الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

ساسة وإعلام.. مهنية مفقودة

ساسة وإعلام.. مهنية مفقودة

خاص ذكرتني تداعيات تقرير الأمم المتحدة المزعوم، عن ترتيب دول العالم من حيث قدرات حفظ أمن المواطنين والزوار، بحادثة سابقة، إذ شاءت الأقدار أن ألتقي، بُعيد الحرب الأخيرة على لبنان، بثلاثة وزراء بينهم وزير خارجية لفرط ثقة محاسيبه به يرشحونه في كل مرة لتولي سدة رئاسة الحكومة. ذلك اللقاء جرى بعد عودتنا (زملائي وأنا) للتو، من تغطية تلك الحرب ودار حولها حوار تعلق بدروس وعبر مستفادة، واستمر الحديث وتشعب لساعة متأخرة من الليل كان اللافت فيها أن الوزير بدا مندهش من المعلومات التي قدمت عن إمكانية حزب الله وقدراته السياسية والعسكرية. ما شعرته أثناء ذلك الحديث أن الوزير غائب عن المشهد، وليس لديه معرفة بالتفاصيل فسألته "أليس لديك مثل هذه المعلومات؟" ومن غير أن يجيب لأنه تجاوز الأمر، عدت وأكملت أنا قائلا "الأجدى بسفارتنا هناك أن تزودك، إن كان لديها معلومات عن حقيقة الساحة اللبنانية"، لاكتشف لاحقا أن موظفا واحدا كان يناط به رفع تقارير ترصد الحراك السياسي في فترة الحرب. ولكم أن تدركوا ماذا يمكن أن يقدم موظف واحد بإمكانيات محدودة في ساحة أثر ما يجري فيها يمتد إلى مساحات واسعة من الإقليم. تلك الحادثة مع ذلك الوزير، استرجعتها الآن بوصفها لم تعد حادثة معزولة عن سياق، ربما هو عام، أكدته حادثة، ولن أقول فضيحة، التقرير الذي وضع الأردن في المرتبة 14 من بين دول العالم في توفير الأمن لمواطنيها وزوارها. وأفرق هنا تماما، منعا للتصيد والكيد، بين حقيقة وجود التقرير ومحتواه الذي يؤكد قدرات الأمن الأردني، إذ هي ماثلة وموصوفة ولا تخضع للجدل، لكن الأمر يتعلق بالمهنية البحتة حيال التأكد من وجود التقرير، وهي قضية تناولتها كتابات وتقارير إعلامية عدة، وأجدها مناسبة لفتح حوار جدي وعميق عن مهنية الطبقة السياسية والإعلامية. فالخطأ الذي ارتكب في التعامل مع تقرير لا وجود له، يستدعي إجراء مراجعة حقيقية لتلك الطبقات التي تقود المؤسسات الحساسة وغير الحساسة وتصنع قرارها، وتلك التي توجه الرأي العام وتصنع منه رافعة للسياسات. صحيح ان صحيفة أخطأت في التعامل مع التقرير الذي وضع الجميع في مأزق، لكن ذلك الخطأ تحول إلى خطيئة عند مؤسسات إعلامية أخرى أخذت ما نشرته تلك الصحيفة بوصفه مسلمة من غير أن تفكر في قراءة التقرير أو الإطلاع عليه.. وهي لو حاولت ذلك لتبين لها أن لا تقرير من الأصل. وحتى لو سلمنا بأن تلك الصحيفة، لأهميتها، مصدقة في كل ما تنشر، وهذا يخالف ابسط شروط العمل المهني بطبيعة الحال، فإن الكارثة أن يتغنى وزراء بتقرير وهمي. وكان على الجهات الرسمية، مؤسسات ووزراء، أن يطلبوا التقرير للإطلاع عليه، بدافع معرفة من الدول التي سبقت الأردن في الترتيب، والإطلاع على منهجية التقرير والجهات القائمة عليه والمنفذة له والحيثيات التي استند إليها في تصنيف الدول وكيف قرأ الواقع الأمني الأردني وإذا ما كان للتقرير ملاحظات مهمة يمكن الاستفادة منها. ولكن ذلك لم يحدث، كما لم يحدث أن فكر أي مسؤول بأن يسأل نفسه، متى نفذ البحث في الأردن، وكيف توصل القائمون عليه إلى النتائج من غير أن يراهم من مهمتهم الأمن؟ والمفاجأة أن أبرز من تغنوا بالتقرير كان يفترض أنهم أول من قابلوا وتفاعلوا مع من درسوا الواقع الأمني العالمي ورتبوه أرقاما متسلسلة. ولكم أن تتصوروا أن أربعة أيام مرت منذ نشر خبر عن التقرير وهو يتابع في أغلب وسائل الإعلام لكن وسيلة أو جهة لم يخطر لها أن تقرأه أو تنشره وتقف على حيثياته، خصوصا الجهات الرسمية. وثمة خشية من أن تمر زوبعة التقرير من غير مناقشة ملابساته بجدية وموضوعية في سياق إعادة تعريف كلمة "مهنية" وإذا ما كانت ضرورة أم ترفا عند السياسي كما الإعلامي. فلو طرح سؤال أيهما يجب أن يكون أكثر مهنية، السياسي أم الإعلام؟ لقال العديد أن الاثنين يجب ان تكون لديهما مهنية، وهو قول صحيح على إطلاقه، لكن هناك من يفصل في القول أن مهنية السياسي أهم من مهنية الإعلامي، فالإعلامي يرتكب الخطأ، ويصححه، لكن خطأ السياسي مكلف لأنه يؤشر على أن ذلك السياسي يتخذ قراره ويصرح بمواقفه من غير أن يحضر لها جيدا ومن غير أن يستند إلى معلومات موثقة فضلا عن كلفته التي تدفعها الدولة من مصداقيتها. فأن يصرح وزير عن تقرير لم يراه ولم يطلع عليه أو يقرأ نصه، أو، على الأقل، لم يقم فريقه بوضع ملخص له قبل أن يتغنى به، ففي الأمر، خلل كبير، المرور عنه، هكذا بلا مراجعة، خطر على الوطن ومؤسساته، وضرب لمصداقية المسؤول وإمكانياته وهز للثقة بالمؤسسات وما يصدر عنها. إن الواقع وكثرة الأخطاء وأحيانا الخطايا التي يرتكبها سياسيون مدعاة إلى إعادة النظر في طبيعة الطبقة السياسية، وقبل ذلك أسس اختيارها، وأظن ظن متيقن أن أسسا كثيرة تؤخذ بالحسبان عند اختيار المسؤول، ليس بينها في الأغلب الأساس المهني، فهو آخر الهم على ما يبدو. فوطن تحاك ضده المكائد، وينفض من حوله الحلفاء، يجعلون منه نهبا لمؤامرات سياسية تصفوية، يحتاج إلى مسؤولين من طراز رفيع يقرأون ويكتبون جيدا، بالمعنى السياسي، ويقررون بناء على دراسات وتحليل للمعطيات واستشارات جوهرية، ويصرحون بما يقفون عليه من حقائق لا بناء على شائعة وأقاويل أو تقارير لم يروها ولم يتثبتوا من صدقيتها. فالأوطان ليست عرضة للمقامرة والمغامرة، لأن ما تتعرض له من مؤامرات مخططة وممنهجة يحتاج إلى مواجهة تعتمد ذات المنهجية في التخطيط والدراسة وإصدار القرارات والمواقف على أساس معطيات صلبة. نعم، الطبقة السياسية تحتاج إلى مراجعة وتقييم منذ زمن طويل يفترض فيه أن يصل إلى استنتاج منطقي بأن اختيار الطبقة السياسية يجب أن يتم على أسس مهنية لاختيار السياسي المهني. وواقع الطبقة الإعلامية، ليس بأفضل حال، فهي الأخرى تحتاج إلى مراجعة شاملة تؤسس لمهنية رفيعة عمادها غرفة أخبار جدية لا تمر المعلومات عليها هكذا من غير تدقيق وتمحيص يقلل الأخطاء وحجمها كي لا تصبح خطايا قاتلة وفاضحة.
Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner