الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

عقل ملوّع يا وعدي !

عقل ملوّع يا وعدي !

لعلّ مقولة "مريض قديم أفضل من طبيب جديد" توضح مآل الحال في هذا القرن؛ الحادي والعشرين.

بات الاعتماد في المجتمع العربي (المعاصر) على الخبرة المتوارثة في العلاج بكافة أشكاله -قبل تطور الطب- أكثر رواجاً في العصر الراهن من الطبّ الحديث والأدوية الحديثة، تلك الأخيرة التي كلفت العلماء والجامعات العريقة آلاف مؤلّفة وجهود مكثّفة لاكتشاف أسباب الأمراض وتشخيصاتها وعلاجاتها، ونحن ما زلنا نراوح مكاننا ونعتمد على الطرق القديمة جداً لا بل الخزعبلات أحياناً لعلاج الأوبئة والأمراض جميعها سيّما النفسية !!! هل يوجد مهزلة أكثر من ذلك؟؟ كيف لا ونحن في أشدّ حالات الانحطاط الفكري للعقل العربي، الى أن وصل الدرك الأسفل من الجهل والخرافة، وأمسى مسلسل التخلف هو الأبرز في الفضاء العربي الواقعي والافتراضي، فهما سيان.

تتجاوز (المعتقدات الشعبية) في أصول ومسببات المرض التأويلات العلمية بمسافات، ويتبنّى   بعض الناس إن لم يكن أغلبهم الاثنين معاً دون حرج، وينعكس هذا التبنّي   في سلوكهم الاستشاري وعلى طلبهم للعلاج من الفئتين معاً؛ الطبيب والمشعوذ !!!

وبالرغم مما يحيط الطب الشعبي من الخرافة والجهل والتعصّب والتلاعب بأذهان الناس وأموالهم، إلاّ  أنه يحوي على جسم من المعطيات السيكولوجية الأولية المتوفرة بين يدي (الشخص العادي) غير المختصّ، وتشكل أساطيره قاعدة تسمح للمريض لأن يبادر ويتصرف إزاء مشاكله الجسدية والنفسية وفقها.

ممارسات العلاج التقليدية ترسخّت في الخيال الجمعي للناس، وغدا مجال التعبير عن المعتقدات والقيم السائدة أي (المعرفة الاجتماعية) سوقاً رائجاً في مجالي الصحة والمرض، الأمر الذي دفع البعض في عصر الحداثة اعتبار اللجوء للطب الحديث دون جدوى، لأنهم يعتقدون أن ما يفعله الأطباء هو ذاته ما يفعله رواد الطب الشعبي في علاج الأمراض العضوية والنفسية.

ويعود السبب في ذلك -من وجهة نظر تلك الفئة التي لا تخلو من الجهل- أن كائنات خفيّة لا تخرج عن إطار (الجنّ والعين والسحر والحجابات) هي السبب في جميع العلل والأمراض حسب تشخيص خبراء الطب الشعبي المحترمين. ونلاحظ هنا أن المنافسة بين الطب (الحديث) والطب الشعبي (القديم) ما زالت قائمة في الواقع الاجتماعي الى الآن، وانتقل حالياً الى العالم الافتراضي أيضاً، ليحيي الأمل لمن فقده في الشفاء ولمن بلغ الطفر من فرط الغلاء. ويا للعار !!

لا بدّ أن نشير هنا في هذا المقام على سبيل المثال لا الحصر  إلى أن استبدال مسببات التعب النفسي بالشعور بالحسد وتلبّس الجنّ وسوء الحظ أقلّ ضرراً وأخفّ وقعاً على البعض، فإن استخدام تلك المصطلحات بدلاً من (المرض النفسي) أفضل من وجهة نظرهم، وهي بالطبع تصبّ في مصلحة المشعوذ المشخصاتي في كل الأحوال.

صحيح أن المعتقدات الشعبية لا تميّز بين النساء والرجال، لكن الغلبة المطلقة من هذا الجمهور هو من النساء (الممسوسات والمحسودات والمعمول لهنّ عمل ) للأسف الشديد.

أبرز الأمثلة (الطازة) على إلغاء العقل (الملوّع) وتغييبه تماماً، هو الفيديو الذي تم تداوله في الأيام القليلة الماضية على وسائل التواصل الإجتماعي، في ذلك الفيديو المضحك المبكي حاول فيه أحد المشعوذين أن يقنعنا باختراعه العبقري في علاج مرض الكبد الوبائي، وذلك عند وضع ( ٧ ) طيور من "الحمام الزاجل"  بالتتابع على (سُرَّة مريض) مُصاب، والمشعوذ يظهر وهو يمسك بالحمامة من صدرها، على اعتبار أن هذه الحمائم تقوم بامتصاص (فيروس C ) من كبد المريض  عبر مؤخرتها من سُرّته !!

يطلب ذلك المشعوذ من المريض والمشاهدين أن يراقبوا كيف تبدأ الحمامة بالتلوّي وهي تمتصّ الفيروس وإطلاق الأصوات قبل أن يسقط رأسها إيذاناً بموتها.

وهكذا دواليك، واحدة تتبع الأخرى حتى نفوق السابعة -أهم شي طبعاً لازم يكونوا سبعة إذا أقلّ ما بيزبط العلاج- ثم يلقي بها في صينية على طاولة بجانبه، ربما لشويها فيما بعد وأكلها، فمن الممكن حسب خبرته الفتّاكة أن فيروس الكبد الوبائي يموت بالحرق !!!

ما هذه المسخرة بالله عليكم ؟؟ أيُعقل أننا وصلنا لهذا الحدّ من التخلف؟؟ وعند متابعتي للتعليقات ذُهلت بحجم الناس المهتمين بهذا السحر، والأسوأ من ذلك نصائح المجربين لتلك الخرافة للآخرين بنجاحها معهم وتشجيعهم على ممارستها !!!

عاقل يسمع ومجنون يحكي يا جماعة، فإن كانت تلك الوسيلة ناجعة نطالب وزارة الصحة الإسراع في علاج الحالات المصابة فوراً بالحمام الزاجل خصوصاً تلك الميؤوس من شفائها، وأهم شي نرجوها بإقامة حفل شواء الحمام على شرف هذا الاكتشاف الطبي (الخارق) وتسجيل براءة الاختراع باسم (الخانق)؛؛ خانق الحمام الزاجل!! لو دققتوا النظر على ( يد ) ذلك المشعوذ العبقري الممسكة بالطائر، والتي تضغط على صدره وتمنعه من التنفس فتقتله؛ فالحمام يموت خنقاً يا عالم وليس من امتصاص مؤخرته للفيروس !!! ذلك المشعوذ المجرم ومثله كثيرون يبيعون الوهم للمساكين الغرقى الذين يتعلقون بقشة الشفاء من الأمراض المزمنة، وهنا تصحّ عليهم مقولة "رزق الهبل على المجانين".

بؤس الحال والمآل، والإفلاس الفكري والأخلاقي الذي وصل إليه العربي، والعبث بالعقل العربي الذي بلغ مداه المؤسف، يمكننا إدراكه بجلاء عند متابعة وسائل التواصل الإجتماعي.

هناك في العالم الافتراضي على وجه الخصوص، يمكننا تمييز حالة الإخفاق القبيح للمنطق والحضيض المرعب للثقافة الذي آلت إليه حال البلاد وأحوال العباد !! ويا مغيث .. هذا هو الإجرام بعينه؛ فخارطة الإجرام هي (هندسة عقلية) يقرؤها صاحبها في غير ما يقرؤها غيره..

اعتقد أن مرض المجتمع الحقيقي هو إيمانه المطلق بامتلاك  الحقيقة واحتكار المعرفة دون إخضاعها للعقل والمنطق ..

وعقلهم ملوّع يا وعدي، ما بدهم طبيب يداويهم، دوا الطبيب ما نفعهم، شوفة المشعوذ بتشفيهم، ويا عيني...  والباقي عندكم...

أقول لأولئك في الختام : احترم الطبّ قبل أن تحتاجه...

أكاد أجزم ولست اعتقد أن هذا الحديث لا بدّ أن يكون له من بقية... دمتم...

#دة_عصمت_حوسو

#مركز_الجندر

#استشارات_نسوية_اجتماعية  

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner