الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

صداقة مشبوهة !

صداقة مشبوهة !
دة. عصمت حوسو

خاص بـ"خبرني" كتبت: دة. عصمت حوسو

 

على الرغم من مرحلة الحداثة التي وصلنا اليها (ظاهرياً) في أقل تقدير، الاّ أن مجتمعنا ما زال غير مؤهل لعلاقة محددة المعالم بين الرجل والمرأة في إطار (الصداقة)، فلا يوجد تعريف واضح للعلاقة بين الجنسين ضمن ذلك الإطار للأسف الشديد. غالباً ما يكون هناك هدف أو مصلحة شخصية من تلك الصداقة المزعومة؛ فإما أن يكون هناك حبّ أو إعجاب من أحد الأطراف يتم تغطيتها بمظلة الصداقة للحفاظ على استمرارها أولاً، ولتجنّب تنفير الطرف الآخر وهروبه من أي التزام غير مرغوب ثانياً، على أمل أن يصل الطرف المُعجب الى المُراد يوماً ما والاستحواذ على الآخر. أو أن يكون هناك علاقة مشبوهة (سرّية) نظراً لظروف مانعة إما من أحد الأطراف أو كليهما معاً كالزواج مثلاً، فيكون الغطاء لحماية الطرفين هو (الصداقة ) رغم أنها مشبوهة. وفي الحالتين والأخيرة على وجه الخصوص هي تشويه سافر بغيض للمعنى النقي والراقي للصداقة التي تجرعناها منذ نعومة أظفارنا ونشأنا عليها ضمن قيم جميلة سامية تتمثّل في حفظ الأمانة والوفاء والنُبل والإخلاص والتسامي..

 

الحالة (المثالية) الوحيدة للصداقة بين المرأة والرجل -المعلنة طبعاً- هي التي يترفّع كل منهما عن الانزلاق في فخّ الغرائز والرّغبات، لأنّه -وضمن هذه العلاقة- لا يخاطب الرّجل المرأة كأنثى وإنّما كإنسانة، محترماً كلّ قدراتها العقليّة والعاطفيّة، والعكس صحيح بالطبع. ويتطلّب هذا الأمر نضجاً عقليّاً وروحيّاً بامتياز وثراءً أخلاقياً منقطع النظير، كما يتطلّب محبّة صافية (أخوية) غير مغرضة.. وهذه هي الحالة الحصرية المقبولة اجتماعياً وأخلاقياً للصداقة بين المرأة والرجل الّتي لا تدخل في إطار الحبّ، وهي الحالة الوحيدة أيضاً والوحيدة فقط التي قد تنجح فيها الصداقة بين الجنسين خاصة إن مرّ عليها زمن طويل في هذا المسار لا غير، لأنها تبقى عند حدود العلاقة الرّوحيّة والعقلانيّة الأخوية من قبل (الطرفين)، وتخلو من كلّ ما ينتج عن الحبّ من غيرة وتملّك ورغبة في الآخر...

ولكن ما يحدث حقيقة على أرض الواقع بين الرجل والمرأة في حالة (السريّة) على وجه الخصوص - لأن السرّية لا تفرض ذاتها الا في حالة مخلّة أخلاقياً ومرفوضة اجتماعياً- فما يحدث يبعد كل البعد عن المعنى المقدّس للصداقة السابق ذكره، فتكون العلاقة بين الطرفين عبارة عن مسرحية هزلية خاصة إذا كان أبطالها متزوجين!! فيمثّل كل منهما على الآخر دور الضحية بنصوص درامية يتم حبكها بعناية لتتماشى مع الدور، ويقدم كل منهما نفسه قرباناً للآخر بهيئة البطل أو المنقذ على محراب الراحة والسعادة والسلام للهروب من مؤسسة الزواج الشرعية.

 

لا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ الصّداقة قد تؤدّي إلى الحبّ، لكنّ الحبّ لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يتحوّل إلى صداقة وذلك لأنّ متطلّبات الحبّ مختلفة عن متطلّبات الصّداقة. وهناك خيط رفيع يفصل بين الصّداقة والحبّ، على الصديقين أن يحافظا عليه كي لا يخسرا صداقة في سبيل حبّ بلا أملِ. ونلاحظ أنّ  في علاقة الصداقة (السرية) سواء استمرّت أم انفضحت، قد تتبدّل المشاعر حدّ الزوال بعد إشباع الفراغ المؤقت أو عند البحث عن الذات في الآخر ثم ضياعها وتلاشيها. وقد يجتاح  الحبّ النزوي هنا كعاصفة هوجاء ما تلبث أن تهدأ بعد مرور الوقت، بسبب الاكتشاف لاحقاً (بعد فوات الأوان) أنّ المرور بتلك المشاعر والعواطف  والرغبات  ليست سوى مرحلة عابرة وقعوا فيها في وهم (الحبّ الوسواسي) لا المشاعر الصادقة الأصيلة؛ فما بُني على باطل يبقى باطلاً مدى العمر.

تشعر المرأة بالانبهار عندما يعطيها رجل يحمل ضعف سنين العمر وأضعاف الخبرة  والموهبة أو الشهرة  أو الذكاء الفرصة للقرب منه، فتنبهر بحميمية الأفكار معه وبالراحة فى مساحة أوسع للتفكير داخل عقله الواعي؛؛ خلطة (مولينيكس) لا تحمل معنى الصداقة بل الكثير الكثير من  الانجذاب، والانبهار، والرغبة، وتوهّم الحب، واقتصار الشعور (بالقيمة الذاتية) لأحد الأطراف من خلال الآخر فقط.

 

هناك علاقات كثيرة تجمع بين الرجال والنساء ولكن ليس بينها الصداقة العميقة على الإطلاق، أبشعها على سبيل المثال؛ التقاط (الموبايل)  بعد يوم شاقّ لإعطاء العقل إجازة من التفكير والشعور برغبة فى الثرثرة والضحك أو حتى الحزن من أعمق خلايا القلب مع صوت نسائي، ليس بالضرورة أن تكون (جميلة المظهر) فهو فقط يريد أن يفرّغ همه مع آخر يحمل المشاعر نفسها اتجاه الكون، ويأنّ بالأوجاع نفسها، أو ربما يعاني كل منهما من ذات الداء (الأخلاقي) !! ولكن ما أن يصل لزوجته يقطع الاتصال ويمحيكِ من حياته بمجرد أنه محى رقمك، وإن احتجتيه وهو معها يكون خارج الخدمة الا بسلسلة أكاذيب لامتناهية إن نجحت ولم يفتضح أمركما، وإن اضطر للتواصل معك يكون من ظهر الزوجة وغالباً في (الحمام) لأنه المكان الوحيد الذي قد يشعر به بالخصوصية.. فلماذا إذن تُخفى الصداقة عن الشريك إن كانت بريئة وغير مُغرضة ؟؟؟ لماذا يُعلن عن الصداقات الشريفة وتُخفى غير الشريفة منها؟؟؟ الجواب على تلك الأسئلة المشروعة لأنها علاقة غير مشروعة !!!

يقابل ذلك عند الزوجة الصديقة  زيادة على حاجة الرجل من هذه العلاقة، تحقيق الشعور بالذات والقيمة والأهمية وزيادة الثقة بالنفس نتيجة لطلب الرجل إياها هاتفياً، وفي كثير من الأحيان يكون هناك منافع مادية أو خدماتية. كلاهما لا يتورّع عن التظاهر والمخادعة والتمثيل؛ فهى تحكمه باهتمامها وهو يحكمها بدهائه.. علاقة مرهقة مليئة بالرعب والحذر والخوف (والكذب)، فيقضي ذلك على جميع المُتع إن وُجدت، وتُفقد الشخص احترامه لذاته، وتدخله في اكتئاب مطبق ومرهق ممزوجاً بارتفاع الضغط المتواصل لدرجة من الممكن جداً ان يدفع ثمنها حياته بأكملها..

 

أى علاقة بين رجل وامرأة يمكن أن تتحول لحبّ عشقي وعلاقة جسدية إذا صادفتها الظروف المناسبة لنمو الكيمياء وأكثر، وهناك الكثير من الظروف التي تُخضع العلاقة لدرجة حرارة أقل من الحبّ فنطلق عليها مجازاً (صداقة) للاحتفاظ بها. فخلقنا الله كالمغناطيس نتجاذب ونتبادل مشاعر تجعلنا نعمّر هذا الكوكب ثم نرحل عنه، الصداقة السرية بين الرجل والمرأة هي حبّ على نار هادئة وإن أراد القدر أن تعلو درجة حرارة العلاقة حتماً سيشتعل القلب والجسد وتتحول إلى حبّ وسواسي نتائجه كارثية على الطرفين وعوائلهما..

 

العلاقة بين الرجل والمرأة بعموميتها ما زالت غير واضحة وغير معرّفة بشكل صحيح في ظل المجتمع الذكوري العربي، وفي ظل مجتمع انتقالي ملامح هويته (مهجّنة)  ما زالت تتذبذب بين الأصالة والحداثة. وما زالت النظرة للمرأة في هذا المجتمع الانتقالي المهجّن مختزلة في جسدها فقط ومقزّمة لعقلها الاّ من رحم ربي...

عندما تنحرف بوصلة العلاقات ومساراتها بالتأكيد سيكون (الطرف الأضعف) ضحية لفساد العلاقات البشرية، وهنا ليست المرأة هي الأضعف دائماً بل غالباً، فقد يقع الرجل أيضاً ضحية "صداقة" لم تبدأ في الأصل كذلك، من الممكن جداً أن يذهب عمره ومستقبله سدى، كخسارة سمعته المهنية أو انهيار زواجه وأسرته.. اتعظوا يا أولي الألباب..

المشكلة الأساسية الآن ليست في انفتاح التواصل بين الجنسين؛؛ بل هي في انعدام التربية والتوعية الكافية والتأهيل المناسب في مؤسسات التنشئة الاجتماعية كافة لخوض تجربة الانفتاح الثقافي والعالم (الافتراضي)، في ظل انهيار الأخلاقيات والقيم بادّعاء التحضّر والحرية وحقوق الانسان وغياب الحصانات الذاتية والحصانات العامة، أضف الى ذلك الانفتاح الخطير على عالم مبُهم من الضياع والبؤس كالتطرف أو الانفرادية والعزلة أمام طغيان علاقات عامة سوقية.‏‏..

بكل ما سبق ليس ببعضه نصل لحقيقة مفادها أن الصداقة بين الرجل  والمرأة  والسريّة منها على وجه الخصوص هي (شبهة عشقية غير معلنة)، نهايتها دائماً مأساوية وحصادها (صفريّ الناتج)  لن يخرج عن طور الفضائح...

دوماً للحديث بقية وربما بقايا كثيرة جداً ....

رئيسة مركز الجندر (النوع الاجتماعي) للاستشارات الاجتماعية والنسوية

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner