الرئيسية/قضايــا
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

عقل القبيلة والدولة

عقل القبيلة والدولة

أكثر من مرة أشار جلالة الملك إلى أن الحديث عن إفساد إقالة المسؤول المُقصر، أو عدم نيل البعض حقهم المتوقع أحياناً يجعلهم يلجأون للقبيلة، وتبدأ مقولات الحقوق الجهوية بالصعود، ويبدأ الغضب وتتحول القبلية من حاضنة اجتماعية محترمة ولها التقدير منها  جميعا، إلى عنصر استقواء على الدولة أو رفض لسياسات معينة. في الموجهات اليومية للفساد والتعيينات والترقيات، هناك استخدام للقبيلة، وتوظيف عقليتها في المناددة والمحاججة والغضب أحياناً، لكن هذا نهج غريب وجدي وليس من إنتاج القبيلة. لا بدّ اليوم ليس من انتقال سريع، بل عودة لفهم الأردنيين القديم للدولة وهو فهم جعل كل القبائل تسهم في بناء مؤسسات الدولة دون حسبان أو ترقب، حين كان المعلم يخدم في كل مدن المملكة دون شكوى أو رفض، وحين كان القاضي الشرعي في الكرك من السلط أو اربد، ومدير مدرسة المفرق من اربد او الحصن، وحين كان يعقوب زيادين ينجح في البرلمان عن القدس وهو من الكرك. ذلك الزمان، أبدى فيه أهل الأردن بمختلف مشاربهم، رحابة لمعنى الدولة الوطنية، ولم تكن الجهوية والقبلية حاضرة، وهو زمن إرساء الدعائم والمربين الأوائل، أمثال: حسن برقاوي وصياح الروسان وحسني فريز وداود المجالي وسالم المعاني، وشوكت تفاحة وحكمت الساكت، هؤلاء كانوا قادة، فعلموا طلابهم أن الوطن للجميع، وهؤلاء درسوا في زمن صعب وعادوا للخدمة بوطنية عالية. دون سؤال عن مكان التعيين قرب القبيلة أو ضمن حدود العائلة.  لكن سياسات بعض الحكومات المتعاقبة هي التي كرّست القبليّة، فجعلت لها حضوراً في تشكيل الحكومات وفي السفارات وفي تعيين مجالس الأمناء لمختلف المؤسسات الوطنية. تقدمت الدولة كثيراً، وتقدمت القبيلة أيضاً فعلّمت أبناءها خير تعليم، وأرسلتهم لأفضل الجامعات، لكن حين عاد هؤلاء وجدوا أن الدولة والحكومات عقليّاتها هي التي أصبحت قبلية وتأخرت، وكان لغياب الأحزاب أثر كبير في التراجع، فغياب الأحزاب الفاعلة التي تشارك بنخبها في إدارة الدولة، تجعل الدولة تفكر بصيغها التقليدية والعودة للوراء والتلحّف بالقبيلة. الدولة في الراهن اليوم تحاول الانتقال لسِمَة مدنية جديدة، هذه السمة لا يمكن خلقها، وهي (أي الدولة) في خطابها وقراراتها وتعييناتها أحيانا تراعي القبيلة والجهوية، فالقبيلة والجهوية تريد عدالة الفرص، والتنمية والخروج من الفقر والبطالة أكثر من كل المناصب، القبائل لا ترفض التحديث كما يزعم، بل تريد مدارس حصينة ومنيعة عن التخلف، وتريد مناهج تحاكي العقل وتريد معلمين قادة، وتأمل بمكافحة حقيقة للمخدرات التي باتت تقتل شبابها.  القبائل يا سادة هي أكثر من يستجيب للمشاركة في التصويت للبرلمان وهذا مثبت، فهم ليسوا ضد الدمقرطة، وحين ينجح النواب، فالقبيلة ليس لها علاقة بأداء نائب ما، أو تشابك مصالحة مع المال وأهل الفساد، بالعكس النواب كثر منهم يهتمون ببياض وجههم أمام قبائلهم أيضاً والقبيلة تشرفهم وهم يقرون بذلك، لكن تراخي بعض المؤسسات وتسرب الرشوة هو ما جعل بعض مدعي الاستثمار يتكئون على بعض المتنفذين، من موظف أو وجيه لتمرير صفقة أو الحصول على موافقة لبيع أو استيراد سلعة، أو حتى تعديل صفة استخدام أرض، فرتع الفاسد ورميت القبيلة بتهمة حمايته، وهي بريئة من كل ذلك، لكنها قد تستغل أحياناً بالعواطف بفعل خطاب الغاضبين على الدولة حين يقالون أو لا يحصلون على ما يريدون، فتنصب الخيام وتعقد التجمعات بحجة الظلم، ولاحقاً سيغيب المُقال أو الغاضب وسيسافر إلى شرم الشيخ وتترك القبيلة تنتظر إنصافه.

Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner