الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

دمتم ذخراً لذواتكم

دمتم ذخراً لذواتكم

أثناء تجولك "بالسيارة" في منطقة صناعية وحرفية مكتظة بالمحلات والمواطنيين كالقويسمة، ستشبع عينيك من مشاهدة الأطفال في الكراجات يعملون في الميكانيك والكهرباء وبيع قطع السيارات.

يتبادر للأذهان لمن لم يصب بصدمة التفاوت في الأسعار بعد سؤال مفاده "أين هي فرق التفتيش على عمالة الأطفال _ وتصاريح العمل لغير الأردنيين _ عن هذه المنطقة ؟

أين هي الأموال المتأتية من التمويل للخطط والبرامج وورشات العمل والعصف الذهني التي تعقد سنوياً في أفخم الفنادق في الأردن من عمالة الأطفال ؟ وهل استطاعت هذه الفرق الدخول لهذا الوكر والتجمع الصناعي الكبير يوما ما ؟

ما الذي يمكن أن يفعله ناشط أو موظف في وزارة العمل أو الضمان الإجتماعي أو الجهاز التشريعي والقضائي عندما يبدأ طفل بفك ماتور سيارته وإعادة تركيبه ؟

أسئلة لا بد من الوقوف بشكل فردي عندها، لأن العمل الجماعي لإنهاء عمالة الأطفال أو التخفيف منه بات منتهيا في نظري عند آخر "بريك غداء" للمؤتمرين.

حضرت عددا منها، ولم أشهد في إحداها أنه خرج الحاضرون بتوصية لتشكيل فرق زيارة وتفتيش لمنطقة صناعية واحدة للتعامل معها بالقطعة ببرنامج توعوي وتنفيذي. فهل نصدق أنفسنا بالقول بأننا نحترف الجعجعة ؟

ما أن تترجل من سيارتك في ذات المنطقة بحثا عن قطعة "مستعملة" حتى تشعر بأنك وليمة سهلة للذئاب المنفردة هناك، فأحدهم يعرض لك القطعة بسعر 25 دينار، وآخر يعرضها ذاتها بـ 15 دينار ومن الممكن أن تحصل على خصم الواسطة بـ 10 دنانير.

يحدثني أحد العاملين في الكراج بأن جيرانه "جماعة الهايبرد" أكثر الصناعية اتقانا للنصب والإحتيال بقوله "أي سيارة بتوقف عنده بقص على صاحبها 500 – 700 دينار بحجة أنه القطعة خربانة، بتكون أصلية، بخلوها عندهم، بصلحوله وبمشي، إذا سلكت معه وما رجع بعد يومين أو ثلاثة يبيوعنها لسيارة أخرى على أنها قطعة أصلية، وعادة ما يرجع لكونه سيذهب لكراج آخر ويعرضون عليه تصليح القطعة التي ركبها بـ 1000 دينار، فيقول في قرارة نفسه أو الـ 700 أوفر، فيعود ليجمعوا له قطعته التي فرطوها قبل أيام".

عموما، هذه رواية طرف واحد، لكنها تدفعنا للسؤال عن التسعيرة وتفاوتها، وحماية المستهلك من الغش والخداع، وعن طبيعة العلاقة بين المهني والحرفي والمواطن.

يضبط سوق الطب في الأردن تسعيرة نقابة الصيادلة ونقابة الأطباء وتعليمات وزارة الصحة، وكذا الأمر للمطاعم والحلويات والمخابز، وتقوم الدنيا ولا تقعد في حال قام مطعم برفع سعر سندويشة الفلافل، فيما لا تسمع شكوى جمعية من تفاوت أسعار قطع غيار السيارات، وعدم ضمانتها، وعدم تحديد لائحة أجور، وعدم حرفية العاملين في هذا القطاع غير المنظم والمخالف للقانون في غالبه.

مع وجود جهات عديدة تتحدث بإسمهم وعنهم، فإنني ألومهم جميعا بدأ بنقابة العاملين في النقل والمكيانيك، وجمعية حماية المستهلك، وليس انتهاء بوزارتي الصناعة والتجارة والعمل.

فغالبية هذه الكراجات لها سجل تجاري، وشركات عائلية وفردية ولها عقد ايجار أو تملك في المجمعات، ولم أصادف واحدا منها يعلق لوحة الترخيص أو شهادات التدريب المهني إن وجدت.

وبوجود هذا النوع من الأوراق الثبوتية، يسهل نوعا ما أن تقوم الوزارة والمؤسسات الرسمية المعنية بالدفاع عن حقوق العاملين والمالكين والمستهلكين،بوضع النقاط على الحروف واعطاء كل ذي حق حقه.

تحضرني هنا قصة المسؤول الذي تحدث عن موازنة الدولة وضعفها واشترى سيارات للمجلس النيابي وسيارة للحكومة، ومقولة عادل إمام "ده بيركب ببلاش".

............

من السهل أيضا ملاحظة عدد البروشورات المطبوعة والمتاحة في مكاتب الضمان الإجتماعي والتي تتحدث عن "حق العامل في الضمان الإجتماعي، وتعويض إصابة العمل"، لكن، كم وزع منها في المناطق الصناعية والحرفية وما هو حجم الإستفادة من حيث عدد المنتسبين للضمان من عاملين وأصحاب عمل في هذه المناطق بالضمان ؟

قادتني الحاجة للحصول على تأمين التعطل عن العمل لمكاتب الضمان بشهر نيسان الماضي، وقعت على ورقة وقدمت طلبي، وطلب مني المراجعة بعد العيد، ثم رجعت بعد العيد لأوقع على طلب صرف، وها أنا أنتظر صرف "حق قانوني" يعوضني عن فقدان وظيفتي ومصدر دخلي، وهل تحتاج مؤسسة الضمان الإجتماعي لأكثر من 60 يوم عمل لتقرر صرف هذا الحق للمنتفعين ؟

...........

هي ذات المنظومة تعمل بنفس الوتيرة في كثير من مؤسساتنا الرسمية والأهلية، فهذا جهاز الدور للمراجعين في مديرية المختبرات المركزية التابع لوزارة الصحة في جبل الحسين مغلف بكيس نايلون أسود، لإجبار المراجعين من المرضى وخاصة كبار السن ممن يحملون بوليصة التأمين الصحي الحكومية على السير بإجراءات عديدة يمكن اختصارها بنظام حاسوبي الكتروني، فبدلاً من تسليم نموذج تحويل الطبيب بالمركز الصحي لموظف، ثم تفريغه لنموذج آخر يدويا، ثم ختمه من المحاسب والمحاسبة عليه، ثم انتظار دور لأخذ عبوات سحب العينات، ثم دور آخر لسحب العينات وتسليمها ثم الإنتظار أسبوع لإستلام نتيجة التحليل _ إن لم تكن الأجهزة معطلة _ يمكن لنظام حوسبة الكتروني أن يسجل طلب الطبيب من فحوصات والدفع مقابل الخدمة، ومن ثم ارشاد المراجع لغرفة سحب العينات، وحصوله على النتائج خلال 48 ساعة بحضوره الشخصي أو عبر البريد الإلكتروني، لكن قد يكون ذلك ضربا من الخيال في بلادي.

لماذا علينا أن نرهق تفكيرنا في كل ذلك بينما لدينا حكومة تقبع بالدوار الرابع جاثمة على هموم أبنائها كيف يحصلون على منصب في سفارة أو هيئة مستقلة أو الحصول على تأمين صحي في مستشفى خاص، وفحوصات مخبرية في أكبر مستشفيات أميركيا وأوروبا ؟

لزاما علينا أن تغير قوعد اللعبة، فبدلا من التفكير في قضايانا اليومية التي ارهقت أجسادنا وبخرت ما في جيوبنا، وأسدلت الستار عن مسرحية الفرح في عيوننا، علينا أن نلعب معكم لعبة مقاضاتكم وملاحقة فسادكم، وعدم أهليتكم لرعاية مصالح الشعب، ودمتم ذخرا لذواتكم.

 

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner