الرئيسية/عيون و آذان
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

سلق متعمد لموازنة 2018

سلق متعمد لموازنة 2018

منذ تجدد الحياة البرلمانية في الأردن عام 1989 لم يجر سلق الموازنة على هذا النحو المزري  كما جرى في هذا العام، فبعد أن عرض وزير المالية تقرير الموازنة، ومن ثم  عرض تقرير اللجنة المالية لمجلس النواب من أجل الاستعداد لماراثون المناقشة  الذي يتم من خلاله اطلاع الاردنيين على صيرورة  شاملة لاوضاعهم  الاقتصاديةالعامة على مدار ثلاثة أيام ليكون التصويت مساء الخميس 4/1/2018، ولكن جاء القرار مفاجئاً للمجلس ولكل المواطنين  عندما أعلنت رئاسة المجلس أنه سوف تجري المناقشة والتصويت مساء اليوم الأحد 31/12/2017 وهذا ما تم فعلاً، حيث حظيت الموازنة بموافقة (58) صوت من أصل (99) عدد الحضور وغياب ثلاثين عضواً على الأقل.

لم يكن الأردنيون متفائلين بالمناقشة كالعادة ولكن ما جرى مع الموازنة على هذا النحو يمثل استخفافاً صارخاً بكل افراد الشعب الأردني ومكوناته السياسية والاجتماعية والمؤسساتية؛ حتى من الناحية الشكلية القانونية الرسمية ، لأن الموازنة تمثل في حقيقتها رؤية الحكومة وبرنامجها للعام القادم، وليست المسألة مقتصرة على إقرار أرقام صماء لا يفهمها كثير من النواب ولا يفهمها أغلبية الشعب الأردني، وإنما كان من المفروض أن يجري إقناع الأردنيين بسياسات الحكومة، وأن يسمع الأردنيون شرحاً وافياً من رئيس الحكومة والوزراء لأبعاد المرحلة الجديدة العصيبة على الأردنيين جميعاً.

أحق الناس بسماع رؤية الحكومة وشرحها هو الشعب الأردني في المقام الاول من خلال المناقشات الواسعة تحت القبة، لأن الشعب الأردني هو الذي سوف يتحمل أعباء الموازنة وهو الذي سوف يدفع الضرائب وهو الذي سيتحمل فاتورة العجز والفشل الحكومي ، وهو الذي سوف يشد الأحزمة على البطون وسوف يقوم بتمويل نفقات الحكومة وتمويل مشاريع الحكومة الرأسمالية من جيوبه، لأن قيمة المنح الخارجية لهذا العام لا تساوي إلّا نسبة قليلة مما يدفعه الأردنيون من قوت أبنائهم ونفقات أسرهم الذين يتولون تدبير أمورهم بأنفسهم وتعليم أبنائهم على نفقتهم الخاصة في الجامعات والمدارس الخاصة.

فسح المجال أمام مناقشة الموازنة من قبل النواب أولاً ومن قبل أهل الاختصاص وأصحاب الهم الوطني يمثل الحد الأدنى من احترام الحكومة لشعبها المنكوب بالضرائب والأسعار وقلة ذات اليد ثم تاتي الطامة الكبرى بالاستخفاف المبالغ فيه ، ويجب على رئيس الحكومة والوزراء أن يسمعوا آراء الناس وأن يردوا عليها باحترام وسعة صدر ، وأعتقد أن الشعب الأردني عنده من الصبر والحس بالمسؤولية وحسن التقدير ما يجعله قادراً على تفهم المرحلة الصعبة ، وقادراً على تفهم قرارات الحكومة وإجراءاتها حتى لو كانت مجحفة.

لن ينجح شعار (الاعتماد على الذات) الذي يمثل عنوان المرحلة القادمة إلّا من خلال الشعب الأردني وتفهمه له، ولن ينجح هذا الشعار بالإملاءات الفوقية وطريقة التعامل الاستعلائية التي ظهرت بوضوح من خلال الشطارة والفهلوة  بتمرير الموازنة على هذا النحو المخل.

الموازنة تكشف بوضوح عجز الحكومات المتعاقبة وإغراق الدولة بالديون الثقيلة المتراكمة التي ما زالت تستمر في طريق التفاقم والتعاظم، والفشل الحكومي في كبح جماحها حيث أنها تزيد عن 95% من الناتج الإجمالي، كما تكشف عن فشل الحكومات المتعاقبة في ردم العجز الدائم في الموازنة، والحديث عن النمو هو مجرد تلاعب بالأرقام.

والحقيقة الأخرى أن الحكومة لم تستطع حل مشكلة الطاقة وما زالت عملية الاستفادة من الطاقة الشمسية تسير ببطء السلحفاة، ولم يتم تمكين الشعب الأردني من الاستفادة من طاقة الشمس المجانية رغم تمتع الأردن بأجواء مثالية لهذا النوع من الطاقة، وهناك عوائق مصطنعة ومقصودة يجب الاعتراف بها من قبل المتنفذين وأصحاب المصالح والأجندات الشخصية.

لم يشعر المواطنون  حتى الان  بجدية الحكومة في وضع برنامج استراتيجي بعيد المدى من أجل استغناء الأردن عن المنح، ولم تستطع الحكومة جذب الاستثمارات، ولم تفلح في حل مشكلة النقل المتفاقمة ولم تستطع رفع قدرة الأردنيين الشرائية، بل على النقيض تماماً يتم القضاء على الطبقة الوسطى من خلال سياسة رفع الضرائب الجائرة التي تسير بلا افق منظور وبلا رؤية واضحة .

الموازنة تكشف بوضوح عن هوية اقتصادية ضائعة  ومرتبكة للأردن، فلسنا بالدولة الزراعية، ولا بالدولة الصناعية، ولا بالدولة السياحية ولا بدولة التقنيات الخفيفة، ولذلك لا بد من العودة إلى هوية الأردن الزراعية، ورفع سوية المزارعين والبحث عن آفاق تطوير التجربة الزراعية الأردنية دون الاخلال بالمسارات الأخرى على صعيد تطوير الصناعة المحلية والسياحية .

المرحلة الصعبة القادمة تقتضي تغيير جذري وعميق في بنية الإدارة الحكومية، ولا بد من الشروع في إعداد جيل جديد من الشباب المفعم بالانتماء الوطني والقادر على حمل المشروع الوطني باقتدار وتطبيق سياسة الاعتماد على الذات في الميدان بعيداً عن تسلط القطط السمان ولصوص المال العام.

Khaberni Banner Khaberni Banner