الرئيسية/عيون و آذان
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

قضية جانبية.. ولكن!

قضية جانبية.. ولكن!

تحت وطأة التطورات الدولية والإقليمية المتسارعة يجد السياسيون أنفسهم ملزمين بالتركيز على القضايا الرئيسية والمحورية التي من شأنها التأثير بشكل مباشر على مستقبل دولهم، وربما مواقعهم، ناهيك عن مستقبل المنطقة الجيوسياسي. وهذه حقيقة لا تنطبق على الشأن السياسي فقط، بل تتجاوزه لتشمل جميع شؤون الحياة على اختلاف مستوياتها. ولهذا نجد أن الكثير من خبراء الإدارة، مثل ستيفن كوفي، قد اصدروا كتبا تتحدث عن كيفية تعظيم الاستفادة من الوقت والبدء بتنفيذ الأهم قبل المهم، ثم الأقل أهمية، وهكذا. 

طبعا على مستوى الفرد، بغض النظر عن دينه وعرقه وجنسه، فإن أبرز القضايا ذات الأهمية العظمى هي التي ترتبط بعلاقته بربه وعائلته والتي تؤثر على صحته وقدرته على القيام بمهامه بشكل كفوء وفعال. أما فيما يتعلق بالشأن السياسي، فمن الطبيعي أن تختلف الأولويات من دولة إلى أخرى، ومن سياسي إلى آخر تبعا للعديد من الاعتبارات والقناعات و"المحددات" الداخلية والخارجية! 

ومن هنا نجد أن تعامل الدول والساسة مع القضايا العامة يتفاوت بشكل جلي؛ متأثرا بطبيعة النظام السياسي وارتباطاته وتحالفاته ورؤيته ومصالحه الآنية والمستقبلية. كما أن تعامل الدول التي فيها فضاء من الديمقراطية، ضاق أو وسع، يختلف عن تعامل الدول البوليسية مع ذات القضية، حتى لو كان فيها أبعاد مشتركة. وفوق ذلك، فإن استجابة دول أسلمت قرارها لغيرها، لاعتبارات مختلفة، قد لا تتوافق بالضرورة مع استجابة دول أخرى ذات قرار مستقل، أو على الأقل لديها هامش من المناورة يمكنها من اختيار الجانب المناسب الذي تتمركز فيه!

وبإسقاط ما تقدم على قضية القدس، نجد أن تعامل دول العالم مع قرار الرئيس الأمريكي الإعتراف بالمدينة المقدسة عاصمة للكيان الصهيوني قد شهد انسجاما دوليا "عاما"، كما ظهر من التصويت ضد القرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة وقبل ذلك في مجلس الأمن، ولم تفلح تهديدات الإدارة الأمريكية الصريحة في ثني غالبية أعضاء المنظمة الدولية عن التصويت ضد القرار الأمريكي الأحادي. ولكن موقف الأغلبية هذا لا يعني بالضرورة وحدة في الرؤية أو تماثلا في الأولويات تجاه هذه القضية!    

فتصويت الدول الأوروبية جاء على الأغلب انسجاما مع قرارات الأمم المتحدة السابقة، وربما ردا على محاولات ترامب بإضعاف الإتحاد الأوروبي. أما روسيا، فقد وجدت الفرصة مواتية لتحسين صورتها في الدول العربية والإسلامية ولتوجيه صفعة للولايات المتحدة ردا على صفعات كثيرة سابقة وجهت إليها! وبالنسبة لدول أمريكا اللاتينية والصين فهي معروفة بمواقفها التاريخية من القضية الفلسطينية، مع القناعة بأنها لا تشكل أولوية بالنسبة لها.

أما بالنسبة للدول العربية والإسلامية، فيمكن تصنيفها في مجموعتين: الأولى تعتلي قضية القدس تحديدا، وفلسطين المحتلة على وجه العموم، سلم أولويتها. وعليه فقد ساهمت بحشد التأييد للقرار رغم إدراكها للثمن الذي قد تدفعه بسبب مواقف معلنة وغير معلنة من قبل "الأصدقاء" و"الأشقاء"! أما الثانية، فهي "زمرة" محدودة العدد وكثيرة الموارد المالية باتت ترى أن قضية القدس ليست سوى "قضية جانبية" لا تستحق إغضاب "أسيادها المعصومين" في واشنطن وتل الربيع! وليس في هذا الوصف أقل القليل من التجني، بل هو واقع تؤكده تصريحات وتغريدات ومقابلات وسلوكيات بعض مسؤوليها وباحثيها و"كتبتها" وأبواقها الإعلامية. فأولويات هذه المجموعة أضحت تتمثل بإشعال الحروب، ونشر نيران الفتن، ما ظهر منها وما بطن، والتسبب في قتل وتهجير الملايين من العرب والمسلمين!

ومن الواضح أن هذه "الزمرة" قد وجدت نفسها أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما أن تنزع القناع وتكشف عن مواقفها الحقيقية على مرأى ومسمع من العالم أجمع، وإما أن تستخدم "التقية السياسية" فتصوت مع القرار مع عدم رضاها عنه! ومن الواضح أنها قد اعتمدت الخيار الثاني وهي كارهة له، وخالفت بذلك أبجديات التعامل مع قاعدة الأولويات، وقبلت أن تتعامل مع "قضية جانبية" وتدخل ضمن مجموعة "الدمى التي تحركها القيادة الفلسطينية"، حسب وصف "صديقهم داني دانون" المندوب الصهيوني لدى الأمم المتحدة، إلى جانب واقعها الحقيقي كدمى تتلاعب فيها الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني، فهنيئا لزمرة "تأبط شرا" تميزها! 

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner