Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

صفحة جديدة بين عمان وطهران

صفحة جديدة بين عمان وطهران

 يقتضينا الانصاف والصالح الوطني العام، ان نرحب باليد الايرانية التي مدها الاسبوع الماضي الرئيس احمدي نجاد، عبر الرسالة الودية التي حملها رسوله الخاص الى جلالة الملك، لدى زيارته الخاطفة والمفاجئة الى عمان. هذه الرسالة - المبادرة تستحق منا كل التقدير والاحترام والاهتمام، وتستأهل منا ان نرد عليها بمثلها او بافضل منها.. ليس لانها مبادرة ودية وايجابية تعكس رغبة دولة اقليمية كبيرة في توطيد العلاقة معنا فحسب، بل لانها تأتي ايضاً في سياق ظرف اردني حرج يتطلب منا البحث الحثيث عن انصار وحلفاء حميمين، وعن خيارات ورهانات واستراتيجيات جديدة. ورغم ان كبار المسؤولين في بلادنا لا يقرأون الا ما تشتهي انفسهم، وحتى لو قرأوا حروف المعارضة فلن يكترثوا بها..   ورغم ان صناعة القرار عندنا معطوبة، ومشوبة بعيوب مصنعية، ومرتهنة للكثير من الجهات الاجنبية والدول المانحة والجارحة، الا اننا نود التأشير في هذه العجالة - ولو على سبيل الرياضة الذهنية - الى اهمية التقاط هذه المبادرة الايرانية، وضرورة تثميرها والبناء عليها الى اقصى الحدود الممكنة. لقد حضرتنا هذه المبادرة المفاجئة في وقتها المناسب بالضبط، ومن حيث لا ندري ولا نحتسب.. حضرتنا بعد ايام قليلة من افلاس رهاناتنا المتكررة على الرئيس الامريكي الخلاسي الذي وعد واخلف، وعلى محور الاعتدال العربي الذي انفرط عقده ولم يتم دفنه، وعلى مفاوضات محمود عباس الذي لم يتردد في التلويح بحل السلطة الوهمية، وعلى جدوى معاهدة وادي عربة التي خرقها بفظاظة النائب الصهيوني ارييه الداد حين سمح لنفسه وانصاره بعقد مؤتمر علني في تل ابيب لتقرير مصير الاردن، وترسيم هويته ومستقبله !!! وليس من شك ان كل هذه العوامل والمسائل تمس جوهر الامن القومي الاردني، وتؤثر بشدة على صميم المصالح والحسابات والاعتبارات الاردنية حاضراً ومستقبلاً، وتستوجب التحسب لها والتوقف طويلاً امامها، ليس لغرض التوجع والتفجع والبكاء على اطلال الرهانات الفاشلة، بل بغية التشمير عن ساعد الجد والجهد، والبحث عن خيارات بديلة وتصورات مغايرة ومخططات نوعية واستراتيجية مختلفة، اذ ليس من حق احد مهما كان، ان يضع هذا الحمى على شفير الافلاس، او امام الجدار المسدود.   من حق الاردن ان يراجع حساباته، ويعيد النظر في مجمل سياساته، ويتفحص بعين نقدية سابق مشاريعه ومواضيعه وتحالفاته، فالدول الحية والقوية هي التي لا تتردد في النهوض باعمال المراجعة الجريئة لاهدافها والتدقيق الشامل في وسائلها ومناهجها وبرامجها، وفق ما يتأتى من وقائع، ويستجد من تطورات، ويتكشف من خفايا ومفاجآت على غير صعيد داخلي او خارجي.. سياسي او اقتصادي او امني. من حق الاردن - وواجبه ايضاً - ان يوسع فتحه بيكاره، ويضاعف مروحة خياراته، ويرتاد كل جديد ومفيد في سائر المجالات والعلاقات، ويفتح على العديد من الدول والقوى والحركات العربية والاقليمية والدولية المستعدة للتعامل معه بصدق وشرف وعلى قدم المناددة والمساواة.. مهتدياً في كل حركاته وتوجهاته ببوصلة مصالحه الوطنية، وأمنه القومي، وارادته المستقلة. ولكي يظل الاردن >دولة دور< ولا يتحول الى >دولة وظيفية<، يتعين على صناع القرار مباشرة الانفتاح الجدي على سوريا وايران وتركيا وفنزويلا والبرازيل والهند والصين وغيرها، والتعامل بشكل او آخر مع حزب الله وحماس والجهاد والمقاومة العراقية (شأن ما يفعلون مع جماعات الحريري والجميل وجعجع)، دون ان يتحلل الاردن من تحالفاته وصداقاته التقليدية، ولكن دون ان يتيح لها ايضاً استعباده والتحكم في حرية خياره واستقلالية قراره. ليست ايران بعبعاً حتى نخشى مصافحته، ولا رجساً من عمل الشيطان حتى نرفض صداقته، بل هي دولة صديقة، وحتى شقيقة، قد نختلف مع سياساتها الخاطئة في العراق، ولكننا بالقطع نتفق مع مواقفها الباسلة ازاء اسرائيل ومطامعها ومشاريعها التوسعية التي توشك ان تطال هذا الحمى الاردني العزيز.. فايران سند قوي لنا في مواجهة الوطن البديل، وشطب حق العودة، وحل قضية فلسطين خارج حدودها. اذا صح العزم، وخلصت النية، وتوفرت الارادة الوطنية، فلسوف نجد في ايران صديقاً صدوقاً، وحليفاً قوياً وشريفاً، وامامنا مدونة التحالف السوري - الايراني التي اثبتت على مدى ثلث قرن كل الجدوى والثبات والاخلاص.. ومن يدري فربما يعود علينا انفتاحنا على ايران باكثر مما يعود علينا غرامنا المجاني باشقائنا في دول ومشيخات الخليج العربية التي تنفق المليارات السخية على رياضة المونديال، وصفقات الاسلحة الوهمية، ولكنها تبخل علينا ببعض ما يقيم الأود، ويسد عجز الموازنة العامة.   ولعل من المدهش ان تأتينا مبادرة الرئيس نجاد الودية، بعد برهة قصيرة مما نشره موقع ويكيليكس من اقوال ومواقف معادية لايران ومنسوبة الى بعض المسؤولين الاردنيين.. الامر الذي يتعين ان يثير حماسنا للتعاون والتعامل الاخوي مع هذه الدولة المتسامحة، كما يثير اعجابنا بحنكة رئيسها وقدرته على التحمل والصبر والترفع عن المماحكات والثأريات وردود الافعال المتشنجة، على عكس ما نكابده صباح مساء من لدن دولة العدو الصهيوني التي مازالت ترفض، منذ مؤتمر مدريد قبل عشرين عاما، مصافحة الايدي العربية الممتدة لها بفيض من اغصان الزيتون والمبادرات السلمية. قبلها كان احمدي نجاد قد اصم اذنيه، واغمض عينيه عما نشره ذلك الموقع من اقوال تحريضية ضد ايران منسوبة الى عدد من كبار القادة الخليجيين في السعودية وقطر والبحرين ودولة الامارات، وقال في مؤتمر صحفي رداً على سؤال بهذا الخصوص، ان بلاده لا تلقي بالاً الى مثل هذه الروايات المدسوسة، ولا تسمح لها بالتأثير على العلاقة الطيبة والرابطة التاريخية مع دول الخليج العربية. عموماً.. لا تطابق قط في العلاقات بين الدول، بل هناك توافق فقط على نقاط معينة وقواسم مشتركة، ولو دققنا النظر لوجدنا ان ما بيننا وبين ايران الاسلامية من عوامل الوفاق والاتفاق يزيد كثيراً عن عناصر الاختلاف والافتراق، بل يتفوق على ما بيننا وبين عدد من الدول الشقيقة والصديقة التي طالما خذلتنا حين دعوناها، وانكرتنا حين احتجناها.. ومرحباً بمبادرة الرئيس نجاد التي جاءت في الوقت المناسب، واهلاً بفتح صفحة جديدة وجدية مع جمهورية ايران الاسلامية.   بقيت ملاحظة مهمة يحسن ان تأخذ شكل الاضافة الاخيرة لهذا المقال، فقد لاحظنا خلال الايام القليلة الماضية ان عدداً من الكتاب المرموقين في ساحتنا الصحفية قد ثمنوا عالياً مبادرة الرئيس نجاد، ورحبوا في مقالاتهم بتنشيط حركة التواصل والتفاعل مع الجانب الايراني، ومعبرين بذلك عن توجهات الرأي الوطني العام وتطلعاته نحو علاقة متطورة ومتميزة بين عمان وطهران.
Khaberni Banner
Khaberni Banner