Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

عَقْلَكْ .. في  .. كَفّكْ

عَقْلَكْ .. في  .. كَفّكْ

عندما تستعصي الأمور على الفهم والإدراك ، ويختلط الحابل بالنابل وتضيع أسس ومقومات التقييم ،  وتتنافى مع منطق الأشياء ، ويستعصي عليك ادراك كُنه الأحداث ، وتتشكك بقدرتك على  الفهم ، وعلى الربط والتحليل ، تشعر وكأن عقلك في كفك ، ينظر إليك باستهجان ، ثم يغير عقلك رأيه وينقلب على نفسه ويدرك انه ( أي العقل ) هو من تسبب في إرباكك ، لفقده القدرة على الثبات في المكان وخروجه الى الكف ، مما أفقده الإتزان . هنا ينطبق عليك القول المأثور ( عقلك في كفك ) .

هنا يمكن القول بان اللامنطق ، واللامعقول ، واللامفهوم  يسيطران ويتسيدان المشهد الوطني ، والقومي ، والدولي . حيث التضارب والتناقض في المواقف والقرارات هو الظاهر للعلن ، أما ما يتم في الخفاء ، وفي الغرف المغلقة ، ومن خلف الستار ، وحتى من تحت الطاولة ، يفقدك عقلك ، ومن الذهول تشعر ، لا بل تكاد تتأكد بان عقلك في كفك فعلاً ، وقد تغير مكانه ، ودوره ، وفعله . مع ان الغاية من إمتلاك الإنسان للعقل ، باعتباره جهاز التفكير ، والتدبير ، والانطلاق دون انفلات ، ليحكمه المنطق ، ويسير ضمن المعقول .

الا ترون معي ان التناقضات في التحالفات ، لو لم نعشها واقعاً يومياً ملموساً لوصمّْنا من يتحدث بها بالجنون . وخطر ببالي حجم العبء على من يؤرخون للحقبة التاريخية الحالية منذ عقد من الزمان ، كيف لهم ان يتمكنوا من حصر ، التناقضات ، والسيطرة على سرد هذه الأحداث ، مع الإبقاء على التوازن ، والمنطق وأمانة التأريخ  . كيف للإنسان ان يفهم هذه الأحداث المتضاربة والمتقاربة في آن معاً ، حيث ان المتابع لا يعرف من ضد من ، ومن مع من !!؟؟

وللتدليل لابد من إيراد بعض الأمثلة : الأردن ونفورها ، وحذرها ، وتشككها من حماس ، ( دون الإلتفات الى الدعم الطبي لقطاع غزة)  ، حيث يحكم العلاقة المثل القائل ( يسعدك ويبعدك ) ، ومع ذلك تتقارب مع قطر الداعم الرئيسي لحماس ، وفي نفس الوقت تتنافر مع ايران التي تدعم حماس أيضاً !؟كما نرى مصر ، تحارب الإخوان المسلمين ، وحماس تدعمهم وتمدهم للقيام بعمليات ارهابية في سيناء ، وتتعاون مصر مع العدو الاسرائيلي لتدمير الأنفاق التي تعتبر رئة حماس ، وتضيق على حماس باغلاق المعابر ، وبنفس الوقت تتوسط مصر بين حماس والعدو لإيقاف القتال ، وتضمن مصر حماس للالتزام بالهدنة !؟

تركيا الحليف الأمريكي وعضو حلف الناتو ، والتي على ارضها اكبر قاعدة أمريكية ( إنجرليك) ، والمصدر الرئيس لشراء السلاح  تتعاون وتشتري أسلحة  من روسيا ، وتنسق تركيا في الشأن السوري مع روسيا عدو امريكا الأول ، ومن تحت الطاولة وبالخفاء تنسق امريكا مع روسيا . وقطر فيها قاعدة العيديد الامريكية ، وقوات تركية  رغم العدائية التي استجدت بينهما ، وتتحالف مع ايران عدو امريكا ولو ظاهرياً !؟

أما في  الأردن فالكثير من الأمور تستعصي على الفهم ، تجد من يؤيد لا بل وينتمي لتركيا ، كيف يمكن تفسير إنتماء من إستُعمر الى من إستَعمر وقضم جزءاً عزيزاً من وطنك العربي!؟ وهناك من يؤيد لا بل وينتمي نهجاً الى ايران ، التي شواهد عدائها وطمعها واضحة ، بيّنة ، وقضمت اجزاءاً من وطنك العربي !؟ ربما تتوافق الرؤى من العدو احياناً في بعض المواقف ، لكن هذا لا يعني إنتفاء العداوة كما لا يعني إستمراء وتمني التبعية .

السودان تدعم السعودية في حربها في اليمن ، وتتعارض مع السعودية في احتضان الإخوان المسلمين وتتقارب مع تركيا التي تختلف مع السعودية . حزب الله يتحالف مع الجنرال عون  ويقاتل في سوريا التي كان مطلوب لها عون وهددت حياته ، لدرجة انه أُجبر على الاغتراب عن وطنه في فرنسا لأكثر من  عشر سنوات ، مُختفياً ، ومتخفياً حتى لا تطاله سوريا . القيادات العراقية الحالية ربيبة ايران وتتحالف مع امريكا عدوة ايران ولو ظاهرياً .

على الصعيد الوطني : فعلاً تشعر في أحايين كثيرة ان عقلك في كفك من الذهول وهول المفاجآت : كيف يمكن ان نفهم ونربط بين اتخاذ مواقف حازمة ظاهرياً ضد العدو الصهيوني ومحاولات فضح أطماعه في اراضينا  ، وعَلمه يرفرف بين ظهرانينا ، ونستورد منه غازاً مسروقاً لإنارة شوارعنا ، لا بل والأدهى ان نبيع اجزاءاً من ارض الوطن لعصاباته !؟  كيف لحكومة منهكة مالياً ان تتكلف وتدفع (٤٥٠ ) مليون دينار سنوياً لشركات انتاج كهرباء كخسائر بسبب القيم التعاقدية !؟ كيف لحكومة تتحايل على مواطنيها بمضاعفة اكثر من نصف قيم فواتير الكهرباء وتدعي انها لا تعلم وأنها ستتحقق !؟

 

كيف لحكومة ان تتخذ إجراءات ضريبية تعسفية وتُصر عليها ، متوهمة انها ستعوض عجز الموازنة ، ويحاول الخبراء وذوي الاختصاص ثنيها عن ارتكاب هذا الجُرم الاقتصادي ، ولا تقتنع الا بعد ثمانية شهور وقد تضاعف العجز ، وبعد شهرين تبدأ بالتخلي عن ذلك وتطرح حُزماً  ليست كافية لسد الاختلالات الاقتصادية الناتجة عن سوء ادارتها للدولة !؟ كيف لك ان تفهم إصرار رئيس الوزراء على وضع أسس للتنافس في التعيين بالوظائف العليا لتحقيق العدالة ، وأول من يتجاوز ويتعدى على هذه الأسس ويتعدى على العدالة التي إدعاها ويعين عدداً منهم إسترضاءاً لنواب ومحاسيب !؟ كيف لك ان تستوعب ان رئيس وزراء عند تعيينه ينقل معه اغلب زملاء العمل الى حكومته ، والمتغير الوحيد  الجدران وترويسة ورق المراسلات !؟  كيف لك ان تفهم استمرار نهج تهميش الجنوب ، وعند الالتفات اليه يكون الثمن بيع اجزاءاً منه للعدو !؟

 حدث معي قبل عقدين من الزمن ان سلطة المياة لم تعمل العمق اللازم للمناهل لربط بيتي بشبكة المجاري ، وبعد عشرة أعوام من المراجعات والصراعات ، اعترفت السلطة بخطأها وعملت خطاً موازياً محدوداً لخدمتي أنا وجاري ، كلف السلطة ألوف الدنانير ، وبعد انتهاء العمل ، رفضوا الموافقة على ربط بيتي بالخط الذي أنشأ لخدمتنا ، وبعد صراع مرير وفقنا في الربط على الخط .

ماذا أقول !!؟؟ ما يجعل عقلك في كفك كثير جداً لدرجة يستحيل حصره ، على المستوى الوطني والقومي والعالمي ، لذلك اكتفيت بالإشارة فقط . راجياً ان لا يلومنني أحد بانني أغفلت كذا ، وتناسيت كذاً ، راجياً التماس العذر لي لتدفق الأمثلة مما اربك سردها .

كل ما ذكر أعلاه يدل على اختلالات كبيرة في القيم ، ومنظومة الأخلاق ، كما يدل على ان الخصومات غير شريفة ولا يحكمها مبدأ ،  وان الصداقات غير نظيفة . نعلم ان الدول تحركها مصالحها وليس مبادئها ، لكن ليس بهذا التضارب والتناقض والرداءة . يتبدى لي ان هذه الاختلالات شديدة التناقض مردها الى الولدانية والصبيانية التي أصبحت نهجاُ عالمياً .

Khaberni Banner Khaberni Banner