الرئيسية/مع الله
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

سطور وفاء للشيخ الأستاذ سليمان السرطاوي

سطور وفاء للشيخ الأستاذ سليمان السرطاوي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الذي تفرد باستحقاق الحمد، والصلاة والسلام على سيد الدعاة وإمام المرسلين، نبينا محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد،،

 

هذه سطور من الوفاء نسطرها، وفي القلب حزن وحرقة، وفي العين دموع وأسى، في حق شيخنا الفاضل ومعلمنا القدير الشيخ الأستاذ سليمان داود السرطاوي - رحمه الله تعالى رحمة واسعة و نحسبه من الصالحين ولا نزكي على الله أحدا ونشهد له بالخير- وقد فارق الحياة ورحل عن دار الغرور يوم السبت 17 من شهر فبراير من عام 2018 من التاريخ الميلادي، الموافق 1 جمادى الآخرة من عام 1439 لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم

 

هذه ترجمة مختصرة ونبذة عنه، ولمحة من حياته ومسيرته المليئة بالتجارب والتضحية وتربية الأجيال ونشر العلم، وأشعر أثناء الكتابة أن الشيخ لم يأخذ حقه من التعريف به وخدمته ومكافأته لاسيما في آخر سنوات حياته، لكن حسبه أنه في جوار أرحم الراحمين، وسأجتهد قدر المستطاع في التعريف به ونقل شيء من سيرته العطرة ومن الفوائد التي تعلمتها منه، رحمه الله تعالى.

 

الشيخ الأستاذ المربي - رحمه الله - من قرية سرطه وهي إحدى قرى مدينة نابلس في فلسطين المحتلة، إنها أرض فلسطين التي أنجبت الكثير من أهل العلم والخير والصلاح، نشأ وترعرع في الكويت، في بيت كريم وبذرة طيبة، أرسله والده لدراسة الطب في اسبانيا، لكنه هناك وفي إحدى ليالي رأس السنة رأى الأسبان النصارى يتهارجون في الحدائق العامة ويجاهرون بالخمر والفاحشة، فشعر ببرودة العيش بين الكفار والفساق وتاقت نفسه للرحيل عن ذلك المستنقع، فقرر أن يترك الطب ويغادر البلاد، حجز تذكرته بالباخرة إلى الجزائر، وهو يعلم أنه من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، وقف هناك في الميناء، وحيدا غريبا مسافرا، كان ينتظر الباخرة وتختلط مشاعره بالخوف والوحدة، عندما أخبرني بهذه الحادثة قال لي: كلما سمعت صوت صافرة يشبه صافرة الباخرة عندما تقترب من الميناء ولو بعد سنوات طويلة، أتذكر تماما ذلك المشهد وأشعر بنفس المشاعر، لما انتقل إلى الجزائر بدأت رحلته العملية في الحياة، عاش هناك تجربة صعبة لا يتحملها إلا أصحاب الهمم من الرجال، قام بتدريس اللغة العربية في مدرسة في إحدى القرى التي يسكنها البربر، ومع شظف العيش كان عفيف النفس حتى أنه رهن جوازه مقابل شيء من الأكل، وكان في بداية استقراره هناك ينام على فراش يسير في شدة برد جبال الجزائر، ومع ذلك غرس البذور الطيبة في نفوس الطلاب والطالبات، وهنا نضرب مثالا يسيرا على ذلك:

حيث أنه كان هناك مدرس فرنسي نصراني تذهب إليه الطالبات للدروس بعد انتهاء المدرسة وبعد فترة يسيرة من تدريسه لهن وبدون أن يطلب منهن بشكل مباشر عدم الذهاب للفرنسي وبدون أن يشرح حكم الخلوة وخطرها ونحو ذلك، بدأت الطالبات بعدم الذهاب، وانخفض العدد تدريجيا حتى صار لا يذهب منهن أحد، إنه المربي العفيف المخلص، يترك بصمة طيبة حيثما كان، ويجعل الغرس الثمين رصيدا له عند الله تبارك وتعالى، في زمان كثر فيه المربّون بالتنظير والمظاهر، وليس بالمواقف وحقائق الأمور.

 

انتقل الشيخ الأستاذ منذ ريعان شبابه إلى عدة بلدان، فكما قلنا منها الكويت واسبانيا والجزائر ومصر وباكستان، وهناك أخذ البكالوريس والماجستير في اللغة العربية وآدابها، وأعد بحثا رصينا في حجية وصحة الاستدلال بالأحاديث النبوية الشريفة في النحو واللغة العربية ردا على المستشرقين، وله كتاب مطبوع اسمه دروس للشباب فيه تأملات جميلة لأحداث السيرة، وكذلك تعلم شيئا جيدا من طب الأعشاب وكان يمارسه، مرت السنوات حتى صدم صدام الكويت، بعدها كان الشيخ الأستاذ ممن خرجوا إلى الأردن واستقروا فيها، وشاء الله تعالى أن أوصاه بعض الناس بالجنوب، فاشترى أرضا في الكرك والذي باعه إياهها أخذ أعلى من الثمن الحقيقي بعض الشيء، هناك التقيت به حيث كان يدرسني اللغة العربية في مدرسة الحسينية الثانوية، وقد كان والله نعم المدرس ونعم المربي، والمواقف التي في ذاكرتي كثيرة جدا.

 

كان يتكلم الفصحى مع أن كثيرا من أبناء القرى كان يسخر من ذلك، وكان صبورا على الانتقال بالباصات بعد أن كان يملك سيارته في الكويت، والذي تعود على السيارة ثم رجع للباصات يعرف ماذا يعني هذا، وربما يقف في المطر ساعات ويمر به أصحاب السيارات ولا يقفون له ليركب، ومع ذلك ترك في طلابه البذرة الطيبة، والسمعة الحسنة، وكان بعض الذين يهربون من المدرسة يحرصون على حضور حصته قبل المغادرة، كان يستخدم الآيات والأحاديث في أمثلة قواعد اللغة العربية بشكل ممتع ومفيد، وربما دمعت عينه أثناء قصة موسى مع فرعون، وقصة إسلام سحرة فرعون بعد رؤية المعجزة، وكان لا يسمح بالغش أبدا، ويُشعر الطالب أن العلامة ليست هي كل شيء وليست هي المقياس الوحيد.

 

رآني مرة وقد كنت من أعز الطلاب عنده وقد نفعني الله به - أسأل الله تعالى له الفردوس الأعلى من الجنة - رآني مريضا في الحصة بشيء من الزكام، فقال لي بعد الحصة تعال إلى غرفة المعلمين وأعطاني قليلا من الحبة السوداء، والله تركت في نفسي أثرا أعمق من الكثير من المدرسين الذين مروا علينا مع احترامي وتقديري لكل من علمني حرفا، حتى أن أحد المدرسين من أهل القرية حذرني من الشيخ الأستاذ لما رآني محبا له وكثير الحوار معه، وما زادني هذا إلا حرصا على الشيخ السرطاوي رحمه الله، وكلما كبرت في السن والتجربة ازددت يقينا أن الشيخ الأستاذ السرطاوي كان على الحق، لقد كان واعيا بأهمية التربية، وترك الأثر الجميل، بدون ضوضاء ولا كبرياء، وكان يغار على اللغة العربية، كثير الذكر لله تعالى، لاسيما أذكار الصباح والمساء، والأدعية التي بعد الصلاة أو عند الخروج من المنزل ونحو ذلك، وكان لا ينتمي لأي جماعة ولا حزب ولا يتعصب لعالم ولا شخص، بل تعلمنا منه سلامة المنهج ومحبة الخير للمسلمين والتعلق بأصول أهل السنة والجماعة، بدون إفراط ولا تفريط، وكان قلّما يقوم بالتوجيه المباشر والتلقين، بل يدلك على الخير وعلى مصدر النور ويترك القناعات لتغرس في القلب بثقة ويقين، وكان يقول: فلتكن لك أذن ناقدة، ولا تثق بكل مطبوع أو مرئي لا سيما وسائل الإعلام.

 

بعد التقاعد استقر في عمّان، وأشعر أن طلابه ومجتمعه قصروا في حقه، وما أجادوا في رعاية قدره والاستفادة منه، ولكن حسبه ربه، ولعل صالح عمله يكون له نورا في قبره، وقد كان رحمه الله يخاف من القبر، وإذا سمع سورة التكاثر تأثر وظهر عليه ذلك، وكان يقول لي: إذا كان سعد بن معاذ رضي الله عنه لم ينجُ من ضمة القبر - كما في الحديث - فكيف بنا نحن؟!، وكذلك قال لي مرة: العاقل إذا أجرى مقارنة يسيرة بين الدنيا والآخرة ستتغير كل حياته وتصرفاته، ومرة تأثر من قوله تعالى: لابثين فيها أحقابا، وذلك خوفا من النار، لأن الحقبة هي المدة من عشرات السنين، أسأل الله تعالى أن يحرم وجهه على النار.

 

وكان رحمه الله لا يحب التدخين ويبتعد عن أصحابه كثيرا وينصحهم، وكذلك الموسيقى في الأماكن العامة والمواصلات، وأذكر له خطبة واحدة للجمعة من أجمل الخطب التي سمعتها في حياتي، مع أنها كانت قصيرة، وكانت عن أن الإسلام هو دين الطهارة، طهارة القلب من الحسد والغل وطهارة اللسان من الغيبة والباطل وطهارة المعتقد من الشرك والبدع وطهارة اللباس من الأوساخ وطهارة الفرج من الفواحش ونحو ذلك، أسأل الله بمنه وكرمه أن يطهر الشيخ الأستاذ السرطاوي كما يطهر الثوب الأبيض من الدنس وأن يكتب له رضوانه ومغفرته.

 

كان يعالج الناس بالرقية الشرعية الصحيحة كما وردت في السنة النبوية وقد رافقته في بعض جلسات العلاج والرقية، وهناك في ذاكرتي الكثير من المواقف ولعل الله ييسر كتابتها، والله إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا على فراقك يا أبا محمد لمحزونون، أسأل الله أن يتجاوز عنك ويرحمك ويرفع في الجنة درجتك، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

شادي بن ياسين الطراونة

أبو عبدالعزيز

Khaberni Banner
Khaberni Banner