الرئيسية/قضايــا
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

فرّق تسد

فرّق تسد

 

موجة الاحتجاجات التي سادت المجتمع العربي في إسرائيل ضد قانون القومية الذي أقرّه الكنيست، والذي يعتبر إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي، ما يجعل جميع أبناء القوميات الأخرى، وفي طليعتهم السكان العرب في إسرائيل، مواطنين من الدرجة الثانية، واجهتها الحكومة الإسرائيلية، من خلال استخدام سياسة التفريق بين أنواع الاحتجاجات والتمييز بين محتجين محقّين وآخرين كل هدفهم، في رأيها، تدمير دولة إسرائيل، ففي وقت حظي فيه احتجاج الطائفة الدرزية باهتمام رسمي، وتعاطف شعبي عام، تجلى من خلال اجتماع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مع كبار شخصيات الطائفة الدرزية، لمناقشة احتجاجهم، والبحث في مطالبهم وفي كيفية معالجة الإجحاف الذي ألحقه بهم القانون الجديد، كما حظيت التظاهرة الشعبية التي نظّمتها الطائفة الدرزية في ميدان رابين في تل أبيب، قبل أسابيع، بتعاطف كبير من أوساط يهودية واسعة وأحزاب كبيرة، من بينها حزب المعسكر الصهيوني المعارض، شنّت الحكومة الإسرائيلية حملة عنيفة ضد الاحتجاج الذي قادته لجنة المتابعة العربية، الممثلة للجمهور العربي في إسرائيل، واعتبرت التحرّك الاحتجاجي إنكاراً لحق الدولة اليهودية في الوجود، وتخلياً عن الولاء للمواطنية، باختصار عمل خيانة وعداء.

لم تثر ثائرة اليمين القومي الجديد في إسرائيل لدى رؤية العلم الدرزي مرفوعاً في تظاهرة ميدان رابين، لكن رفع الأعلام الفلسطينية في التظاهرة التي دعت إليها لجنة المتابعة العربية، في الأسبوع الذي أعقب التظاهرة الدرزية، اعتبره نتنياهو أكبر دليل على ضرورة قانون القومية، و"جناية" تستحق العقاب.

لماذا تتساهل الحكومة الإسرائيلية إزاء احتجاج العرب الدروز في إسرائيل، وتعدهم بالبحث في إمكانية تضمين القانون المشؤوم بنداً يحافظ على المكانة الخاصة لهم، وتحاول احتواء غضبهم واستمالتهم بتقديم تقديمات اقتصادية واجتماعية لأبناء الطائفة؛ بينما ترفض رفضاَ مطلقاً مناقشة احتجاج عموم الجمهور العربي الفلسطيني؟

الإجابة على هذا السؤال في المبادئ التي وضعها مؤسّسو الكيان الصهيوني، في التعامل مع الأقليات في فلسطين، وتمييزهم بين أبناء الأقليات، بطريقة تجعل كل طائفةٍ تعيش ضمن حدود وحقوق خاصة، تفصلهم عن سائر فئات المجتمع العربي. إنها السياسة التي ميّزت بين الدروز والبدو والشركس وبين سائر العرب من المسيحيين والمسلمين. وجعلت لكل طائفةٍ مكانة اجتماعية خاصة بها، فسمحت للدروز والبدو بالتجنّد في صفوف الجيش الإسرائيلي، ما أعطاهم بالتالي حقوقاً إضافية، ومنحهم مكانة خاصة مختلفة عن مكانة الفلسطينيين الذين لا يحقّ لهم الخدمة في الجيش الإسرائيلي، وشكلوا بالتالي فئة خاصة من مواطنين مشكوك دائماً بأمرهم ويعتبرون "طابوراً خامساً" في نظر يهودٍ كثيرين بصورة عامة، خصوصاً في نظر اليمين المتشدّد الذي مارس، منذ مجيء نتنياهو إلى الحكم، ضدهم سياسة التحريض والتمييز والإقصاء.

"إذا كان الاحتجاج على قانون القومية كشف سياسة "فرّق تسد" الإسرائيلية، فإنه كشف أيضاً المواطن القديمة والدفينة للضعف والانقسام في المجتمع العربي"

 

وإذا كان الاحتجاج على قانون القومية كشف سياسة "فرّق تسد" الإسرائيلية، فإنه كشف أيضاً، مع الأسف الشديد، المواطن القديمة والدفينة للضعف والانقسام في المجتمع العربي. ويمكن اعتبار استقلال الطائفة الدرزية، باحتجاجها على قانون القومية، عن حملة الاحتجاج العربي الذي قادته لجنه المتابعة العربية، التعبير الأوضح عن الانقسام العمودي الذي يشقّ المجتمع العربي في إسرائيل.

قد يعود هذا الانقسام إلى الاختلاف الجوهري للاحتجاج الدرزي عن الاحتجاج العربي، ففي رأي أمل جمّال في مقال نشره في صحيفة هآرتس: "قانون القومية اقتلع الحلم بالدولة الديمقراطية المستقبلية، حيث تسود المساواة الكاملة بين جميع المواطنين. هذا الحلم الذي رأى فيه شباب دروز كثيرون دافعاً وسبباً لاستعدادهم للتضحية بأنفسهم من أجل الدولة". القانون الجديد جعل الدروز يدركون أن السنوات الطويلة للولاء للدولة من غير اليهود ليس ضمانةً للمساواة في الحقوق، ما أدّى إلى اهتزاز ثقة الطائفة الدرزية بعلاقتها بالدولة، وأيقظ مخاوفها من تهميش الطائفة، وإضعاف مكانتها داخل التركيبة الاجتماعية الإسرائيلية مستقبلاً. وقد دفع ذلك ضباطا دروزا عديدين في الجيش إلى الإعلان عن نيتهم الاستقالة من الخدمة العسكرية.

بينما ارتدى الاحتجاج العربي ضد القانون صفة الاحتجاج الوطني القومي الشامل، وهو يعتبر هذا القانون تتمّة لمجموعة من القوانين التمييزية ضد العرب، صدرت خلال السنوات الأخيرة الماضية، مثل القانون الذي يحظر رفع الأذان عبر مكبرات الصوت في أوقات معينة، و"قانون النكبة" الذي يعاقب على استخدام مصطلح النكبة في الحديث عن حرب 1948، وقانون لجان القبول الذي يمنع فلسطينيي الـ48 من السكن في بلدات يهودية. بالإضافة إلى خطوات تشريعية أخرى، مثل رفع نسبة الحسم في الترشّح لانتخابات الكنيست التي استهدفت إضعاف التمثيل العربي، والحق في التصويت على إقالة عضو من الكنيست جرّاء مواقف مؤيدة للمقاومة الفلسطينية، بالإضافة إلى عمليات التفتيش المهينة، والتحقيق مع فلسطيني الـ48 في مطار بن غوريون وغيرها.

ظهرت الاختلافات وسط المجتمع العربي في إسرائيل بقوة أيضاً في ردود الفعل على القانون، بين التي طالبت أعضاء القائمة المشتركة بالاستقالة من الكنيست والتي تعتبر التمثيل السياسي للعرب في الكنيست نقطة قوة، وليس نقطة ضعف يجب عدم التنازل عنها. وبالطبع، لم يفت إسرائيل هذا الاختلاف في المواقف الذي عملت على مفاقمته، من خلال بث رسائل تهدئة في اتجاه الجمهور الدرزي، ورسائل تهديد وإنذار في اتجاه سائر فئات الجمهور العربي.

ثمّة من يقول إنه كان على القيادة السياسية العربية التحرّك قبل صدور قانون القومية لإحباطه، وكان عليها العمل من أجل إيجاد قناة ضغط مشتركة، تشمل جميع فئات المجتمع العربي المتضرّرة من هذا القانون. أما الآن، فقد تأخر الوقت، وربما لم يبق أمام هذه القيادة السياسية سوى تبنّي سياسة براغماتية، لتحصين حقوق الأقلية العربية، لكن السؤال الكبير كيف يمكن تحقيق ذلك، في ظل سياسة حكومة يمينية متشدّدة، غرضها ترسيخ مفهوم الدولة اليهودية، وطمس حقوق العرب وتهميشهم؟

 

Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner