الرئيسية/عيون و آذان
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

في ذكرى التعريب... نتغرّب!

في ذكرى التعريب... نتغرّب!

لا أظن أن في تاريخنا المعاصر مفارقة أكثر غرابة من اجتماع لجنة الزراعة النيابية مع الفريق الاقتصادي الحكومي يوم أمس، ففي الوقت الذي احتفلت فيه الحكومة بذكرى تعريب الجيش مطلع الأسبوع، وفي الوقت الذي أبرق فيه رئيس الحكومة لجلالة الملك مهنئا بعيد تعريب الجيش العربي وترسيخ قواعد الاستقلال، يطل الفريق الاقتصادي الحكومي على النواب لتبرير عدم المرونة في الغاء الضريبة على مدخلات العملية الزراعية بأن الأردن بانتظار قرار صندوق النقد الدولي بهذا الخصوص!

قبل أكثر من نصف قرن من الزمان، قام أجدادنا بخطوة شجاعة جريئة ، قاموا بتعريب الجيش في "ليلة ما فيها ضوء قمر" كما يقول المثل، وإذ كان قرار التعريب قرارا منفردا من الحسين رحمه الله، إلا أنه اتخذه بناء على ثقته بالأردنيين وقدرتهم على الصمود في وجه ضغوط بريطانيا التي ستحتج على القرار، وقدرتهم على اجتراح البدائل في القيادة العسكرية حتى لو أصبح الضابط العادي قائدا للجيش بين يوم وليلة! لو لم يفعلها الحسين في تلك الليلة مدفوعا بحماس الضباط الأحرار – صفة و تنظيما – لكان الجيش حتى يومنا هذا تحت القيادة الأجنبية!

أعلم ان الموقف اليوم مختلف، وأن صندوق النقد لا يمارس الوصاية على الاردن، لكن تخويف الناس فيه هو عجز حكومي عن اجتراح البدائل وتوفيرها ، وضعف في ترتيب الأولويات، فدعم المزارع قد يسهم كثيرا في زيادة الصادرات الاردنية التي يقع القطاع الزراعي في المرتبة الرابعة فيه بعد الألبسة و الأدوية و البوتاس !

لا أستطيع فعلاً أن أفهم هذه الحكومة ، فهي حكومة المتناقضات بلا منازع! تقوم بتشجيع الاستثمار من كل أنحاء العالم، ولا تقوم بتشجيع المزارع الصغير الذي أنهكته القروض وتقلب المواسم لتأتي أخيرا بضرائب تقصم ظهر استثماراته. هي حكومة المتناقضات أيضا حين تقوم بوضع برامج خمسية لمعالجة البطالة وتتخذ قرار بتقليل العمالة الوافدة، ثم تفتح التصاريح للعمالة الوافدة في القطاع الزراعي، هي حكومة "مكانك سر" راجين الله أن لا تتحول مع الأيام الى حكومة " الى الخلف در" !

هي حكومة تحتفل بالتعريب من خلال التغريب! فلا يعقل أن تتربع الادارة الاجنبية على رأس إحدى أهم شؤكاتنا الوطنية التي لها أهمية استراتيجية كناقل وطني وحيد للمملكة ، في الوقت الذي يصل فيه عمر الشركة الى أكثر من عمر المدير العام الأجنبي نفسه، ما هي الرسالة التي تريد الحكومة إيصالها عبر تعيينه .... هل فعلاً فشلت كل الكفاءات الاردنية في ادارة الدفة ؟ هل هذه الشركة عاقر عن توفير الكفاءات الوطنية في الوقت الذي وصل فيه خريجوا هذه الشركة الى أعلى مناصب شركات الطيران في الخليج و تسلم عدد منهم مناصب قيادية وحيوية في الاتحاد الدولي للنقل الجوي !

مشكلتنا أن تفكيرنا أصبح "مغرّب" ولم نفهم من ذكرى التعريب أن "نعرّب"! والأدهى أننا نعامل الأجنبي بالمثل القائل " الفرنجي برنجي" ، ولا نقوم بتقييمه أو تقييم خططه بكفاءة، والمشكلة الأدهى عندنا أن المدير الأردني هو متهم حتى تثبت براءته والأجنبي بريء حتى يغادر المملكة معززا مكرما، والا كيف نفسر تجاوز كافة اللوائح واحالة العطاءات بالتلزيم في شركة مساهمة عامة يديرها أجنبي معين من الحكومة ودون استدراج عروض ليتم احالتها على الأجانب الخرين من كانوا يعملون معه في دول العالم المختلفة ، فيما لو فعلها المدير " البلدي" لقامت الدنيا ولم تقعد عليه ....

في ذكرى التعريب نحتاج فعلا لمراجعة الفكر الحكومي وتعريبه، نحتاج فعلاً لتعريب قرارات الحكومة ، و تعريب برامج الاصلاح الاقنصادي التي تستوردها الحكومة مبسترة، علينا أن نفكر بالاستقلالية أعمق ، وأن نتفكر بالاعتماد على الذات أكثر!  علينا فعلاً أن نتدبر أثر التعريب وكيف حمى هذا الوطن خلال مفاصل صعبة خلال الخمسين عاما الماضية، وأن نعقل أهمية تعزيز الهوية الوطنية!!

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner