الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

(عمّان كربجت)

(عمّان كربجت)

خاص بـ"خبرني"

 كتب د. مراد الكلالدة:

 

كتبنا ويا ما كتبنا عن قضية النقل العام بالمملكة الأردنية الهاشمية، وشاهدنا وزراء نقل ُكثر يدخلون ويغادرون الحكومة بدون القدرة على حل عقدة النقل العام بين المحافظات وفي داخل المدن، فهل تستطيع مقالة مقتضبة حل ما عجز عنه وزراء نقل ورؤساء هيئات مستقلة جلسوا في موقع صنع القرار، بالتأكيد لا، ولكنها قد تكون مساهمة للوصول الى حل، فكيف ذلك.

سنتحدث عن عمّان بشيء من التفصيل، لأنها نموذج للمدن الأردنية الكبرى، ولأنها تستحوذ على ما يقارب نصف عدد سكان المملكة، فهل تستطيع العاصمة أن تتخذ إستراتيجية للنقل العام بمعزل عن محيطها.

للإنصاف... فإن أمانة عمّان الكبرى حاولت وما زالت تعمل على إيجاد حلول لهذه المشكلة التي قاربت ان تصبح كارثة تتوقف فيها الحركة في مناطق عدة بالمدينة، وسنقول بالبلدي.... المدينة (كربجت) كما يتوقف محرك السيارة عندما تتوقف المسننات عن نقل الحركة من جزء لآخر.

ولن نكرر ما أصبح بديهياً لعامة الناس من أن عرض الطرقات وطبيعة إستعمالات الأراضي فيها ستحول دون نجاعة الحلول المرورية، ولكننا ندعو للتفكير بالمستوى الإقليمي، بمعنى أن يكون الحل بالتخفيف من إستقطاب عمّان من خلال تشجيع العمل والسكن بالمحافظات فهل هذا ممكن.

لقد مهد قانون اللامركزية الأرضية لإحياء كافة المحافظات، ويسّر قانون البلديات الجديد تطورها كمراكز نمو تعمل على توطين السكان فيها، لا بل لإستقطاب سكان جدد، فما المانع مثلاً من أن يرتفع عدد سكان مدينة العقبة من 2% حاليا إلى 10% خلال عشر سنوات لتصبح رافعة حقيقة للإقتصاد الوطني والتشغيل.

وللوصول الى هذا الواقع الذي يستند لفكرة اللامركزية التي بدئنا بتطبيقها بالفعل، فلا بد من وجود مخطط هيكلي يبين الشكل الذي نريد ان نصل اليه على المديين المتوسط والطويل، وهذا ليس إختراع أردني، ولكنه وسيلة تخطيطية معروفة سبقتنا اليها المملكة العربية السعودية في العام 2001 بإعتماد إستراتيجية عمرانية وطنية تبين محاور التنمية ومراكز النمو وفقاً لبدائل جرت المفاضلة بينها وتم إقرارها بموجب مرسوم ملكي لضمان ديمومتها لعقود. وتقوم سلطنة عُمان حالياً بإعداد إستراتيجية عمرانية مشابهة.

إن التلكوء في إعداد مثل هذه الإستراتيجية سيفتح المجال لدخول الأفكار الطارئة كإنشاء مدن بديلة أو إعتماد حلول تحمّل النسيج الحضري القائم بالمدن الكبرى ما لا تحتمله من خلال مسارات لباصات التردد السريع وأنفاق وجسور مكلفة لن تفضي لإنسيابية الحركة، لأنها ستنقل الحركة من بقعة حتى تكربج بأخرى.

صحيح بأن الناس قد ملّت من سماع مصطلحات كالخطط الوطنية والرؤية والإستراتيجات القطاعية، ولكن البديل عنها هو ترك الحبل على الغارب، وقد يستغرب القاريء إذا ما قيل بأن لهذه السياسة أتباعها وتعرف بالكلاسيكية الجديدة new-classic strategy وترجمتها الجيوسياسية هي (الفوضى الخلاقة) بينما ندعو نحن الى تطوير مفهوم النظرية الكنزية Keynes’s demand steering mechanism التي لطالما اتبعناها بالأردن في الستينات حتى الثمانينات والتي تدعو الى تدخل الدولة لتمهيد الأرضية للتنمية التي يتشارك فيها القطاعين العام والخاص.

ما نحتاجه هو توجيه من لدن جلالة الملك للحكومة للبدء بإعداد (إستراتيجية عمرانية أردنية) توضح مناطق التجمعات السكانية والصناعية ومناطق التعدين ومحاور الطرق والنقل والمناطق الأثرية والسياحية والزراعية على كامل جغرافيا المملكة، وبيان مراكز النمو ومحاورها المطلوبة لإحداث التنمية المتوازنة Balanced Development ومن الممكن الإستعانة بالدول المانحة التي تدير برامج دعم مشروع اللامركزية والحكم المحلي لإنجاز هذه الإستراتيجية.

خطوة الدولة تجاه اللامركزية يجب أن تعزز بقراءة حصيفة للواقع الإقليمي على مستوى المحافظة والوضع المحلي على مستوى البلدية في إطار شمولي يضمن تناغم إيقاع تطورها بعضها مع بعض، إلا فسيتم نقل العقد التنموية الموجود حالياً لتسود على المستوى البلديات الكبرى (ومنها عمّان) والصغرى والمجالس المحلية المشتتة بدون رابط حقيقي مع محيطها التنموي.

إن توفير البئية الحضرية المناسبة للعيش والعمل والتنقل هو الأساس للعيش بكرامة، هذه البيئة هي الوعاء المكاني الذي يشجع على العمل والإبداع والإلتزام بالقوانين بدلاً من ترك الناس للعيش على نهج (دّبر رأسك) في إطار الفوضى العمرانية الخلاقة.

هذه الإستراتيجية التي يجب أن يتوافق عليها المخططين هي مسؤولية الحكومات التي لا تحتاج الى موازنات ضخمة لتنفيذها.... وربما تكون طوق النجاة للخروج من الحالة المكبرجة التي وصلنا اليها في العديد من المفاصل الحياتية بالبلد.

 

 

 

Khaberni Banner
Khaberni Banner