الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

دُم تك

دُم تك

خبرني - يلجأ البعض لتدوين قائمة أمنيات Wish list يرغبون بتحقيقها، وخاصة أولئك الذين حرموا من فعلها إما لضيق ذات اليد أو الإنشغال أو الظروف القاهرة التي حالت دون ذلك.

بالنسبة لي، وعمري خمستين بعين العدو، فلطالما تمنيت أن أدبك... نعم لا تستغربوا، فقد كانت حركات الدبيكة تستهويني، وحاولت مراراً أن ادبك في السر وتعثرت، ولم اتمكن من النط على إيقاع الطبلة (دم-تك).

الدبكة... هي رقصة فلكلورية شعبية منتشرة ببلاد الشام وهي نشاط جماعي تشاركي يتنقلون فيه على إيقاع آلة واحدة على الأغلب مثل الشبابة وقد يصاحبها الطبل أو الدربكة لأنها تفصل بين إيقاعات متتالية لتوحد حركة الفريق عند وقعها عند (دم) وهو صوت دق كعب القدم بالأرض والتك وهوالصوت الناجم عن وقع كامل اسفل القدم على الأرض، حيث يختلف صوت دق كعب القدم عن صوت كامل القدم نظراً لإختلاف المساحة الملامسة للأرض، فيصدح الإيقاع.

من حيث المبدأ، تعتمد الدبكة على هذه القاعدة التي يجري تنويعها بالإتفاق بين الدبيكة وقائدها أو اللويح الذي ينسق الإنتقال من الكرجة الى الشيلة أو الدرزة أو العسكر أو الوحدة ونص وغيرها من المجموعات التي يصممها الكابتن.

جميع ماذكرت معروف عند العرب الذين يتشابهون بالدبكة سواء كانت مع الموسيقى أو بدونها مثل الشيلة المعروفة بالخليج العربي أو الدحية التي تستعيض عن دم-تك بالتصفيق والصوتالذي يعلو وينخفض للضبط والتنويع. وبالمناسبة فإن الإستعراض العسكري يعتمد أيضاً على دق الطبل وما الأصوات الأخرى إلا ثانوية تعني الجمهور أكثر من العارضين الذين يركزون سمعهم الى دقة الطبل والتي تحكم المسير البطيء أو السريع.

وعودة على ذي بدء، وقائمة الأمنيات التي دفعتني للتسجيل على كبر في دورة الدبكة للمبتدئين في (جدل للمعرفة والثقافة) الكائن على درج الكلحة بوسط البلد، فقد كانت الدبكة أمنية لطالما تمنيت تعلمها ولم تتح لي كباقي أبناء جيلي، فما هو السبب يا ترى.

إن قلت لكم بأن السبب في عدم إتقان الدبكة هو سياسي، سيمتعض البعض ويزم البعض الآخر الشفاة مستغرباً، نعم السبب في إفتقار جيلنا لمهارات الدبكة والرسم والإستعراض المسرحي هو غياب هذه الفعاليات الفنية عن مدارسنا بقصد أو بدون قصد، .... لا بل أني افترض بأن هذا الهجران كان مبرمج للأسف.

أنا ابن المدارس الحكومية فقد تتلمذت بمدرسة التطبيقات النموذجية بجبل الحسين، وكانت نموذجية بالفعل، فقد كان فيها غرف صفية واسعة وجناح إدارة ومشاغل ومختبرات ومسرح، نعم مسرح وهذا ليس خطأ مطبعي.

كان عندنا أستاذ موسيقى (ضرير) وكان يصر على أن يتقن كل طالب العزف على آلة موسيقية، وكان اختياري للمولديكا وكنت ضمن فريق المدرسة المكون مع عشرة أفراد نعزف السلام الملكي أمام الطابور بينما يقوم طالب متميز برفع العلم ببطء شديد حتى يرفرفبأعلى السارية مع إنتهاء السلام. لقد كان الطابور الصباحي متعة وشحنة إنتماء وولاء أظنها رسخت فينا ذكريات لا تنسى.

المسرح كان عامر بالبروفات، وقد كنت احتياط لبطل المسرحية زميلي في شعبة السادس (ب) واسمه سليم، وكنت أتمنى أن يمرض سليم أو تنكسر رجله يوم العرض حتى أحظى بدور البطولة بدلاً منه، ولكن أمنياتي خابت وبقيت احتياطا في الكواليس.

إبراهيم... وهو الآن طبيب إختصاص بالقطاع الخاص، كان شاطر بكلشي وكان دبيك ولويح كمان، وانا كان نفسي المشاركة بفريق الدبكة، ولكن وضعي بالاحتياط للبطل سليم حرمني من التمثيل والدبكة.

انتهت المرحلة الإبتدائية في العام 1974 وأنتقلنا بعد العطلة الصيفية الى المرحلة الإعدادية ومن ثم الثانوية بكلية الحسين، والغريب أن الحالة الثقافية التي كنا قد عشناها في المرحلة الإبتدائية قد أختفت تماماً، على الرغم من أن كلية الحسين مدرسة نموذجية أيضاً وفيها مختبرات وملعب كرة قدم وسلة وكرة يد ومسرح لم أدخله إلا مرة عندما طلب مني الأستاذ فهمي ربيحات رحمه الله إحضار ورق فولسكاب من (المستودع) المسرح سابقاً.

التحول كان واضحا، فقد صرنا نأخذ حصص التربية الإسلامية بمسجد الكلية حيث كان الأستاذ عبد العزيز جبر (وقد أصبح نائباً عن الأخوان المسلمين في إنتخابات 1993 إن لم أخطيء) يعطي حصة الدين بالمسجد ويجبرالجميع على الوضوء والصلاة ركعتين تحية للمسجد قبل بدء الحصة في رحابه، ولا زلت أذكر أني كنت كثير الحركة لصعوبة التربع، وكان معه عصى طويلة ينقر بها على رأسي قائلاً... أكعد يا كلالدة.

المهم... في السبعينات كانت الفترة الذهبية للأخوان المسلمين في الأردن وقد تم تسليمهم وزارة التربية والتعليم لسنوات متتالية ومنهم الدكتور أسحق الفرحان رحمه الله وغيره من المقربين من الأخوانأرسوا فيها قواعد جديدة للتعليم بالأردن مثل حذف مادة الفلسفة من المناهج وتهميش دور الفنون في المدارس، فأصبحت حصة الرسم للتسكع في الساحة، وكانوا يعطونوا فطبول نركض وراءه حتى تنتهي حصة الرسم.

أما المسرح، فقد أصبح خالياً وفرق السلام الملكي اختفت وتم الاستعاضة عنها بشريط مسجل، والدبكة أصبحت في خبر فركش.

قد يظن البعض أني أتحامل على فكر الأخوان المسلمين، ولكن لماذا أفعل وهم لا ينكرون هذه الممارسات ويعتقدون أنهم يؤجرون عليها، فالموسيقى في عرفهم حرام ومهرجان جرش فسق وإختلاط، والمسرح ممنوع عند السلفية فأما الدبكة وخاصة المختلطة منها فرجس من أفعال عبدة الشيطان، والعياذ بالله.

نعم، هذا التغيير لم يكن مقتصراً على الأردن، فقد غزت الأفكار السلفية غالبية الأقطار العربية وإتحدوا تقريباً في مواجهة المد القومي والشيوعي وتم وفتح باب الجهاد وتم تمويله بسخاء حتى تم إخراج القوات السوفيتية من أفغانستان وتم التوافق على خطط متوسطة وطويلة المدى لخلق شرق أوسط جديد يتولى فيه الأخوان المسلمين دفة الحكم بالبلدان العربية، والتي نعلم جميعنا تفاصيلها في كل من مصر وسورية وليبيا واليمن، وفي المقابل تم تسليم إيران والعراق للشيعة، لتصبح الساحة جاهزة لحروب داعش والغبراء.

أما وقد جرب الناس التطبيق العملي لأفكار السلفية الجهادية في المنطقة، فقد بدأ المزاج الشعبي بالتغير تجاه هذا النهج المقيد للحريات الشخص.

Khaberni Banner
Khaberni Banner