الرئيسية/عيون و آذان
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

سياحة أهل الكهف

سياحة أهل الكهف

طلبت مني باحثة أردنية موفدة من قبل جامعة رسمية أردنية لفلندا إجراء مقابلة فنية متخصصة بالتخطيط الحضري وأرسلت الطلب الرسمي من الجامعة مرفقاً معه الأسئلة التي تنوي طرحها للنقاش في مقابلة مسجّلة لأغراض الحصول على درجة الدكتوراة في الهندسة المعمارية. موضوع الرسالة مهم للغاية وشعرت بأن علي القيام بزيارة ميدانية للطرق الدائرية في عمّان حتى تكون أجوبتي شافية ومعززة بمشاهدات من الواقع.

قمت بإستغلال يوم جمعة مشمس وإقترحت عليّ أم يزن مرافقتي بالرحلة وأخذنا مسار من خلدا شرقاً عبر شارع الإستقلال حتى صالحية العابد التي تعتبر بداية طريق الحزام الدائري والذي يحمل الرقم (40) وتابعنا المسير بعد توقف في عدة مواقع على الطريق للتعرف إلى الخصائص الحضرية للمنطقة، وبعد تجاوز إشارة الغاز والسير حوالي (2) كيلومتر جنوباً، استوقفتنا شاخصة مكتوب عليها (موقع أهل الكهف) فكان قرارنا الفوري زيارة الموقع الذي سمعنا عنه كثيراً ولم يسبق أن زرناه من قبل، وهذا ما سأحدثكم عنه فيما يلي.

حادثة الفتية الذين ناموا (309) سنين جاء ذكرها بالقرآن الكريم من سورة الكهف، التي نزلت مكيّة كرد على سؤال الكفار للنبي محمد علية السلام طالبين منه ان يخبرهم عن هذه القصة كإمتحان، فنزلت السورة المكية لتجيب عن عدد السنوات التي نام فيها هؤلاء الفتية بالكهف "وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا" وعن عددهم الوارد في الآية 22 "سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاء ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا".

ولو أردنا تحديد الإطار التاريخي لهذه المعجزة سنجد أن حكاية هؤلاء الفتية حدثت بعد حوالي (250) سنة من ميلاد سيدنا عيسى عليه السلام، وهي الفترة التي بقيت فيها الديانة المسيحية محظورة حتى العام (313) ميلادي عندما اصدر الأمبراطور قسطنطين (ميثاق روما) وقبل فيها الديانة المسيحية والتي أصبحت لاحقاً الديانة الرسمية للأمبراطورية الرومانية.

أي أن هؤلاء الفتية السبعة المؤمنين بالله كانوا ملاحقين ويتعبدون بالسر وقد وجدوا لهم مخبأ في مكان جبلي ما فيه مغارة تسترهم، سماها القرآن الكريم بالرقيم ولم يعُرف أين هو هذا المكان، ولكنه يرجّح أن يكون شرق نهر الأردن كون هذه المنطقة قريبة من مهد الديانة المسيحية في بيت لحم والقدس وهناك شواهد كثيرة تدل على ذلك في كنائس رحاب قرب المفرق بالأردن.

وحتى نكون موضوعيين، فإننا سنلقي الضوء على الرواية الغربية للقصة التي وجدناها في جوجل تحت عنوان النائمون السبعة Seven Sleepers حيث اتُهم سبعة شبّان عاشوا بمدينة أفسس اليونانية وتالياً الرومانية في عهد الأمبراطور ترجان ديشيوس Trajan Decius (249-251) بإتباع المسيحية وتم إمهالهم للعودة عنها ولكنهم رفضوا ووزعوا ممتلكاتهم على الفقراء ولجئوا الى كهف للتعبد، وعلم تراجان بالأمر فأمر أن يتم إغلاق فوهة الكهف عليهم وقد توفي الأمبراطور بعدها بسنة في العام 251 ومرت سنين طويلة انتقلت فيها المسيحية من ديانة ممنوعة ومحاربة الى الديانة الرسمية للأمبراطورية الرومانية في العام 313 ميلادية.

في عهد ثيودوسيوس Theodosius 408-450 قرر صاحب الأرض التي فيها الكهف أن يستخدمه للأغنام ففتحه ووجد فيه النائمون السبعة وكلبهم فاستفاقوا جائعين ظانين انهم ناموا لليلة واحدة وارسلوا أحدهم لشراء الطعام بحذر لكي لا يتم القاء القبض عليهم وسجنهم. وقد تعجب الشاري ليجد بالسوق عمائر ضخمة بأقواس وتعجب البائع من العملة التي قُدمت له من عهد الأمبراطور تراجان، وقد علم الأسقف بذلك وطلبهم للمقابلة واخبروه بقصتهم المعجزة وتوفوا مبتهلين الى الله.

لقد حدث هذا كله حسب الرواية الغربية في منطقة بسفوح جبل بيون Mount Coelian بالقرب من امفسيس والتي تقع بالقرب من Selcuk بتركيا اليوم والتي تم الكشف عنها في العام 1927 ويقال بأن هناك كتابات عنهم محفورة بجدران الكنيسة والقبور والتي اصبحت مقصداُ للسياح.

لن نجادل في أي من المكانين هو الأقرب للصواب ولكني كمعماري أميل للموقع شرقي عمّان بالأردن على الرغم من أن الواجهة مبنية وليست محفورة بالصخر كما في عمارة الأنباط، أي انها أقرب الى الرومانية، وقد زينت بأعمدة تيجانها كورنثية اي انها زخرفية إحتفالية ولم تبنى على عجل لحجز من بداخلها كما جاء في الرواية. ويلاحظ بأن الموقع لم يُهمل في العهد الأموي (662-750) ميلادي أي بعد حوالي 421 سنة من الحادثة وتم تشييد مسجد أعلى الكهف وتم ترميم الموقع واستغلاله مما يدل على أهميته التي تم توثيقها بالكتابات على الحجارة والقبور التي بداخله والمؤرخة ب 227 هـ (841) ميلادي.

وإنطلاقاً من السرد التاريخي، فإنه من المؤكد بأن أهل الكهف هم من أتباع الديانة المسيحية وقصتهم هي معجزة ربانية وثقها القرآن الكريم بسورة الكهف، فسؤالي موجه لوزارة السياحة والآثار، لماذا يتم تسويق الموقع على انه موقع ديني إسلامي بُني فيه مسجد كبير في 2006 ويشترط الآن على النساء من الزوار لبس العباءة وغطاء الرأس بدلاُ من تسويقه كموقع تراث عالمي فريد يضاف الى المواقع السياحية الكثيرة في الأردن، دينية كانت أم تاريخية او ترفيهية أو علاجية.

إن تكليف إمام المسجد المجاور بالعمل كدليل سياحي وسرد روايته التاريخية للموقع فيه تقييد للرواية إن لم يكن في ذلك خروجاً عن عِبرها، حيث سرد فضيلة الشيخ رواية منقوصة لا بل متناقضة مع ما جاء في النص القرآني حول الكلب الذي رافق الفتية برحلتهم عبر القرون حين قال بأن الكلب لم يكن معهم بالكهف بل كان يجلس على عتبة الكهف، فهل من المعقول ان يجلس الكلب الذي كان رابعهم أو سادسهم أو ثامنهم كما جاء بالنص القرآني لمدة 309 سنين على عتبة الباب، ولماذا يا فضيلة الشيخ.

وتجدر الإشارة بأني قد أشتريت من فضيلة الدليل السياحي قرص مدمج فيه صور فوتوغرافية يتصدرها الداعية المصري عمرو خالد، ومع كل الإحترام والتقدير لعلمه ولشخصه، إلا أني لا أرى بأنه إختيار موفق لترويج موقع سياحي مسيحي.

المطلوب لطفاً.... وضع الموقع في سياقه التاريخي الصحيح وكما جاء في القرآن الكريم وإعتبار المسجد الذي بني فوقه وتشاهد بقاياه على سطح الكهف هو تتابع عمراني موجود مثله في رحاب التي تحتوي على بقايا 300 كنيسة حيث حولت بعض الكنائس الى مساجد كما في كتدرائية آيا صوفيا باسطنبول على يد محمد الفاتح، وحولت مساجد الى كنائس كما في كاتدرائية جامع قرطبة باسبانيا، ولكنها تسوق ضمن هذا الفهم التاريخي الصحيح، فهل نشهد قريباً عملاً مشتركاً بين وزارة الأوقاف والمقدسات الإسلامية ووزارة السياحة والآثار لتصويب الوضع القائم وتسويق الموقع بشكل مختلف.

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner