الرئيسية/العالم
Khaberni Banner Khaberni Banner

كيف انتحل الاردني فايز محمود نص السوري صبحي حديدي ?

كيف انتحل الاردني فايز محمود نص السوري صبحي حديدي ?
المفكر السوري صبحي حديدي

خبرني – نظرا لحجم الاتصالات التي تلقتها "خبرني " بعد نشر قضية انتحال الكاتب الاردني فايز محمود لنص مترجم للمفكر السوري صبحي حديدي، تعيد "خبرني " المنحازة للحقيقة دائما نشر مقال حديدي في صحيفة القدس العربي الصادرة في لندن ،والذي سبق ان شارك بالكتابة في ملحق التنوير الذي اصدرته صحيفة الرأي قبل نحو 9 اشهر: تقنيات انتحال معلَن صبحي حديدي أعمال القاصّ والكاتب الأردني فايز محمود تُعدّ بالعشرات، وموقع وزارة الثقافة الأردنية يحصي له 18 عملاً، بين مجموعات قصصية ودراسات فلسفية وأبحاث تاريخية ومقالات منوّعة، وذلك حتى العام 1998. ومؤخراً صدرت أعماله الكاملة، الأمر الذي يرجّح أنّ لائحة مؤلفاته قد تجاوزت الـ 20... بكثير ربما، مدّ الله في عمره وشحذ قريحته. بين هذه نجد عناوين ثقيلة مهيبة، مثل "الحقيقة: بحث في الوجود"، أو "مشكلة الحبّ: العناء الإنساني دون جدوى"، أو "الحرّية والضرورة: في مجتمعات الإنسان والنمل"... لماذا يلجأ كاتب من هذا العيار، في تقدير وزن المؤلفات الكمّي على الأقلّ، إلى انتحال كتابات الآخرين؟ وإذا كان السؤال عتيقاً متكرراً مكروراً، انطبق وينطبق على مئات الكتّاب قبل فايز محمود وبعده، فإنّ التتمة اللاحقة هي التالية: لماذا يلجأ كاتب مخضرم، يخطو نحو العقد السابع من عمره، إلى الانتحال على هذا النحو الفاضح، المثير للشفقة قبل الإستغراب أو السخط، خصوصاً حين تنطوي مادّة الانتحال على مجازفة كشف المنتحل دون كبير عناء، بسبب من محتوى المادّة المميّز أوّلاً، ونتيجة ألعاب تمويه الانتحال ذاتها ثانياً؟ في الملحق الثقافي لصحيفة "الرأي" الأردنية، عدد الجمعة 4/4/200، نشر فايز محمود مقالة بعنوان "الأسطورة والمعنى (شتراوس)"، بلغت 965 كلمة، في إحصاء جهاز الكومبيوتر الذي أستخدمه، لم يكن له فيها، تأليفاً، سوى أقلّ من... 60 كلمة! ما خلا هذه، فإنّ النصّ منسوخ بأكمله عن كتاب الأنثروبولوجي الفرنسي الشهير كلود ليفي ـ ستراوس "الأسطورة والمعنى"، الذي تشرّفت بترجمته إلى العربية، وصدرت طبعته الأولى سنة 1985 عن دار "الحوار"، اللاذقية. بادىء ذي بدء، لا يشير فايز محمود إلى الترجمة العربية ولا إلى اسم المترجم (وهذه ليست كارثة طبعاً، في قياس معايير الأمانة التي تعتمدها معظم وسائل الإعلام، والكثير من الدوريات العلمية المتخصصة، في العالم العربي)؛ ولكنه أيضاً لا يشير إلى أيّ أصل أجنبي، فرنسي أو إنكليزي أو سنسكريتي، ينقل عنه أقوال ليفي ـ ستراوس. إنه يكتفي بهذه الجملة، التي أنقلها حرفياً ودون أيّ تدخّل طباعي: "سنرافق فيما يلي المفكر المعاصر (كلود ليفي شتراوس) احد أشهر الفلاسفة في هذا المجال - في اجابته على هذا السؤال والذي ضمنه كتابه الاسطورة والمعنى". والحال أنّ فايز محمود لم يرافق الرجل، بمعنى توفير حقّه في الحدّ الأدنى من أمانة النقل أو التعليق، بل تعمّد تمزيق النصّ إلى فتات وشذرات، اختار منها ما يصنع عدد الكلمات المطلوبة لفبركة مقال، ولم يكترث حتى ببذل جهد بسيط في توزيع هذه الاقتناصات العشوائية على فقرات ذات منطق ما، أو التخفيف قليلاً من فظاعة تلصيقها اعتباطياً. فهو ينقل جملة واحدة من صفحة في فصل يتناول سؤال العودة إلى الفكر الأسطوري، ليلصقها مع جملة تالية من صفحة أخرى في فصل يتناول التفكير البدائي والعقل المتحضّر، وما بين هذه وتلك يدسّ جملة ثالثة عن كيفية انقلاب الأسطورة إلى تاريخ، وهكذا... المستوى التالي في شطارة الانتحال هي أنّ فايز محمود لا يستخدم علامات الإقتباس البتة، في المطلق، بحيث أنّ القارىء لا يعرف متى يبدأ كلام صاحبنا، ومتى ينتهي؟ وهل يؤلّف، أم يقتبس، أم يولّف؟ وما العلامة أنّ جملة مثل "ساد الاعتقاد بأنّ العلم لم يرسّخ اقدامه إلا بإدارة ظهره لعالم الحواس: العالم الذي نراه، نشمّه، نذوقه، وندركه. لقد كان الحسيّ عالماً خادعاً، بينما تمثّل العالم الحقيقي في النسب الرياضية التي لا يمتلك ناصيتها سوى المثقف..." هي من تأليف ليفي ـ ستراوس، أم من بنات أفكار فايز محمود؟ ومَن الذي يقول ماذا، في نهاية المطاف؟ غير أنّ طراز الشطارة الثالث هو الأدهى والأمرّ في الواقع، ليس لأنّ فايز محمود يمعن أكثر في الانتحال، بل لأنه يتدخّل لكي يضيف من عندياته عبارة تشوّه المعنى الذي يريد ليفي ـ ستراوس إيصاله. على سبيل المثال، كتب الأخير: "حاولت تبيان حقيقة أنّ هذه الشعوب التي نعتبرها خاضعة كلياً لحاجة إشباع جوعها، لحاجة الإستمرار في القدرة على البقاء ضمن شروط مادية شديدة القسوة؛ وهي شعوب تمتلك قدرة تامة على التفكير اللانفعي، إنها تتحرك بدافع الحاجة أو الرغبة في فهم العالم المحيط بها...". فماذا فعل فايز محمود بهذه الفقرة؟ نسخها بالحرف، أوّلاً؛ ثمّ أضاف إليها من أفكاره النيّرة الفعل "يثبت" بدل الفعل الأدقّ "يحاول" الذي استخدمه الأنثروبولوجي الفرنسي الكبير من باب التواضع العلمي؛ كما حشر العبارة العبقرية التالية في تقريظ مفهوم التفكير اللانفعي: "وهو التفكير الذي يدلّ على حضارة الإنسان"! صحيح أنّ تقنيات فايز محمود في انتحال ليفي ـ ستراوس إنما تنتهي، بالفعل، إلى خلط الحابل بالنابل، أو الناقل بالقائل؛ ولكنّ هذا التغييب، مثله مثل الكذب في المثل الشعبي الشائع، حبله قصير للغاية، وإذا نجح في الخداع بعض الوقت، فإنّه لن ينجح كلّ الوقت. وأغلب الظنّ أنّ مشاعر الشفقة لن تكون وحدها حصيلة الموقف من انتحال كهذا، معلَن مشوِّه مشوَّه!
Khaberni Banner
Khaberni Banner