Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

حوار على رصيف الشوبك

حوار على رصيف الشوبك

في قاعة أحد المطارات، التقيت معلمتي لوداعها في سفر لا أدري وجهته، وحين جلسنا نتحدث سألتها عن رحلتِها إلى أين ؟ و لماذا؟ إذ كان سفرُها هذا مفاجئاً ... فأعلمتني بنيتها السفر إلى مونترويال لقضاء أعمال لها هناك، فابتسمت ابتسامة خالية من المعاني، وعلت وجهي ملامحُ لاتستبين خافيها... فقالت : أيها المغترب عن ذاته .. ماذا بك وما الذي دهاك؟ فقلت ولا زالت الابتسامة البلهاء ذاتها على شفتيّ: وأنا سأسافر اليوم إلى مونترويال. فتساءلت مندهشة : في كندا؟ فأجبتها: كلا .. ولكنها مونترويال أخرى ، أعيش بها وتعيش في داخلي، أحتويها وتحتويني ، كانت أجمل من التي تنوين السفر إليها، وهي اليوم أجمل منها الربع الخالي، لولا واحة من أمل هنا، وومضة رجاء هناك. فقالت : وأين هي تلك؟ في أي أنحاء الأرض تقع؟ فقلت : هي التي من الوريد إلى الشريان يمتد هواها، منها أول هواء تنفست وفيها أول ماء شربت، وبها رأيت أول فتاة أحببت... وبها وبها وبها .....

فقالت: أين هي ؟ لقد أوقدت في داخلي شوقاً لزيارتها ورؤيتها.. والتمتع بما تتحدث عنه من جمالها.

فقلت لها: أما زيارتها فميسورة متهيِّئة، وأما المتعة فهي المتعذّرة، ذلك أنك تحتاجين عقلاً وعي قديم تفاصيلها، وقلباً أحبها لتري بعينِه مالا ترينَ بعيني رأسِك. فنظرت في ساعتها وقالت: لا زال أمامنا وقت قبل موعد الطائرة، فحدثني عن معشوقتك هذه ولا تصمت.   

فقلت: إن أردت رؤية ما أحدِّثك عنه فلا بدّ لك من الغوص في أعماق الماضي وإطلاق العنان للخيال لتصوّري به مشاهد ومناظر لن تراها العين، فحديثي سيعود بك إلى حضارة الأدوميين و الأنباط ومن عاصرهم أو سبقهم ومن كان لحقهم، ولكن الحيرة تلفّني فعن أي شيء أحدثك؟ أأحدثك عن مساحات شاسعة يغطيها قصب السكر،  أم عن حدائق غنّاء، كانت لأهلها ومن جاورهم سلة غذاء، إن تعرّت بها الحسناء ، كان لها منها ستر وخباء، من كل دالية دانية القطوف مرخية الأغصان، وحماطة كتبت على تينها آيات الجمال ، وقمح في مروج إن رأيته حسبته جدائل الغيد وفي بيادره كأنه الذهب الملمع ، أأحدثك عن مياهها الدافقة في كل واد لسقي كل روض، أم أحدثك عن مواش إذا وردت الماء لا يرويها أي حوض. طبيعتها خلّابة للألباب ، مدهشة للعقول تكون في وهد منها تشكو حرّا، وغير بعيد عنك في نجدها من يرتجف قرّا ، تباينت أحوال تضاريسها ما بين سحيق الوديان إلى شاهق الجبال . وتعددت فيها الألوان من حرة سوداء الى بِقعة كأن ترابها أكباد الرجال قد فطّرها القهر ، إلى بيضاء كما صفاء الثلج تتناسق بفسيفسائية تضفي على المشهد ألقاً ونوراً فيزيد بهاءً.

تطل من غربها على الرئة الأخرى فتكون القدس في خيالك، والخليل التي كانت مقصد أهلها في تجارتهم قريبة من فؤادك، وإن قصدتها من الشرق تطالعك كواحة في الدهناء، ومن باقي جهاتها تصلك بالصحراء، فتمازجت ثقافة أهلها وتنوّعت بين الحضارة والبداوة.

                تاريخها ضارب في القدم ذكرت في عهود الأدوميين والأنباط وأبغدور الفرس، ومنها مرّ صلاح الدين وجيشه فتبعه أهلها وناصروه وتحصن في حصنها ودفن بعض قادته في ثراها، وأهلها من الأوائل في الثورة على الطغيان إبّان العهد السابق.

في روابيها قصر شاهق منيف ينتصب في وجه العاديات طوداً شامخاًمعلناً تحديه لعواصف الأيام، وهو الذي قال فيه شاعر إليه ينتمي ذات إطلالة:

"أشرفت صوب بلادنا وكن بدا لي                           قصر(ن) طويل(ن) تقمر العين في بناه"

أمّا الحديث عن أهلها فيطول، أولئك الذين عاشوا في جنباتها ومشوا في عرصاتها، وجعلوا من وهادها مشاتٍ لهم، وفي نجادها يقضون صيفهم، يوقظون الشمس في إصباحها، و لا يدعوهم القمر إلى مهاجعهم، لهم مواسمُ خير يعرفونها، يحرثون أرضهم بعد بذرها في موسم الحراثة وينتظرون موسم الحصاد، وبين محراث ومنجل يقطفون زيتونهم ليحيلوه إلى ما منه يأكلون ويدّهنون، و يوجّهوا عنايتهم نحو أشجار ألفوها يلقون إليها بالرعاية، وهم في هذا شركاء كل يهب لتقديم العون إلى جاره، حتى أن أحدهم ينهي عمله فلا يعود إلى بيته ، بل يكمل مع جاره الذي لا زال يعمل.

في تجمّعاتهم تسمع أصوات مواشيهم في غدوّها و الرّواح صبحاً وعشيّة لتكون في أسماعهم أعذبَ سيمفونيةٍ جادت بها القرائح.

يكدّون نهارهم، وفي ليلهم يسمرون، لا تنطوي صدورهم إلا على همّ اللحظة التي يعيشون. همّهم واحد، فهم يجوعون ويعطشون ويعرون ويشبعون ويرتوون ويكتسون في آن معاً، من معين واحد ينهلون، ومن الجفنة ذاتها يأكلون، حزنهم شفيف، وفرحهم لطيف وغضبهم عنيف وحبّهم عفيف يكتفون بالكسرة دون الرغيف، لا فرق في ذلك بين ساكن الجبل ومنتحي الوادي.

في حياتهم هذه مضوا وبها ساروا حتى أناخت بهم ركاب التقدم ، فهجروا بيت شَعْرٍ و وبر وسكنوا بيت المدر، ابتعدوا عن الأودية و امتطوا صهوات الجبال، هجروا منابع المياه و جرّوا الماء إلى بيوتهم، تركوا مجالسهم الليلية تحت ضوء القمر وأمسوا يسامرون الشاشات حتى دفعت الحياةُ الجديدةُ قائلَهم ليقول:

" يا مقعدي بالدّار من عقب الاجلاس                        يا مقعدي بالدار مقعد مذلّي"

ولم تقف الأمور عند هذا الحد، فقد عصفت بأهلها رياح الحياة الجديدة فتركوا حقولهم و مواشيهم حتى لم تبق لهم زاقية أو ثاغية، وبحثوا عن الوظيفة في دوائر الحكومة وما شابهها، و بدأوا بالهجرة في مواسم الطيب صالح وهم في هجرتهم هجروها وبتركهم تركوها. في بادئ الأمر كانت تحظى منهم بزيارات، ولكنها كانت تقل رويداً حتى انعدمت أو كادت، وكانت الهجرة في البداية بذريعة العمل و الدراسة و...و...و  غيرها حتى أصبحت ترفاً اجتماعيّاً، وهم لا يعلمون أنهم بفراقها يدفعونها للخراب والاندثار. وها هي اليوم تشكو من أبنائها العقوق، وتقيم كأم تعبت وأعطت لأبنائها ما تستطيع ولكنهم عندما كبروا ألقوا بها في غيابة مأوى العجزة، ولولا بر من بعضهم لكانت في حال لا يعلمها إلا الله.

فقاطعتني قائلة : لا تلم من هاجر فقد تكون الظروف دفعته لذلك.

فقلت لها: ولم لم تدفع الظروف من بقي من أقرانِه وأمثالِه لذلك، إذ لا توجد وظيفة تلزمك بالإقامة في مكان ما، ولا توجد تلك المسافات البعيدة التي تحول دون العودة إليها، ولا يوجد ما يمنع من إقامة غرفة وغرس شجرة تفيء إليها، ليست الظروف هي التي نأت بهم ولكنه التحضّر المزعوم، فوضعوا أيديهم بأيدي المحن التي تكالبت عليها، فمن جحودهم لها ، إلى تقاعس أولي الأمر عن واجباتهم ومسؤولياتهم نحوها، فطالتها يد التهميش بمعاول التهشيم فأضحت دورها خراباً، و حدائقها يباباً، ولا زالت تنتظر العون من الله.

وهنا قالت: هل أهلها أصحاب علم؟

فقلت: نعم، وهم بذلك يبزّون أقرانهم، ولكنهم ليسوا أصحاب عمل ولذلك هجروها.

فقالت: لقد غرستها في نفسي، فلن أمضي لوجهتي نحو مونترويال الغرب، بل سأعود إلى مونترويال الشرق، سأعود معك إلى مونترويالك لأني أراك فيها عدتَ من غربتك لذاتك، وهذا الرصيف سأسميه رصيف الشوبك.

وأخذت بيدي في رحلة نحو الشوبك.

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner