"عودك رنان، رنة عودك إلي
عيدا كمان، ضلك عيد يا علي"
عندما
اعتلت فيروز خشبة المسرح وغنت هذه الكلمات، لم يكن يخطر على بالها أنها
تؤرخ لمرحلة وتروي أحداث حقبة زمنية بكل جد. كانت كلماتها والحروف التي
تصدح بها حنجرتها كألحان عصافير تتباهى على أرزة شامخة في جبال لبنان،
وصوتها أنشودة حب يجوب في أنحاء الوطن العربي، فغدا سيمفونية عشاق ومشاعر
ناس ونضالات بشر. فالحروف التي تمتمت بها شفاهها باتت إكسير حياة، وإكليل
زهور على قبور المتفانين في الحب، وعبق عطر فرنسي فواح يخترق المدى.
فتاريخ
هذه الأغنية يعود إلى ثمانينات القرن الماضي، وتم إزاحة اللثام عنها في
خضم أحداث الحرب الأهلية اللبنانية. فقد كان الدم اللبناني يراق، والنفس
اللبنانية تزهق، والجاني هو أخوه، والضحية تشاطره خيرات لبنان. حين إصدار
هذه الأغنية تحديداً، ارتفعت الأصوات الناقدة، وتكاثرت الاتهامات لفيروز
–والتي هي مسيحية المعتنق- بالغناء للإمام علي رضي الله عنه. فالطائفية
حينها بعنوانها الكبير هي بين الديانات المختلفة، حيث أن الأصوات المتهمة
لفيروز كان وترها الذي يعزف في ذلك الوقت هو "مسيحي-مسلم". هذه الحقيقة
تكشف واقعاً أليماً نعاصره، ونعيش أحداثه. فبعد ثلاثين سنة من طرح "عودك
رنان"، زادت الطائفية استفحالاً، واستشرت كالطاعون في كل حارة عربية. نحن
لم نتقدم، بل تراجعنا أشواطاً كاملة إلى الوراء، ومضينا بالسرعة القصوى إلى
الخلف متجاهلين كل العلامات الإرشادية والتحذيرية. فخلافاتنا أضحت بين
أصحاب المعتنق الواحد، وتجاوزناها في نبش أسباب جديدة للصراع، ومسميات
التفريعات الجديدة حدث ولا حرج؛ منها ما نعرفه، ومعظمها الآخر نجهله.
فالطائفية أصبح على حين غرة لها عود رنان يطرب حال سماعه الأنام. لا نشاز،
ولا ضوضاء، ولا صياح. فقط طرب أصيل تتمايل الأجسام على ألحانه، وتتساقط
قطرات دمهم على وقعه، ويطرق مسامعهم حلو الكلام كما يخيل لهم وهو أقبحه.
عود
الطائفية الرنان يقودني إلى تذكر الرقصة التي أتى بها جلال الدين الرومي
ورفيقه شمس الدين التبريزي، كما أوردتها "أليف شافاق" في رائعتها "قواعد
العشق الأربعون". مجرد فكرة فراق الرومي للتبريزي بعد صحبتهم القصيرة،
أشعلت نار الإلهام في داخله، واحترق القلب بسبب وهم البعد عن الخل الوفي؛
حتى أتت النيران على ما بقي. فتذكر وقتها أن الأساس هو حب الله، بل الفناء
في حبه ليل نهار. فما كان منه إلا ان التقط غصناً يابساً، ورسم به دائرة
كبيرة حول شجرة بلوط تجاوره، وأخذ في الدوران فيها مردداّ أسماء الله
الحسنى. يدور مع نسق الأرض والكواكب والنجوم والكون، ذائباً في جبروت الإله
الأعلى والأسمى والأبقى. فالتبريزي علم الرومي مهارة النفاد إلى باطن
الأشياء، والمرور عن ظاهرها، فالاكتفاء بالظاهر لا يكشف سوى سطحية الرائي
وضحالة فكره. وهنا أراني مجبراً على المقارنة بين رقصة طائفية منتنة، ورقصة
الرومي، وشتان بين الثرى والثريا!. إحداها تحث على جريان الدم حثاً،
والأخرى تستسقي حب الإله فقط في حركة قد تكون غير مفهومة للبعض.
قبل
أن أختم القول، بقي هناك معلومة واحدة تلخص كل ما يمكن ذكره في هذا
المقام. من هو "علي" الذي غنت له فيروز؟! كما أفاد كاتب هذه الكلمات "زياد
الرحباني" في إحدى مقابلاته، "علي" لم يكن سوى عازف عود في فرقة "فيروز".
سارعنا إلى النقد دون أن نمنح انفسنا دقيقة صمت لنفهم إجابات من وكيف ومتى!
لعل تلك الرغبة الدفينة في حب الاختلاف، والتعطش للدم بات الطعام الذي
نقتات منه، وزاد رحلتنا في هذا الكون. نقاتل سرمديتها، ولا نعلم أنها محض
سراب. كم جميل أن نتفق على الاختلاف! لا هذا فائز ولا ذاك خاسر! ننهي كل
جدل لا محدود بالاتفاق على الاختلاف، وإحياء المتشابهات، والبناء عليها.
وسيبقى نداء فيروز في أغنيتها خالداً: "وترك حساس، حاجة تزن عالوتر". لحظة
جمود هي ما نحتاجه، لإحصاء ما خسرنا وما كسبنا. لحظة توقف من مهرجان الدم!
[email protected]



