يقع من ظلم أمراء الحج على عربان الحويطات وعمق هذه القبيلة وعراقتها وتجذرها في التاريخ، وأنها قبيلة ليست وليدة سنوات قريبة أو عشرات او مئات السنين كما يتخيلَّ البعض , كما ذكر بعض الرحالة ان الحويطات جزء من بني عطية وهو خطا مبني على رواية غير دقيقة , ولا اراها تتفق مع الحقيقة . صحيح انهما من الانباط ولكن الحويطات بطن يختلف عن بطن بني عطية .
وهنا لا بد من القول أن اجتياز النقب المطل على وادي رم كان يتطلب يوما كاملا بسبب وعورة الطريق. وأنه ثم فتح طريق زمن المماليك لتسهيل العبور لقوافل الحجيج، وان الناس من الانباط والحجاج والقوافل كانوا يعانون معاناة عظيمة في أوقات الشتاء بسبب الثلوج المتراكمة والبرد القارس في هذا المكان. كما أن المتنبي قد اتخذ طريقه بعد هروبه من كافور الاخشيدي في مصر عبر العقبة ووادي اليتم والحميمة والنقب والجفر وتيماء ودومة الجندل في طريقه من مصر إلى بغداد ، وعبر ديار الحويطات وبني عطية في الجفار ( الجفر ) والعقبة ( وهو اسم النقب انذاك ) والشراة والتيه ( من النقب الى العقبة ) ووصف جمال البدويات الأردنيات بأبيات من أجمل ما قيل في الغزل وذكرناها مفصّلة في كتابنا أعلاه ولا تحضرني سوى قوله:
حسن المدينة مجلوب بتطرية == وفي البداوة حسن غير مجلوب
ويقصد بالمدينة مدينة القاهرة وحلب ودمشق.ويقصد بالبداوة بداوة جنوب الاردن . ومن خلال العشائر الاردنية في بوادي الجنوب هذه وصف المتنبي روعة الاخلاق والمروءة في بيوت الشعر الاردنية بقوله :
خذوا الخلق الرفيع من الصحاري فإن النفس يفسدها الزحام
فكم فقدت جلالتها قصور ولم تفقد مروءتها الخيام.
وان مرور المتنبي بها قد اوحى له بهذا الشعر الرائع .
وكان المقر الرئيسي للحويطات هو ايلة ( العقبة فيما بعد ) . والتي ذكرها القرأن أنها حاضرة البحر التي كان يقطنها أناس يدينون بدين اليهودية فاحتال هؤلاء على شريعتهم وصادوا السمك يوم السبت بحفر القنوات وألاحواض ثم يغلقونها ليقوموا بجمعها وصيدها يوم الأحد. وقد مسخهم الله قردة وخنازير. وهي أيضا القرية التي مر بها موسى والخضر عليهما السلام فاستطعما أهلها فلم يضيفوهما، فقتل الخضر غلاماً وأقام جدارا. وان بحر العقبة هو الذي ذكره القرآن في سورة الكهف أيضا وكان الملك هدد الأول ملك أدوم الاردني العربي يصادر كل سفينة صالحة، حيث كان له ميناء هناك. ولديه قراصنة تابعون لسلاح البحرية الادومية , اي تابعون للملك ( وكان وراءهم ملكا ياخذ كل سفينة غصبا الكهف 79) .
أما الحويطات فقد كانت لهم حُوط ( مفردها حوطة) النخل على شاطئ العقبة وكان لكل عائلة حوطتها اي مساحة من الارض مزروعة بالنخل وتصغيرها حويطة؟ وجمعها حويطات أي جمع كلمة تحبب للكلمة المصغّرة وفي وثيقة نشرتها في كتابي مقدمة لدراسة العشائر الاردنية تقول أن أراضي العقبة كانت عام 1956 مقسَّمة إلى ثلاثة أقسام هي : ثلث للجازي، وثلث للنجادات وثلث لأهل العقبة. إذن فالعقبة هي أحد المراكز الرئيسة للحويطات الذين لهم امتداد ألان في السعودية، ومصر والنقب، وان زعامتهم منذ القدم في آل الجازي بالأردن وال ابو تايه ( التوايهة ) , وهذا دليل على نبطيتهم أن يكون الوريث الرئيس لأسرة الملك الحارث الأول وما بعده يجب أن يكون في الأردن. وهذا ينطبق ايضا على الجازي والتوايهة ( ابو تايه ) لان جد أل أبو تاية وال جازي هو جدّ واحد وهم أبناء عم نسبا وعصبا.
وقد اتخذ الحويطات طرقا عديدة لحماية أنفسهم ولضمان البقاء ومنها:
(1) تحالفهم مع عشائر أخرى في المكان أو عشائر وردت أليهم ، فأضافوهم إلى الحويطات مما زاد في عددهم وشوكتهم ومن هؤلاء : النعيمات وهم أدوميون والزوايدة الذين انفصلوا عن الحويطات اصلا زمن العباسيين والتحقوا بعنزة ثم عاد قسم منهم وهم الزوايدة وانضموا الى الاصل / اي الى الحويطات , وبقي قسم منهم كبطن من بطون عنزة الى الان , والامر نفسه ينطبق على عشيرة الزلابية , وقد ذكر فريدريك بك في كتابه ( تاريخ شرق الاردن وقبائلها ) ان الزوايدة والزلابية من عنزة ولم يتحدث عن جذورهم انهم حويطات اصلا والتحقوا بعنزة طلبا للحماية من اضطهاد العباسيين ثم عادوا فيما بعد الى عشيرتهم الاصلية وهي الحويطات .
ولكن كثيرا من الجيل الجديد في مطلع القرن الحادي والعشرين صار يعيد هذه العشائر إلى الأصل الثاني وعو عنزة ، ويتنكرّ لحويطته / الاصل الاول . والسبب الحقيقي وراء ذلك هو ان قانون الدولة هو السائد الان , ولم تعد لهم حاجة للحماية العشائرية التي كانوا بحاجتها سابقا.
كانت الحويطات ثاني أقوى عشيرة أردنية مابين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين ، وازدادت شوكتها وسطوتها وشهرتها بظهور الشيخ عودة ابو تايه رحمه الله . وكان الحويطات منافسون لبني صخر بشكل قوي وفعال، وكان لهم علاقات تحالف مع بعض عشائر النقب وسيناء وكان الاسم الذي يطلق على هذا التحالف هو كلمة : الصف وإما عشائر الأردن الاخرى فتسميه ( بنعمة أو أبناء العم) وقد شرحنا ذلك في كتابنا القضاء عند العشائر الاردنية بالعربية.
وقد أورد العقيد فردريك بيك في كتابه تاريخ شرقي الأردن وقبائلها الذي كتبه بالإنجليزية، وترجمه بهاء الدين طوقان إلى العربية، في معرض حديثه عن بني صخر أنهم ظهروا بعد أن احتدم الصراع بين المهداوي والعدوان، وبذلك غمز من جانب بني صخر بعيدا عن الأمانة العلمية والتاريخية. ونحن نرى عكس مايراه , وذكلك كما يلي.
(1) أن فردريك بيك كان حاقدا أصلا على بني صخر لان شيخ مشايخهم انذاك المرحوم الشيخ مثقال الفايز كان ربط فردريك بيك في ياخور البقر .؟؟؟وذلك عندما حضر المذكور يريد اعتقال الشيخ مثقال . وقد روى لي الشيخ عواد السطام الفايز رحمه اللع في عام 1980 ان فريدريك بقي مربوطا بمربط الثور مدة يومين وليلة لولا التوسطات والتوسلات لإطلاق سراحه. وقد جعل هذا العلج يتحامل على الصخور بعامة , بل واستطاع سلب اراضي الشيخ مثقال التي ورثها عن والده سطام , من راس العين الى مرج سكا ( محطة الارسال الان ) ومن راس العين الى المدرج الروماني , وامر بتطويبها باسماء اشخاص اخرين , وبذلك حرم الشيخ مثقال من هذه الاراضي التي ورثها ابا عن جد وكانت واجهة للسطام من الفايز من بني صخر , كما سبق وذكرنا من قبل .
إن هذه الحادثة ( سجن فريدريك بيك ) التي تبين قوة بني صخر بشكل عام، والشيخ مثقال بشكل خاص تلقي الضوء على مدى الانفه التي كان يتمتع بها الأردنيون، ومدى هشاشة الإدارة في حينه ( مطلع القرن العشرين ) . وبالتالي لم يقبل الشيخ مثقال لغة التهديد الفوقية التي جاء بها فردريك بيك وتعامل بها مع الشيخ , وهو ينظر لهذا الإنجليزي أنه محتل واستعماري.ولم يخش الشيخ من البريطانيين وقوتهم ابدا .
(2) أدت هذه الحادثة أن فردريك قد غمز من قناة بني صخر، وحاول النيل من اردنيتهم وتجذّرهم، فذكر أنهم جاءوا حديثا للبلاد. وكأنه يقول أنه وإياهم وافدون إلى الأردن. وللأمانة التاريخية، فقد بينا كيف ان اسم بني صخر متجذر بالاردن عبر العصور وانهم بطن من جذام , وان اسمهم مذكورة من عشائر الاردن زمن الظاهر بيبرس أي قبل أربعة قرون ونيف من صراع المهداوي والعدوان وذكرنا ذلك عند الحديث عن المماليك، وما قام به الظاهر بيبرس من استقطاب العشائر الاردنية. وكانت الزعامة آنذاك في بني صخر في ابن زهير، كما شرحنا من قبل، كما كان ذلك قبل التحاق طويق ببني صخر في القصة التي ذكرناها في موضع سابق.
(3) إن بني صخر قبيلة جذامية، وهي والمهداوي وعباد وبني عقبة وبني عجرم وبني حميدة من قبيلة واحدة جذام اليمنية.
(4) إن بني صخر كانوا ينتجعون من العلا جنوبا إلى الجولان شمالا الى طبريا الى مرج بني عامر الى اريحا , ومن الجوف وتيماء ودومة الجندل شرقا إلى سواحل سيناء غربا، وحتى وصفد وبيسان والحولة وما بين الرافدين . وكانت أقوى قبائل شرق الأردن، لأنها لم تكن على خلاف مع عشائر جذام الاردنية، ولم تستطع أية قبيلة أخرى الوقوف في وجهها أو مجابهتها , ولم تخض حربا مع اية عشيرة جذامية الا مع العمرو ( ماينطح العمرو غير البدارين ) والبدارين عشيرة شجاعة من عشائر بني صخر .
(5) سبق وذكرنا أن بني صخر لم تتدخل في الصراع بين المهداوي وابن عدوان، لأسباب بيّناها أعلاه، وسبق أن ذكرنا في الجزء الخاص بالتاريخ السياسي للعشائر الاردنية. ما قامت به بنو صخر من تشتيت الظفير وسويط من الجفر وترحيلهم إلى البوادي الشرقية وبلاد الرافدين ثم عودة الأخوان فايز وفوزان إلى الأردن ووفاة فوزان بلدغة أفعى وبقاء فايز الذي تناسل منه العدوان.
(6) ولكن , ومن منطلق التاريخ وبتجرد فان زعامات بني صخر أخطأت خطأ استراتيجياَّ في عدم مساندة المهداوي الجذامي ابن عمهم في صراعه مع ابن عدوان وأتباعه، لان هذا الصمت ووقوف المتفرج قد دفعت بنو صخر ثمنه غاليا في الصراع مع العدوان عندما قويت شوكتهم ( شوكة العدوان ) الذين تزعموا عشائر البلقاوية جميعا بكفاءة عالية واقتدار , وقادوهم لقتال عباد وبني صخر في صراعات طاحنة، واستمرت حوالي ثلاثة قرون، إذ أزهقت فيها الأرواح ، وثم أخذ وفقدان وإعادة أراضي بين الطرفين تارة تكون لهذا وتارة تكون لذاك، حتى استقرت عام 1868 عندما بارك السلطان تنسيب والي دمشق بمنح كل من كايد الختالين ( شيخ مشايخ عباد) وأحمد أبو عرابي الكايد العدوان زعيم العدوان الذين سئموا الحرب وجنحوا للسلم مع عباد. أقول بمنح كل منهم وساما رفيعا، كذلك حسين الصبح الفاعوري ( شيخ السلط في حينه) .
لقد اتفق هؤلاء الأقطاب الثلاثة ( ابن ختلان وابو عرابي والفاعوري ) على أن الوقت قد حان لتضع الحرب أوزارها في البلقاء وأن يسود الوئام بدل الخصام، والحكمة بدل العنجهية والمصافحة بدل السيف، والابتسامة بدل التجهم والعبوس. وكانوا رجالا صادقين. حقنوا الدماء وذهبوا إلى والي الشام ومعهم شيخ المجالية ( ابن مجلي ) الذي ( الوالي ) رحّب بذلك ونسَّب بمنحهم الأوسمة. وأرسل طابورا إلى قلعة السلط للإشراف على العربان ومنع اختراق هذه الهدنة , ومنع اي تشويش على الصلح بين زعماء العشائر .
ورغم أنه لم يجري أي صلح بين الإطراف الثلاثة، إلا أن جميع العشائر من هذه الأطراف اعتبروا اتفاق شيوخهم هو صلح عام بينهم وحفار ودفان على ما مضى. إلا أن ذلك لم يرق للطرف الأخر من شيوخ العدوان الذين رفضوا مشيخة ابن عمهم أحمد أبو عرابي، ولكن الدولة التركية دعمته ووقفت إلى جانبه, لرغبتها في وقف الصراع وسفك الدماء، واستقرار العشائر لتخضع للقانون ,وكان الهدف التركي هو لكي تدفع هذه العشائر الضرائب. لان ما يهم الأتراك هو المال ثم المال ثم المال ، وما دام الخلاف يطوح بالمال فهو مرفوض . وما دام الاتفاق والصلح يأتي بالمال فهو موضع الترحيب.
إن ما ذكره فردريك بيك أن منازل بني صخر كانت في العلا، هو كلام صحيح لكنه جزء من الصحة والحقيقة وليست الحقيقة كلها . فالأمانة التاريخية والعلمية أن العلا وبيسان والبلقاء وجزيرة الفرات والجوف وربوع الاردن كانت كلها منازل لبني صخر اينما حطوا رحالهم تملّكوا ولا أحد يستطيع منعهم حتى حدث ما حدث وقامت عنزة بترحيلهم الكامل من العلا.كما ان العلا كانت من الاراضي الاردنية وهو مالم يشر اليه فريدريك بيك
ولا بد من الإشارة هنا أن أجزاء بني صخر كانت لهم تسمياتهم قبل أن يندرجوا تحت هذا الاسم. فالصخور شأنهم شأن أي عشيرة أردنية عبارة عن تحالفات من عشائر تألفوا معاً وشكلوا عشيرة واحدة لحماية أنفسهم دون أن ينقص هذا من شأنهم، وذلك تنظيم عشائري ينطبق على كل عشيرة أردنية فهناك من بني صخر من هو من قضاعة وهي عشيرة أردنية عريقة وهناك من هو من جذام وهناك من هو حرب. جمعتهم مصلحة البحث عن الأمن والبقاء وصاروا ضمن جذام عصبا ، بل رؤوساء حلف اليمنية وزعماء جذام بعد المهداوي وهذا لا يعيبهم أبدا، ذلك إن الانتساب للعشيرة قد يأتي من خلال النسب إلى الخط الأبوي، فلان بن فلان حتى الجد الأعلى، أو قد يكون من خلال الانتساب العصبي أي الموالاة والحلف ويصبح له ما لهم وعليه ما عليهم. وهذا موجود في جميع قبائل العرب بدون استثناء.
ويقول فردريك بيك في كتابة أعلاه أن بني صخر كانوا يدفعون حق الرعي للعدوان وامتنعوا عن ذلك عام 1730م. وهذا كلام غير صحيح إطلاقا، ذلك أن زعامة العدوان لم تهيمن على سائر مناطق البلقاء لوجود خصوم لهم وهم عباد وبنو حميدة، الذين قاوموا توسع العدوان بمؤازرة بني صخر التي أدركت ما وقعت فيه من خطأ , بعدم التحالف مع المهداوي لاجل القضاء على العدوان عندما كانوا في طور النمو والتوسع , ثم لا أدري من أين جاء فردريك بتحديد عام 1730 دون أن يشير إلى وثيقة أعداد العدوان وأتباعهم. وبالتالي فإن ما ذكره فردريك بيك يندرج ضمن حقده على هذه القبيلة ( بني صخر ) وأمنيته في إشعال الفتنة بين عشيرتين كريمتين عريقتين من عشائر الأردن وهم : الصخور والعدوان.
لقد كان امتداد العدوان في الأغوار وسفوح الجبال ولم يتعدوا إلى البادية والصحراء شرقا , التي كانت ضمن ديرة الصخور . كما أن العدوان من الذكاء الحربي بحيث لا يفتحون معركة مع الصخور وهم قد خرجوا توَّا أو لا زالوا غارقين في حرب مع المهداوي، ولو فعلوا ذلك لصاروا بين فكي كماشة: المهداوي وحلفاؤه غربا، وبني صخر شرقا وحلفاؤهم بني عباد في الخاصرة ، وهذا وضع لا يساعد على الحرب والصراع إطلاقا.
وعلى أية حال إن الذي كان غائبا عن أذهان قادة وشيوخ هذه العشائر هو الفكر الوطني والهم العام الأردني،وهذا الذي يعنيني . وكان كل واحد يهمه نفسه وأتباعه، ومدى ما يكسب في غارة هنا أو معركة هناك. فلو تحالف العدوان ومعهم البلقاوية والصخور ومعهم اليمنية وعباد وسائر جذام واتفقوا على أية صيغة من الوحدة العشائرية ووحدة الأراضي لتغيرَّ تاريخ الأردن تماما عما صار اليه فيما بعد. ولكن العقلية والثقافة التي كانت سائدة آنذاك هي عقلية العشيرة والشيخة، وليس عقلية الشعب والقيادة أو الإمارة , وعقلية الديرة وليست عقلية الوطن , وعقلية العنجهية وليست عقلية التحالف والحوار من اجل الوطن . وشتّان بين الأمرين والمفهومين. ففي الأول يسعى الواحد إلى تكريس زعامته ولو على حساب أخوته وأبناء عمه، وربما على حساب أولاده ، وفي الثانية يسعى لان يكون هناك وطن وشعب وجيش وعاصمة ومؤسسات وسلطة مركزية , وهذا ما كان تنبه إليه ابن سعود في تلك الفترة في نجد فوحد جزيرة العرب وشعبها تحت امرته وقيادته ، وهذا ما افتقد إليه شيوخ الأردن وزعامتها العشائرية، فبقي الوطن ممزقا لايجد من يسمعه ؟ ، وبقي الناس في تناحر وتنافر حتى صارت هذه ثقافة متوارثه بالجينات للأسف الشديد وحتى صاروا يفضلون انقيادهم لمن هو خارجهم أن يعلوا عليهم حتى لا يعلوا احد منهم أحد الأخر.
نحن نتحدث ألان بعد مئات السنين من انقشاع تلك الأجيال عليهم جميعا رحمة الله وبركاته ، لكننا ندفع الثمن إلى ألان، وسيدفع أبناؤنا هذا الثمن أضعافا مضاعفة . ولا ادري أن كان يوما سيأتي يتنبه فيه الأردنيون إلى ضرورة الخروج من قوقعة العشيرة إلى رحاب الوطن ومفهوم الشعب , وان يكون اسم العشيرة عمودا في البناء للوطن وليس معولا لهدمه . ولا ادري ان كان يوما سياتي ويتم فيه تقديم الأفضل والأنسب وليس الأسوأ والأقرب. وإذا رأى البعض أنني أتحدث خيالا وأمنيات فإن كل شيء في الدنيا يبدأ فكرة وخيالا وأمنيات ثم يتحول إلى واقع وبرنامج ولو بعد حين من الدهر.وان مانضعه هنا هو عبارة عن فكر سيصبح بذرة وشجرة ثم غابة وارفة الظلال ان شاء الله . وان ماكان يعوز الاجيال السابقة هو انعدام المفكر والفكر الوطني الناضج والبرنامج الوطني وادوات تنفيذه , مما ادى الى تحولهم الى مجتمع متصارع في الوقت الذي يتربص الغربا بنا الدوائر , ولا ندري هل سنؤخذ على حين غرة ذات يوم ؟ . ان اي وطن او شعب اذا افتقد الفكر والمفكر انما يفتقد الروح التي تعطيه الحياة السياسية .
إن المشكلة الرئيسة التي عاشها الاردنيون بعد سقوط الأنباط حتى سقوط الأتراك أي ما يزيد على ثمانية عشر قرنا هي عدم البحث عن قيادة وطنية تعلو الجراح وتترفع على الخلافات وتكون للجميع مظلة وخيمة . وقد دفع ألأردنيون عبر هذه القرون ثمن انعدام القيادة لان بلادهم بقيت نهبا مقسَّما ، وبقي الشعب تارة في الواجهة والتضحيات، وأخرى على الهامش والإهمال، حتى تكرّست عقلية العشيرة بدل الشعب , والديرة بدل الوطن , والمشيخة بدل الإمارة أو المملكة، والشيخ بدل الملك أو الأمير. والشيخ بدل الزعيم , والسلاح الفردي بدل الجيش المنظم , والاقتناع بالمكاسب الوضيعة بدلا من مكاسب الوطن العامة الرفيعة. وكانت كلما جاءت إدارة منذ زمن الأمويين حتى العثمانيين كرَّست هذه المفاهيم التي صارت جزءا من ثقافة العربان وعقلياتهم، وصار الحديث في تغييرها ضربا من الجنون والهذيان.
من هنا فإن من ينادي بالفكر الوطني الأردني يجد من العنت وكانه يدعو إلى الوثنية في بلد مسلم، أو الى الشرك في بلد قائم على التوحيد (!؟) وتقترن السخرية ممن يتحدث بالوطنية باتهامه انه يسعى لنفسه وانه يريد الإمارة والامرة على الناس . وهناك أكذوبة يصدّقها الجميع إذا قيل احد عن أي شخص مخلص أو محترم يتحدث لمصلحة الناس، أقول إذا قيل عنه انه إنما يقول هذا وهذا فقط ليحصل على مزيد من المكاسب لنفسه وليس لأحد سواه. وهذا سلاح يضربون به كل مخلص , ويعتبرون ان المناصب والمراتب ليست من حق الاردنيين , وانما الحق علينا فقط ان نسمع ونطيع ولو كان من يامرنا الوسواس الخناس او اي من شياطينه .
حاول ابن عدوان السيطرة على ديار البلقاء من نهر الزرقاء إلى وادي الموجب والتي كانت من ممتلكات المهداوي، إلا انه اصطدم بعشائر عباد التي قويت وزادت بسرعة كما قلنا. بسبب سياسة الشيخ ابن ختلان في استجلاب الرجال وتقوية عزوته، وانخراطهم ضمن طاعته، وبالفعل قادهم في المعارك وحققوا انتصارات شجعتهم للتقدم إلى الأمام وتوسيع رقعة الأرض التي يعيشون عليها، حتى امتدت أراضيهم من نهر الزرقاء إلى ناعور ومن نهر الأردن إلى عين عمان.
ركّز ابن ختلان على الجذور التاريخية للعبابيد وجمع شتات العشيرة بعد أن تفرّقت في البلاد على أثر ترحيلهم من الكرك إلى البلقاء بأمر من صلاح الدين , وبعد مشاركتهم في معارك حطين وعين جالوت وتحرير فلسطين والقدس وقتال التتار , فعاد ملتحقا بها اعداد ممن ذهب منهم إلى فلسطين وسوريا والعراق ونجد والحجاز ومصر ومناطق أخرى من الأردن . لذلك يقال أن فلان من اصل كذا وكذا , والأغلب انه من أحفاد أولئك الذين انتشروا في البلاد بحثا عن الأمن والأمان ولقمة العيش الكريم. واستطاع ابن ختلان جمعهم وتوحيدهم مرة أخرى، وكل يرى انه ابن أو حفيد ذلك الجد الذي ذهب من هنا ألى هناك , فصارت عباد صاحبة قوة وشوكة وصارت تزداد بالتكاثر والاستقطاب معا، حتى صارت ألان ثاني أكبر قبيلة أردنية بعد بني حسن كما قلنا .
لم يستطع ابن ختلان ان يهيمن تماما بزعامته على العبابيد، بل ظهر شيوخ آخرون عارضوه وأضعفوا سلطته التي ما كانت واضحة إلا وقت الشدائد , حيث يلجأوون إليه لما كان يتمتع به من حكمة وحصافة رأي وشجاعة ، وبعد نظر ، لذا فإن عباد كانت تزداد عددا، لكنها تتقدم نحو التناحر والتنافر والشتات بسبب اختلاف الشيوخ وظهور شيوخ فيها من حين إلى حين، وتدخل الأتراك فيما بعد في دعم اتباع لهم في عباد كما في سائر العشائر في حينه , ليكونوا شيوخا وأصحاب أطياف. كان ذلك على حساب العبابيد العاديين وعلى حساب زعامة ابن ختلان. فأصبحت قوة عباد ضعيفة جدا رغم عددها الكبير وصار يتعذر جمعهم أو جمع كلمتهم بعد موت كايد الخثالين عام 1774م.
أما ابن عدوان فقد كان الحال على عكس ذلك تماما، إذ بقي ممسكا سلطة العشيرة لا يجروء أحد من الأتباع معارضته أو ردّ كلامه أو مناقشته . ولكن مشكلته ان ظهرت المعارضة من داخل البيت العدواني حيث كان علي الذياب العدوان على خلاف مع قبلان العدوان، واحمد أبو عرابي الكايد. وكل له أتباعه، وبقيت إمارة القبيلة في أبناء حمدان أي في الصلب العدواني وهو الجد البعيد , ولكن هؤلاء الاحفاد كل يريدها لنفسه . أما إمارة عباد فقد تفرقت إلى مشيخات هشّة متناحرة , فضعفت العشيرة ودفع الناس الثمن . أما العدوان فكان الأتراك يخطبون ودّهم ويدعمون هذا الشيخ مرة، وخصمه مرة أخرى، وفي النهاية يكون الدعم لأسرة أبناء حمدان أي للعدوان من النسب .وبناء عليه بقيت شوكة العدوان مستمرة لان أحداً من أتباعهم لم يجروء على مخالفتهم، وانما نجد ان العدوان انفسهم قد خالفوا بعضهم بعضا , بينما تجرَّأ أتباع ابن ختلان على مخالفته وتهميشه أحيانا .
وقد يقول البعض أن ذلك نمط من الديمقراطية والحرية عند العبابيد، وفقدانها عند ابن عدوان، مما أضاع السلطة في عباد من شيخ عباد , وتكريسها في العدوان في شيخ العدوان . ونحن نقول إن النتيجة كانت سيئة على عباد وابن ختلان، وكانت ايجابية على العدواني وأسرته. وان التفرق لا يمكن أن يؤدي إلى خير أبدا، وان التماسك يأتي بنتيجة طيبة في جميع الأوقات وان التعامل مع العربان في تلك الأجيال يحتاج إلى نمط السياسة التي مارسها ابن عدوان وهي أن يكون صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، وليس إلى السماح للشيوخ الثانويين أن يوقفوا المسيرة.)من هنا خرج ابن ختلان بنتيجة تبيّن خطأ منهج التشاور الذي سلكه مع شيوخ العبابيد، والنتيجة هي مقولته المشهورة: عباد هدّدها ولا تشاورها؟اي اطلب منها الفزعة ولا تقل لها مارايكم ؟
لذلك كان أسلوبه في الحروب التي وقعت في منتصف القرن التاسع عشر انه يخرج على الناس بقوله: لقد اتفقت عباد على كذا وكذا فينفذون ما يقوله على انه موضع إتقاق الشيوخ. وقد شرحنا ذلك بالتفصيل في كتابنا : التاريخ السياسي للعشائر الاردنية ولا داعي للتكرار هنا.والحقيقة انه كان رايه وراي شيخ او شيخين معه كان اهمهم واكثرهم اخلاصا له هو : ابن نعيم ( النعيمات ) وهو صاحب الوظيفة الروحية عند العبابيد .
أدرك العثمانيون أهمية الأردن لطريق الحج فشّكلوا إمارة الغزاوي كما قلنا التي لقيت متاعب مع ولاية دمشق وكان مركزها عجلون وتشمل بلاد شرق الأردن حتى معان والعلا جنوبا، ونهر اليرموك شمالاً , وأصدرت الإدارة التركية دفتر عجلون عام 1560,1559 وقد تطرقنا إلى تفاصيلهما في كتابنا : التاريخ السياسي للعشائر الأردنية ولا داعي للتكرار . ومع هذا بقيت البلاد مسرحا للصراعات العشائرية منذ مطلع القرن التاسع عشر وذلك لضعف الإمارات التي شكلها المماليك مثل إمارة المهداوي وبني عقبة، واندثار إمارة الجرمي من الخارطة السياسية والاجتماعية، واختفت الأمارة الطائية، وتحوّل أمراؤها إلى عشيرة من بدو شمال الأردن وهم العيسى وبقيت زعامتهم في ( الماضي) ونزح فرع من آل الفضل بن عيسى بن حيار إلى السلط وأسس عشيرة الحيارات وهي أكبر عشيرة بالسلط الآن او من اكبر عشائر السلط حاليا .
تراجعت السلطات العثمانية وسحبت حاميتها العسكرية من عجلون والكرك، وصارت الأردن مهملة مثلما كان أمرها في العصر العباسي، مما أدى بالعشائر أن تدخل الساحة والمعادلة لملء الفراغ السياسي والإداري والأمني الذي ترتب على عدم وجود تمثيل للدولة فوق التراب الوطني الأردني. وصار الصراع في أكثر من بعد: بين المشيخات القديمة والناشئة وهذه سنة الحياة في التطور وحلول أناس مكان أناس، والرحيل من الأردن إلى خارجه، وعودة الكثيرين من الخارج إلى ربوع الآباء والأجداد. ونزوع بعض الوافدين للارتقاء إلى الشيخة حيث كان الناس في غاية الإرهاق والإجهاد والفقر والجوع , بينما نجد العديد من القادمين ملأى بالطاقة والطموح للوصول إلى السيادة والقيادة ، وذلك ما تحقق فعلا ، كما سنرى من الأمثلة المفصلة القادمة إن شاء الله تعالى.
وأمام هذا الفراغ وضعف الدولة وانشغالها في حروب البلقان مع العرب وحروب القفقاس ما بين الأتراك وروسيا بعد حرب داخلية ما بين القوقازيين والأتراك استمر من 1764 إلى عام 1864، وانتهت بصفقة مؤامرة تركية روسية على شعوب القوقاز وترحيلهم من بلادهم كي لا يستمروا مصدر إزعاج لروسيا التي تحتل بلادهم: أقول أمام هذا الفراغ تنبه الغرب مرة أخرى ولكن بدل إرسال حملات صليبية ربما توّحد العرب والأتراك، وترفع لواء الجهاد من قبل الخليفة , استبدلوا الحملات المسلحة بإرسال الرحالة الأذكياء الذين كانوا ضباط مخابرات يريطانية وألمانية , حيث جابوا بلاد الشام ومنها الأردن طولا وعرضا ودوّنوا كلّ صغيرة وكبيرة عن الأرض والشعب والمشاعر والأوضاع الاقتصادية، ووضعوا المخططات والخرائط اللازمة. وقد أطلعت شخصيا في جامعة كيمبردج عام 1980/ 1981 أثناء دراستي بها للدكتوراه على كثير من الرسائل والتقارير السرية التي كتبها الرحالة وبكميات تفوق ما طبعوه علنا وقراناه بكثير.
ومن أوائل الرحالة كان جون لويس بيركهارت .
وهو سويسري جاء إلى بلاد العرب ومنها الأردن مبعوثا من الجمعية الملكية الجغرافية البريطانية؟
وكتب العديد من الكتب وكلها في غاية الأهمية ومنها رحلات في سوريا والبلاد المقدسة ؟؟؟؟
وهو كتاب ضخم تحدث عن جولاته في سوريا والأردن وفلسطين، وأطال الحديث عن الكرك وأول رحالة أوروبي يدخل البتراء وقد سوّقها للعالم حيث تبعته بعثات ورحاله أخرون ليروا هذا الارث الحضاري العربي الاردني الذي نحته الفنان النبطي عبر مئات السنين ، كان من أهمهم البعثة الأمريكية التي جاءت عام 1902 وكتبت كتابا بعنوان ( وادي الأردن والبتراء) ؟؟؟ وقد ترجمته ( شخصيا ) إلى العربية وصدر مطبوعا في عام 2007 وقد تحدثت البعثة عن سوء إدارة الأتراك للبلاد. وضعف الدولة.
ومن الرحالة الذين ترجمت كتبهم : ترتسترام وهو من كلية سانت جونز كولج / كلية القديس جونز ؟؟؟ وهي الكلية التي تخرجت منها شخصيا في جامعة كيمبردج وكتب كتاب أرض مؤاب , الذي ترجمته إلى العربية أيضا ويتحدث عن انعدام السلطة الرسمية في شرق الأردن، وانشغال الناس في الحروب القبلية في ديارنا، وتحدث عن الغارة الوحيدة التي قام بها سطام الفايز وفرع الفايز من الطوقة على عباد في منطقته الذراع إلى الجنوب من وادي السير في عام 1872. لقاء زواج سطام من عليا بنت ذياب العدوان حيث اشترط أبوها على سطام مهرا لها , يوما / اي يوم قتال ضد عباد. وكان كذلك. إلا أن الغارة لم تحقق أهدافها وقد شرحناها مطوّلة في كتاب : التاريخ السياسي للعشائر الأردنية بالانجليزية .
ومن أهم الرحالة أيضا: الرائد كوندر؟؟ الإنجليزي الذي كتب عدة كتب وهي: أعمال المساحة في شرق الأردن وترجمناه الى العربية مع شروحات وتعليقات ؟ وكتابه أرض جلعاد الذي ترجمناه للعربية , والذي يذكر فيه شيئا عن السلطة العثمانية الهشة في السلط عام 1881 . وكتاب حث ومؤاب الذي ترجمناه أيضا للعربية وفيه وضع كوندر مخطط تقسيم بلاد الشام بحيث تكون سوريا لفرنسا , واما الأردن وفلسطين فتكون ضمن الهيمنة البريطانية ، ليكون هناك حاجز غير بريطاني ( فرنسي ) بين روسيا شمالا ومناطق الهيمنة البريطانية في الديار العربية جنوبا ، ولكي تكون الأرض المطلة على البحرين الأحمر والأبيض وعلى الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي تحت السيادة البريطانية، وكذلك كان . وكان يفترض صدور الترجمة في كتاب بالعربية عام 2007م إلا أن اعتقالي لمدة سنتين ظلما وعدوانا حال دون ذلك ولا أدري ما هو مصير الكتاب الذي يفترض نشره من دار جرير للنشر حيث وقعت معهم اتفاقا لذلك.وتحدث موزل في عدة كتب عن أوضاع الأتراك، وجاء حديثه عنهم في الأردن في كتابه شمال الحجاز قرأته بالإنجليزية ولم أترجمه ؟؟
وبذلك فان كتب الرحالة العرب والمسلمون ( من قبل ) والغربيين ( من بعد ) تعتبر أحد المصادر المهمة في الدراسات التاريخية عن الاردن والعشائر الاردنية وبخاصة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ومطلع القرن العشرين ، لما تحتويه من معلومات مهمة عن النواحي الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والجغرافية , من شهود عيان وهم الرحالة . اما كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين فقد خصصت لمدوناتهم وملحوظاتهم كتابا من جزئين بعنوان : الاردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين ( من 1500 ق . م – 1881 ميلادي ) وهي تحتوي زخما من المعلومات في هذا الاطار ايضا
ونرى من الضروري ذكر بعض اسماء وكتب الرحالة الاجانب الذين وفدوا الى الاردن ودونوا كتبا عن رحلاتهم الى بلادنا تضمنت معلومات هامة عن العشائر ومظاهر الحياة وثقافة الناس بشيء من التوضيح . ومن هؤلاء :
1) جون لويس بيركهارت
الذي نشر رحلته سنة 1238هـ (1822م) تحت اسم (Travels in Syria and the Holy land وكان جاء الى البلاد العربية ومنها الاردن مابين 1812 – 1817 ). وقد تطرق في كتابه إلى العلاقة بين القبائل البدوية والسكان المستقرين. كم تضمنت معلومات مهمة عن النواحي الجغرافية والاقتصادية في المنطقة.
( من ابرز ما تطرق اليه الرحاله ( بيركهارت ) انه اثناء زيارته لارض ابن طريف / بني حميدة في الكرك تم استقباله اجمل استقبال ثم فوجيء في صبيحة اليوم التالي ان الشيخ بن طريف كان يحتضر في البيت الثاني , وانه توفي اثناء الليل ولم يعلموه ( الرحالة ) بذلك الا في الصباح خشية تعكير صفو الضيوف . وقد ترجمت له كتابين هما : ملحوظات عن البدو والوهابيين , بجزئيه
2 ) جورج اوجست فالن (G.A. Wallin) :
الذي نشر رحلته في سنة 1325هـ (1907م) تحت عنوان (Travels in Arabia (1845-1848)). حيث زار منطقة معان سنة 1264 هـ (1848م)، ودوّن مشاهداته عن المنطقة، واصفا العلاقة بين القبائل المحيطة من جهة، وبين سكان الأرياف من جهة أخرى، كما أشار إلى المحاصيل الزراعية في المنطقة، وبعض الحرف وطرق التعامل التجاري بين السكان، وأورد إشارات هامة عن طرق المواصلات في منطقة معان.
3) تريسترام (H. B. Tristram) :
الذي زار الكرك والبلقاء حوالي سنة 1288هـ (1871م)، ونشر نتائج هذه الرحلة سنة 1290هـ (1872م) تحت عنوان (The Land of Moab) وهو الكتاب الذي ترجمناه للعربية وصدر في طبعتين . وقد دوّن في كتابه ما شاهده من معلومات عن العشائر الاردنية في الحاضرة والبادية . كما ذكر معلومات هامة عن نشاط السكان الزراعي، وعن علاقات المنطقة التجارية مع المناطق المجاورة لها. وأورد بعض المعلومات المهمة عن المواقع الاثرية .
( يذكر في مذكراته أن الوالي العثماني قد سلمه كتابي شكر للشيخ احمد بن طريف و الشيخ سطام بن فندي الفايز ليساعدوه في الرحلة وذلك لقوة نفوذ الشيخين في منطقة مؤاب وما حولها وكتاب أخر من باب المجاملة لأي شخص يلقوه .
4) ميرل (Selah Merril) :
الذي قام برحلته في البلقاء سنة 1293هـ (1876م)، ونشر نتائج رحلته سنة 1299هـ (1881م) تحت عنوان (The East of Jordan) الذي ترجمنا الى العربية . وقد ذكر في كتابه معلومات القبائل البدوية في المنطقة، وأورد معلومات تتعلق بالنواحي الاقتصادية وقد ترجمت قسطا منه وتقفت الترجمة بسبب اعتقالي السياسي لسنتين .
5) داوتي (Charles M. Doughty):
الذي مر في المنطقة سنة 1292هـ (1876م)، ونشر نتائج رحلته سنة 1306هـ (1888م)، تحت عنوان (Travels in Arabia Deserts) والكتاب مكتوب بلغة ادب القرون الوسطى , ولم لتمكن بعد من ترجمته الى العربية وقد قراته اثناء تحضيري للدكتوراه مطلع ثمانينات القرن العشرين . وقد ذكر معلومات قيمة عن النواحي الجغرافية والعمرانية وكتيه باللغة الادبية التي كانت سائدة في العصور الوسطى .
6) جري هل (Gray Hill) :
الذي زار المنطقة أكثر من مرة في الفترة الواقعة بين سنتي 1306-1308 هـ (1888-1890م)، ونشر نتائج رحلاته بعنوان (With the Beduins) والذي ترجمناه الى العربية بعنوان : مع البدو وصدر بنسخة تتضمن النصين العربي والانجليزي . وتحتوي هذه الرحلات على معلومات قيمة عن القبائل البدوية في منطقة الكرك والبلقاء
اهدى خاتم للشيخ احمد غبن بن طريف لنبله وكرمه وعربوناً للصداقة . ( هذا ما كتبه المؤلف )
7) روبنسون ليس (Robinson Lees):
الذي زار قضاء السلط سنة 1308هـ (1890م)، ونشر نتائج رحلته بعنوان (Life and Adventure Beyond Jordan) وقد ترجمناه الى العربية وصدر في كتاب وهو كتاب صغير . وقد ذكر معلومات قيمة عن الحياة الاجتماعية في قضاء السلط .
8) هورنشتاين (Charles Alexander Hornstein):
الذي زار الكرك سنة 1313هـ (1895م)، ونشر نتائج رحلته في مجلة صندوق استكشاف فلسطين التي كانت تصدر في لندن سنة 1316هـ (1898م)، تحت عنوان (A Visit to Kerak and Petra). وقد ذكر معلومات تفصيلية عن حركة الشوبك التي حصلت سنة 1313 هـ (1895م)، كما أورد معلومات تتعلق بحركة المواصلات وجغرافية المنطقة.
9) أنطونين جاوسين (Antonin Jaussin) فرنسي الجنسية:
زار لواء الكرك ثلاث مرات في الفترة 1313-1323هـ (الموافق 1895-1905م)، ونشر نتائج رحلاته سنة 1325 هـ (1907)، تحت عنوان (Coutumes des Arabs au Pays de Moab). وتعتبر هذه الرحلة من المصادر التاريخية المهمة حيث أن فيها معلومات قيمة ونادرة عن العشائر الاردنية ، ومعلومات عن المحاصيل الزراعية والأدوات الزراعية المستخدمة في المنطقة، والمشاكل التي كانت تواجه الزراعة، وكذلك معلومات عن المكاييل المستخدمة في المنطقة، وطرق التعامل التجاري، إضافة إلى معلومات عن نشأة بعض القرى.
10) ميجر كوندر (Major C. R. Conder):
الذي قام بمسح جزء من قضاء السلط سنة 1299هـ (1881م)، ونشر نتائج هذا المسح سنة 1300هـ (1882م) تحت عنوان (The Survey of Eastern Palestine) وقد ترجمته الى العربية مزودا بشروحات مني لاسماء الاماكن التي وردت في الكتاب . وقد ذكر في كتابه معلومات هامة عن القبائل في القضاء، ومناطقها، وعدد أفرادها وخيمها، كما ذكر معلومات جغرافية عن القضاء. ثم جاب المنطقة مرة أخرى في الفترة ما بين سنة 1299-1300هـ (1881-1882م)، ونشر نتائج رحلته سنة 1301 هـ (1883م)، بعنوان (Heth and Moab).وقد ترجمناه ايضا الى العربية
11) لورنس أوليفانت (Laurence Oliphant):
الذي قام برحلته في البلقاء سنة 1297هـ (1879م)، ونشر نتائج رحلته سنة 1298هـ (1880م) تحت عنوان (The land of Gilead) وقد ترجمناه الى العربية وهو من اروع الكتب التي كتبها الرحالة ..
12) ثيودر داولنج (Theoder Dowling):
الذي زار الكرك سنة 1314هـ (1896م)، ونشر نتائج هذه الرحلة في السنة نفسها في مجلة صندوق استكشاف فلسطين التي كانت تصدر في لندن سنة 1316هـ (1898م)، تحت عنوان (Kerak in 1896). وقد ذكر معلومات قيمة تتعلق بالحركة العمرانية والمواصلات.
13) جودريتش فرير (Goodrish Freer):
الذي مر في لواء الكرك سنة 1321هـ (1903م)، ونشرت نتائج رحلته سنة 1323هـ (1905م)، تحت عنوان (In a Syrian Saddle). وقد ذكر بعض المعلومات الهامة التي تتعلق بالنواحي الجغرافية والاقتصادية.
14) وليم ليبي وفرانكلين هوسكنز(William Libbey and Franklin Hoskins):
الذين نشرا نتائج رحلتهما سنة 1323هـ (1905م)، تحت عنوان (The Jordan Valley and Petra) وقد ترجمنا هذا الكتاب الى العربية ..
15) فوردر (Archibald Forder):
الذي زار الكرك سنة 1328هـ (1910م)، ونشر نتائج رحلته سنة 1338هـ (1920م)، تحت عنوان (In Brigand’s Hands and Turkish Prisons). وقد ذكر بعض المعلومات عن حركة الكرك التي حصلت سنة 1328هـ (1910م).
16) كارل بيديكر (Karl Baedeker):
الذي نشر نتائج رحلته تحت عنوان (Palestine and Syria)، وقد ذكر فيها معلومات قيمة تتعلق بالناحية الاجتماعية والإدارية.[/SIZE]
كان اتصال الرحاله الأجانب بالأردن أكثر ما يكون مع ثلاث عائلات هم العدوان، الفايز ، المجالية . وبالتالي فإن الكثير من الروايات الموجودة حول العشائر والناس والبلاد هي غالبا اتكون وجهة نظر واحدة تعود لأحد هؤلاء , أي حسب الرحالة مع من يذهب؟ أو من يقابل ؟ . وهناك العديد من الكتب التي قمت بترجمتها وطباعتها تتحدث هن هذه الفترة , ومنها قصة الجيش العربي لكلوب باشا .
في غياب السلطة وسيادة الفراغ السياسي تحرك إبراهيم باشا بن محمد علي باشا والي مصر لاحتلال الشام وبلاد الحجاز وقد ذكر بيركهارت في كتابه المفصّل :
ملحوظات عن البدو والوهابين
الذي ترجمناه إلى العربية.تفاصيل حرب محمد علي باشا في الحجاز والطائف وتَرَبه وعسير وسواحل تهامة ، ومكة المكرمة والمدينة المنورة، ووحشية هذا الضابط الألباني الذي لا علاقة له بالإسلام والعروبة . وان كل من يقرأ كتاب بيركهارت الذي ترجمناه للعربية ( ملحوظات عن الوهابيين ) يبكي من سوء تعامل محمد علي مع العرب بعامة، والأشراف بخاصّة. حيث أساء إليهم إساءات الحاقد على العروبة والإسلام وال البيت .
كانت مطامع محمد علي باشا أن يحكم مصر والشام والحجاز والسودان ووادي النيل وأن يؤسس فيها مملكة وراثية في أعقابه من بعده. وقد سيَّر ولده إبراهيم لاحتلال الشام من السلطة العثمانية المركزية . وشرع في اجتياح سوريا برا قادما من مصر إلى فلسطين إلى الأردن عام 1831. كان ذلك المسير بسبب نكوث الاستانه بوعودها لمحمد علي أن تعطيه الشام , لقاء اشتراك ولده إبراهيم في معركة مع اليونانيين في عام 1827، لكن الدمار والانكسار والانحسار كان من نصيب إبراهيم باشا وأراد أن يبحث عن مجال جديد يمارس في هوايته في الحروب، ويحقق أهدافه السياسية ويتوسع على حساب سلطة الدولة المركزية، ويؤسس لعرش وراثي في البلاد العربية وان يكون مركزه في القاهرة واجنحته في وادي النيل والشام وجزيرة العرب والحرمين الشريفين للحصول على الشرعية الروحية .
أعلن إبراهيم باشا الألباني انه راعي القومية العربية وصار عربياّ أكثر من العرب ومصريا أكثر من المصريين ومسلما اكثر من المسلمين ومتحررا اكثر من الاحرار والمتحررين , واظنه لم يكن ايا من هؤلاء ، ونادى بتحرير الأقطار العربية من الاحتلال العثماني ، ووجدت دعوته هذه أذانا صاغية بسبب عدم وجود أية قيادة عربية في الساحة انذاك . وتقمَّص إبراهيم باشا شخصية العربي القومي الحريص على تحرير الأرض والإنسان والعروبة من الاحتلال التركي . وكانت مصر تحت سيادة والده، وكذلك كانت الحجاز التي خاض فيها شقيقه توسون باشا حروبا ضارية لكنه (توسون) مات مسموما على يد والده محمد علي باشا حسبما ذكر بيركهارت في كتابه المذكور أعلاه . وكان إبراهيم وهو الابن الأكبر أكثر طاعة لأبيه من أخيه توسون الذي صار يتمرد على أوامر والده , مما قلل من هيبة محمد علي باشا الذي لم يتوانى بالتخلص منه.
زحف إبراهيم باشا إلى سوريا واحتلها ثم توغل في أسيا الصغرى ينوي إسقاط الخلافة العثمانية وإعادتها إلى القاهرة باعتبار أن السلطان سليم الأول قد أخذ الخليفة وسجنه واجبره على التنازل عنها، وبالتالي فهي مصرية وهو أحق بها من الأعاجم ( حيث كان يتحدث كعربي؟؟!!) وقد حقق انتصارات على الجيش التركي كان أخرها معركته في قونية مما أجبر السلطان على عقد معاهدة معه للصلح عام 1833. نال فيها محمد علي باشا سوريا بأكملها من العقبة إلى حدود الأناضول وتشمل سوريا والأردن وفلسطين، وصار إبراهيم هو والي بلاد الشام كلها .
إلا أن إبراهيم باشا الذي دخل سوريا مزهُوّا بالنصر على السلطان والسلطة المركزية أدخل نظاما صارما على إدارة البلاد مما أثار السكان فثاروا ضدّه ونشبت الفتن في كل مكان الأمر الذي أثلج صدر الآستانة التي أزرت الثوار ضد إبراهيم باشا ومدتهم بالمؤن والذخائر والأسلحة , لأنهم يحاربون نيابة عنها، ثم جدَدت عليه حملة لاخراجة من سوريا، والتقت قواته وقواتها في نصيب شمال شرق الأردن. لكنه تغلّب عليها وهزم جيشها، وسار نحو ربوع شرق الأردن يقمع كل من يعارضه وينهب كل من لا يرحب به.وكان الغرب الذي يسيل لعابه لاسقاط الخلافة يجد في محمد علي باشا ومشروعه وسيلة ممتازة لانهاء هيمنة العثمانيين من بلاد مصر والشام وجزيرة العرب , ومدوه بالاسلحة المتطورة التي لم تكن متوفرة لدى العثمانيين . وكل ذلك تمهيدا لاقتسام البلاد في نهاية المطاف بين مراكز النفوذ البريطاني والفرنسي كما ذكرنا عند الحديث عما اوصى به الرحالة كوندر في كتابه : حث ومؤاب اعلاه .
اشتعلت ثورة نابلس التي قادها قاسم الأحمد الجماعين ضد ابراهيم باشا وظلمه وتجبره ، فتوجه إبراهيم بجيشه إلى نابلس لقمع ثورة جبل النار , ففر قاسم إلى الخليل طلبا للنجاة، حيث لم يكن والثوار قادرين على المجابهة والمنازلة بسبب فارق العدد والعدة والاسلحة المتطورة بمفهوم ذلك الزمن ، وبخاصة أن السلطات العثمانية وقفت عاجزة من مساعدتهم وعن صدّ الجيش المصري. ودخل إبراهيم باشا إلى نابلس وضربها بيد من حديد، ثم توجه إلى الخليل للقبض على قاسم الأحمد، الذي لم يجد بدَّا من التوجه إلى بلاد الملاذ الأمن وهي قلعة الكرك في الأردن حيث دخل في حماية شيخ القلعة وشيخ مشايخ الكرك في حينه الشيخ إبراهيم الضمور الغسَّاني. وهنا تتوقف عند هذا الرجل الوطني قليلا .
الشيخ إبراهيم الضمور الغساسنة شيخ مشايخ الكرك في



