Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

كورونا :عَودٌ على بدء

كورونا :عَودٌ على بدء

حين تفاجأ العالم بكورونا(‍كوفيد19) كان حجم المفاجأة مهولا‍ً وغير متوقع بهذه

الصورة الرهيبة ،حجر‍ٌ‍ صحي‍ٌّ كامل في البيوت،توقف في حركة المواصلات محليّاً

وعالمياً،توقف تامٌّ ‍عن العمل، في التعليم العام والخاص،في الجامعات والتعليم العالي،توقف

الصلاة في بيوت الله حتّى شعر ‍البعض بأنه غضبٌ من الله ،‍وصرّح كثيرون ومنهم أهل علم

أنّ الله يطردنا من بيوته لكثرة ذنوبنا، وحوصر العالم داخل العالم ...وحوصرت الدول داخل

نفسها ...وتوقفت الطائرات عند الفجر ...وعند الظهر ...وعند العشاء...وجثت في المطارات

ساكنة‍ً ‍ قد علاها الغبار،وتوقف العالم تقريبا كل‍ّ‍ه على قدم وساق.

والتقت العائلات معاً وجبراً وهي من المرّات القليلة والنادرة، نعم كان العمل لا يدع

فرصة للاجتماع على صلاة أو سدر منسف أو مسخن أو مقلوبة،وأصبح الجميع أمام الجميع

ليل نهار...فتجددت العلاقات والمشاعر بين الأزواج وبين الأمهات والأباء والأبناء، وأحياناً

تقطّعت العلاقات في البيت الواحد بين الأزواج  مللاً وكدراً  وضغطا ً تحت حالة الحصار

والنفقات غير المتوقعة ، وانقطاعات العمل ونقص الرواتب مع الخصومات ،‍وجاء رمضان

بخيره وبركاته ليكون بلا مساجد ولا تراويح ولا أجواء ‍مُ‍فعمة بالإيمان والنفحات الطي‍ّ‍بة،‍وجاء

العيد متقطّع الأوصال وبلا تواصل إلا بوسائل التواصل الاجتماعي التي لا تمنح الأمهات

والزوجات والأخوات والبنات "العيدي‍ّ‍ة" التي كنّا نجمعها خمسات وعشرات وعشرينات

وقليل من الخمسينات لأول مرّة منذ عشرات أو مئات السنين، فكانت كورونا عجيبة في كل

شيء،أعادتنا إلى أنفسنا أولاً....كم نعمة كنا لا ننتبه إليها فقدناها وقد كانت حقيقة فأصبحت

سراباً...نعمة الحريّة وهي النعمة الأغلى ،فعشنا مقيدين بقوانين إجبارية، لا نملك الحركة ولا

المشي ولا السفر ولا الذهاب لبيوت الله ولا زيارة الناس والأحبة....وهنا كانت الحقيقة" لا

ت‍ُ‍عر‍َ‍ف‍ُ النعمة إلاّ بفقدانها".

وتوقفت مراسم الأفراح المعهودة ولم تتوقف الأفراح بشكلها الجديد...دفعت الصالات

الاجتماعية والفنادق ثمناً باهظا من تعط‍ّ‍لها وعدم استخدامها، وليس لها كبير أمل في فرج

قريبٍ كما يبدو....وتمت الكثير من الزيجات لتستمر الحياة ويخفف الله عن الناس تكاليف

الصالات والذبائح وفاردات السيارات المتواصلة إزعاجاً للناس وغلقا ً للطرقات ‍،‍وتشكلت

قناعات جديدة.. زواجٌ خفيفٌ سريعٌ محدودٌ رغم غضب ورفض النساء والأمهات والعرائس

،فهذا هو المتاح أو لا متاح إلا انتظار مجهول المتاح.

وكان الموت واعظا كما كان دائما، موتٌ ودفنٌ ووداع ٌ ساكنٌ حزينٌ، خمسة إلى

عشرة يتكف‍ّ‍لون بالأمر كل‍ِّ‍ه،هذا الدرس عظيمٌ وقد عاشت دولٌ ح‍ا‍ل‍ا‍ت أشدَّ فتكاً وألماً...دفن‍ٌ

بالجرافات وفي حفروأنفاق طويلة.

كورونا لم تودعنا بعد إلى غير رجعة ويا ليتها فعلت...لكنها تحذُّرنا يوميا أنها

موجودة ...في دول كثيرة عادت بقوّة....وضربت بقوّة....ونحن نراقب ونتابع....وحكومتنا

الرشيدة أدت أداءً محترفاً في مواجهة كورونا ورعاية الأردنيين فكان شعار"الإنسان أغلى ما

نملك" ليس حبراً على ورق ، بل عمل‍ٌ موصولٌ الليل بالنهار،وكان جيشنا الأبيض من الأطباء

والممرضين والإداريين في الصحة وخلايا متابعة المرض خير من قدم الخدمة تميّزاً وحرفيّةً

وإخلاصاً نحسبهم كذلك وأجرهم على الله،وكانت الأجهزة الأمنية بكل ‍تشكيلاتها وجيشنا

العربي الباسل الساهر على الوطن والمواطن طيلة الأزمة وما بعدها حتى اللحظة. 

ودفع القطاع العمّالي والصناعي والتجاري والتعليم الخاص خاصّة  ثمناً باهظا في

تعطّله عن العمل والانتاج،ولا زال... فالعودة بعد الانقطاع ليست سهلة وقد تقطّعت السبلُ

بالكثيرين، ونحن نعيش حالة التعافي ‍شبه المعقول نتوخى الحذر التزاماً كاملا ً بكل التعليمات

الصحية للبقاء في دائرة الأمان وعدم العودة على ما بدأناه في كورونا.

وعودٌ على بدء فإن كورونا تطل بأنيابها وأخطارها من جديد، عالميا حتى الآن لم

تغادر لا بأمان ولا بسلام ، ومحليّا نعيش لحظات الترقب،بين التزامٍ لا بأس به وتراخٍ موحٍ

بخوفٍ ووجل،وقد أصابنا ما أصابنا من آثارها ليكون درساً لمزيد من الالتزام والالتزام ولا

تنازل عن الالتزام.

*مدير مركز دراسات الأمّة.

Khaberni Banner
Khaberni Banner
Khaberni Banner