الرئيسية/العالم
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

قصة انهيار تحالف 3 دول عربية

قصة انهيار تحالف 3 دول عربية
العاهل السعودي والرئيس السوري

خبرني - لم يسبق أن تدهورت العلاقات السعودية ـ السورية الى المستوى الذي وصلت إليه اليوم، كما لم يسبق أن انقطع الحوار بين القاهرة ودمشق بالقدر الذي نشهده في الفترة الأخيرة، علماً أن المثلّث المصري ـ السوري ـ السعودي كان «المثلّث الذهبي»، ومصدر القرار العربي الوحيد خلال العقود الثلاثة الأخيرة، متقدّماً على التدخّلات والتوجّهات الخارجية. وليس سرّاً أن لبنان شكّل في مرحلة «اتفاق الطائف» وما بعده، همزة وصل في العلاقات السعودية ـ السورية، وقد وافق الرئيس السوري السابق، بل دعم، عقد مؤتمر الوفاق اللبناني الذي أسّس للميثاق الثاني على أرض المملكة في العام ١٩٩٠، والتزمت دمشق تطبيق هذا الميثاق طوال خمس عشرة سنة بين الأطراف اللبنانية. لكن العلاقات بين البلدين سلكت خطّاً انحدارياً منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط (فبراير) ٢٠٠٥، وسط حديث محلّي ودولي عن «دور سوري» في هذا الاغتيال، وجاء القرار ١٥٥٩، وعقبه الخروج السوري من لبنان، وانقطع حبل الودّ، وكأن الحريري كان العرّاب الوحيد للعلاقات القائمة، وفي غيابه تعطّلت كل وسائل التفاهم. وفي أعقاب حرب تموز (يوليو) ٢٠٠٦، صدرت عن دمشق تصريحات لم تَرُق للمسؤولين السعوديين، واكبتها اتهامات نشرها موقع «سيريا نيوز» الإلكتروني، الذي يشرف عليه فراس طلاس، منها المطالبة بطرد الملحق العسكري السعودي من دمشق، بتهمة قيامه باتصالات مع بعض العشائر السورية اعتبرت تحريضية. كما اتهمت سورية السعودية بمنع مرور طائرة نقل تحمل إمدادات ومواد تموينية الى الأراضي السورية، ومنع دخول ١٢٠ شاحنة سورية مبرّدة الى الأراضي السعودية. لكن الرياض أوضحت فيما بعد، أن منع الشاحنات تدبير متخذ منذ سنوات طويلة، وهو يقضي بنقل حمولة الشاحنات القادمة من مختلفة الدول العربية الى شاحنات سعودية على الحدود، للحدّ من عمليات تهريب المخدّرات والأسلحة الى المملكة. ومع تصاعد حدّة الأزمة اللبنانية، كان لافتاً اضطرار السفير السعودي في بيروت عبد العزيز خوجة، قبل أواخر السنة الفائتة، الى المغادرة خوفاً من مهاجمة السفارة، وتصريح نائب الرئيس السوري فاروق الشرع الذي أعاد تراجع العلاقات الى «الكثير من الشخصانية كعلاقتنا مع شيراك»، ما استدعى ردّاً من وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل الذي قال: «من الأفضل عندما يصرح وزراء الخارجية ألا يرد بعضهم على بعض في العالم العربي، وهذا أجدى للعلاقات العربية». وأضاف: «أنا لم أرَ شخصاً في المملكة أو أحداً تسبّب في الاساءة الى العلاقة»، بقصد تحميل دمشق مسؤولية التدهور. لكن هذه الأسباب مجتمعة، ليست إلا عوارض السبب الأساس، وهو التحالف السوري الاستراتيجي مع إيران. وداخل المملكة من يتوجّس بأن هذا التحالف بات الى حد بعيد يحكم الصراع الداخلي في العراق بين أهل الشيعة وأهل السنّة، مع ما ينطوي عليه من انعكاسات محتملة داخل المملكة وبعض أطراف الخليج، بالاضافة الى لبنان. واحتضان إيران الكامل لـ«حزب الله» والمبالغ التي حوّلتها الى هذا الحزب بعد عدوان تموز (يوليو) والتي تقدّر بـ٧٠٠ مليون دولار، تنظر إليهما السعودية في إطار التحالف الإيراني ـ السوري وامتداداته العربية. وما ينطبق على لبنان والخليج هنا، ينطبق على الأراضي الفلسطينية المحتلّة، في غزّة بصورة خاصة، الأمر الذي يعمّق الفجوة بين دمشق والرياض على مختلف المستويات. وثّمة من يهمس داخل الاجتماعات الخليجية المغلقة بأن طهران ودمشق تعاونتا على إسقاط «اتفاق مكّة» بين «فتح» و«حماس»، من أجل الهيمنة على جزء من القرار الفلسطيني، وأن المعادلة السورية ـ الإيرانية بالغة الحضور في العراق، وهي التي تمنع المصالحة الوطنية في بغداد كما في بيروت. الوصل ومن أجل أن ندرك حجم التدهور الذي طرأ على العلاقات نعود قليلاً الى الوراء، الى لحظة وصول الرئيس بشّار الأسد الى السلطة في غياب والده في العام ٢٠٠٠. فبعد أشهر قليلة من هذا الوصول، تمّ الاعلان في فندق «شيراتون» في دمشق عن تأسيس «الشركة العربية للاستثمار القابضة» السعودية، وفق قانون الاستثمار السوري الرقم ١٠ وتعديلاته، وبلغ رأسمال هذه الشركة المبدئي ٤٠٠ مليون دولار. يومذاك أعلن أن نشاطها سوف يشمل تمويل مشاريع عقارية وسياحية وزراعية ومشاريع اتصالات، وقد شاركت فيها مجموعة دلة البركة (الشيخ صالح كامل)، ومجموعة سعودي أوجيه (سعد الدين الحريري)، ومجموعة بن لادن السعودية (صالح بن لادن)، والشركة السعودية الأولى للاستثمار (وفيق رضا سعيد). ويخطئ من يعتقد بأن هذا حصل بسبب تحسّن البيئة الاستثمارية في سورية لمجرّد وصول الرئيس الشاب، فقد شكّل تأسيس هذه الشركة رسالة دعم قويّة، سياسية واقتصادية، عربية ودولية في آن للرئيس الجديد، في ظلّ أجواء غير مريحة وتساؤلات عن مستقبل سورية في غياب قائدها التاريخي. وتكرّرت بعد ذلك الرسائل السياسية والاقتصادية، فزار الأمير سلطان بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران دمشق لتقديم التهاني، وقبلها كان الأمير عبد الله (ولي العهد يومذاك) أوّل الواصلين الى العاصمة السورية في حزيران (يونيو) ٢٠٠٠، وبقي ثلاثة أيام حتى انتهاء مراسم التشييع، وعاد الى سورية مرة أخرى بعد شهر واحد من انتهاء المراسم، وكان أول مسؤول عربي كبير يقدّم التهنئة باسم خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز والحكومة والشعب السعوديين الى الرئيس السوري بمناسبة انتخابه. في مرحلة لاحقة تكرّرت الرسائل السعودية الداعمة، فأعلن في دمشق عن مشروعين سعوديين ضخمين، الأول في منطقة الشاطئ الأزرق في محافظة اللاذقية، والثاني في موقع «أفاميا» السياحي في محافظة حماه وسط سورية، واعتبر هذا المشروع من أهم مشاريع الاستثمار السياحي في المنطقة. كذلك شاركت المملكة في تمويل «محطّة توليد كهرباء شرق حلب البخارية» التي تعتبر بدورها من أكبر المحطّات في الشرق الأوسط. في السياق نفسه، سجّل أن عدد الاستثمارات السعودية ـ السورية المشتركة بلغ خمسين مشروعاً، ومن أهمّها فندق «فور سيزنس» في قلب دمشق، الذي أقامه الأمير الوليد بن طلال في قلب دمشق، وقدّم بعده مساعدات مالية لأسر الضحايا الذين سقطوا في كارثة انهيار سدّ زيزون في محافظة حماه، وأسر ضحايا كارثة انهيار المباني في حيّ الكلاسة في حلب. وكل ذلك اعتبر تجسيداً للاهتمام السعودي باستقرار سورية واستقرار النظام. الزلزال لكن شيئاً ما حصل كان له وقع بالغ في العام ٢٠٠٥ هو اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وقد عملت السعودية على احتضان ورثته سياسياً ومادياً، في دخول مباشر على الملف اللبناني من دون استئذان أحد، ودعمت في المحافل الدولية الدعوة الى الانسحاب السوري من لبنان، وانطلقت في حملة إعلامية مباشرة وغير مباشرة ضد التوجّهات السورية، على خلفية التحالف السوري ـ الإيراني. ولأول مرة طفا الخلاف السوري ـ السعودي على السطح بصورة شبه دائمة. وبلغ التوتّر ذروة جديدة في أعقاب «اتفاق مكّة» عندما وزعت وكالة الأنباء السعودية (واس) بياناً اتهمت فيه نائب الرئيس السوري فاروق الشارع بـ«الكذب والاستهتار»، ووصفت المواقف السورية التي «ستذهب ويذهب أصحابها أدراج الرياح» بأنها «تنكّر لوحدة الصف العربي وسياسة نشر الفوضى والقلاقل في المنطقة». وجاء الموقف السعودي، وهو الأول من نوعه من حيث الحدّة، ردّاً على وصف الشرع خلال محاضرة له في دمشق الدور السعودي بأنه «مشلول»، وانتقاده مواقف من سمّاهم «المعتدلين» في بعض الدول العربية، وبينها السعودية، مشيراً الى أن «الاعتدال» لا يعني «الاستكانة». ونقلت «واس» عن مصدر مسؤول في الحكومة السعودية أن «حكومة المملكة تابعت بكثير من الاستغراب التصريحات النابية التي أدلى بها الشرع، والتي تضمّنت الكثير من الأكاذيب والمغالطات التي تستهدف الاساءة الى المملكة»، قبل أن تقول إن مثل هذه الأحاديث لا تصدر عن «عاقل ومتزن، على أساس أن الدور السعودي، العربي والإسلامي، يعرفه القاصي والداني، والشلل هو شلل السياسة التي يمثّلها الشرع وينطق باسمها». هذه الحملات الاعلامية التي تردّدت أصداؤها في صحف المملكة، أعادت الى الذاكرة تصريحات الرئيس السوري بشّار الأسد في آب (أغسطس) ٢٠٠٦ عن «أنصاف المواقف وأنصاف الرجال»، في إشارته الى مواقف عربية أبرزها موقف السعودية ومصر خلال حرب تموز (يوليو). في أعقاب هذه التصريحات، أيقن المراقبون جميعاً أن المثلّث المصري ـ السوري ـ السعودي انهار فعلاً وبات من الماضي، وأن هذا المثلّث الذي شكّل على مدى ثلاثة عقود القاطرة الأهمّ للنظام العربي قد انفرط، بعدما خسر أحد أضلاعه الأساسية، نتيجة التطوّرات الإقليمية والدولية التي تسارعت بعد ١١ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠١ في أفغانستان والعراق كما في لبنان وفلسطين. أوراق وإذا افترضنا، كما يقول السعوديون أنفسهم، أن النهج السعودي لم يتغيّر في التعامل مع سورية، فلماذا تغيّر الموقف السوري، وما هي الأوراق التي تمسك بها دمشق في معاندة التوجّه المصري ـ السعودي؟ ليس سرّاً أن ملفّات المنطقة متعدّدة ومتشابكة، وكلّها ساخنة، على رأسها الملف الإيراني، وأمن الخليج، والملف الفلسطيني، والملف اللبناني، وملفّ العراق، وملفّات ما يسمّى «الارهاب» في القاموس الأميركي والأوروبي. والمنطقة تشهد تغيّرات لا تنحصر بتداعي قبضة النظام الأميركي الآحادي، وبروز عمالقة جدد وشركاء أقوياء، في مرحلة فشل الخيارات الاستراتيجية الأميركية وتراجعها، بل تتجاوز هذه الوقائع الى تبدّلات داخلية، وبروز تناقضات جديدة على وقع التوازنات الجديدة التي تسارعت بعد حرب العراق. وفي تقدير السوريين أن التبدّلات الحاصلة في موازين القوى، أمّنت لدمشق عناصر قوّة إضافية في التعامل مع المأزق الغربي لعلّ أبرزها: ـ منذ سقوط بيروت في العام ١٩٨٢، وسقوط بغداد في العام ٢٠٠٣، صارت دمشق أقوى، والعرب ملزمون بأن يأخذوا هذا الواقع بعين الاعتبار، والعالم بدوره يفترض أن يتوقّف عن محاولات احتواء سورية عن طريق محاصرتها اقتصادياً وسياسياً. ـ إن دمشق استعادت معظم أوراقها الفلسطينية بعد سقوط «اتفاق مكّة»، بخلاف مصر . ـ في الملف اللبناني تحرّرت دمشق من المسؤوليات المترتّبة على وجودها العسكري، وباتت قادرة، من دون تكلفة، على التحكّم بمسار الأزمة. ـ في العراق تملك دمشق القدرة على ضبط التوازنات الداخلية على إيقاع خاص، لأنها على علاقة مباشرة بكل الأطياف العراقية، فضلاً عن أن تحالفها مع إيران يؤمّن لها عمقاً استراتيجياً خاصاً. ـ التحالف السوري ـ الإيراني أكثر من تحالف تكتيكي أو عسكري، إنه تحالف حيوي بكل معنى الكلمة، له مردوده على الميزان التسليحي في المنطقة وقدرات سورية الدفاعية في هذه المرحلة البالغة الحساسية. ـ العلاقات السورية ـ التركية جيّدة، والمصالح التركية ـ السورية تتقاطع على رفض قيام الدولة الكردية والحفاظ على وحدة العراق. ـ التفاهم السوري ـ الروسي مدخل الى تفاهم أعمق على المستوى الإقليمي، في مرحلة العودة التدريجية الى مناخات الحرب الباردة، وهي عودة ترتسم بوضوح في الأفق الدولي. عناصر القوّة هذه توظّفها دمشق في التعامل مع الملفّات التي تشترك فيها مع السعودية، وهي ليست قليلة: ـ دمشق والرياض شريكان في الساحات الثلاث المتفجّرة: لبنان وفلسطين والعراق. ـ هما أيضاً شريكان، منذ حرب الخليج الأولى، في أمن الخليج العربي والعلاقات العربية ـ الإيرانية. ـ والشراكة السعودية ـ السورية تمتد جذورها في التاريخ القديم، على امتداد المسافة الواقعة بين الحجاز ووادي الرافدين وساحل الشام، وصولاً الى شاطئ غزّة والعريش، والمعادلة القائلة بأن لا حكم للحجاز من دون الرافدين والشام، معادلة صحيحة والعكس صحيح. هذه الحقائق مادية وتاريخية وواضحة لا تحتمل الجدل، لأنها تتصل بالعوامل الجيوسياسية في المنطقة. وفي سياق هذه المعادلة أن التوافقات السورية ـ السعودية تحصّن الحلّ العربي في العراق، وتحقّق توازناً فاعلاً مع تركيا، كما مع إيران، كما تخلق بيئة ملائمة لاحتواء المشاريع الأميركية التي تفجّر فتناً مذهبية في المنطقة، فضلاً عن الفتن والنزاعات الأتنية. وكثيرون يميلون الى الاعتقاد بأن لا غنى عن التفاهم السوري ـ السعودي في العراق ولبنان وفلسطين، لأنه يشكّل الحاضنة الطبيعية لأي مصالحة وطنية داخلية. القمّة نعود الى القمّة. في أواسط آذار (مارس) ٢٠٠٧، وعلى مسافة أيام من انعقاد قمّة الرياض، قال الرئيس السوري بشّار الأسد إن «العلاقة مع السعودية مرّت أخيراً بغيمة ولكن تجاوزناها»، معرباً عن أمله في أن تسفر القمّة عن تسوية الخلافات. وتابع الأسد في حديث الى صحيفة «الجزيرة» السعودية: «إن مؤتمر القمّة نتمنّى له أن يكون محطّة جديدة، وعمر العلاقة بيني وبين الملك عبد الله تعود الى أكثر من عشر سنوات كان خلالها يأتي الى سورية بشكل منتظم... العلاقة بيننا عائلية وعلاقة أخوّة. طبعاً هو أكبر في العمر، وهو من جيل الوالد، لكن العلاقة علاقة عائلة بكل معنى الكلمة». قبل هذا التصريح بثماني سنوات، وفي العام ١٩٩٩ تحديداً، حلّ بشّار الأسد ضيفاً على السعودية، فأقام له الأمير عبد العزيز بن فهد استقبالاً خاصاً على شاطئ البحر في حديقة قصر السلام. لم يمضِ عام على هذه الزيارة حتى صار «الدكتور بشّار» رئيساً لسورية بعد وفاة والده. والسنوات الخمس اللاحقة كانت عاصفة في فلسطين ولبنان والعراق، زادها تعقيداً الحضور الأميركي العسكري في المنطقة، وعلى تخوم سورية بالذات. على وقع هذه التغيّرات انفرط العقد السوري ـ المصري ـ السعودي الذي كان يلعب الدور الأهم في الديناميكية السياسية العربية، ولم يعد ممكناً تجاوز الخلافات الناشئة عن سياسة الاستقطاب في المنطقة. والعزم الذي أعلن عنه الرئيس السوري الشاب في العام ٢٠٠٧ بمناسبة انعقاد قمّة الرياض، على التنسيق مع السعودية في كل ما يتصل بالقضايا الإقليمية الساخنة، فقد بسرعة مرتكزاته الأساسية في غمرة التطوّرات الأخيرة، والواقعية تقتضي الاعتراف بأن دمشق اليوم في واد والرياض في واد آخر. وانهيار المثلّث السوري ـ المصري ـ السعودي على رأس لبنان (فضلاً عن فلسطين والعراق) بدأت مفاعيله تظهر في الساحات الثلاث، ارتباكاً في السلوك الفلسطيني، وشللاً في بيروت، ومراوحة في العنف على مستوى العراق، في غياب الدفع العربي المطلوب للمصالحات الوطنية المشاهد السياسي
Khaberni Banner
Khaberni Banner