Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

حَشْواتْ .. الإنتِخاباتْ

حَشْواتْ .. الإنتِخاباتْ

الإنحدار الذي وصلنا اليه في الأردن على مستوى الأفراد والمؤسسات والوطن ، غير مسبوق ، ويكاد لا يُصدق . حتى ما يُستحدث من تسميات واوصاف تكون رديئة ، لا بل وصفيقة أحياناً . فمثلاً ، قانون الإنتخاب سيء السمعة ، أفرز عادات ، وسلوكيات ، ومصطلحات غريبة ، ومُعيبة . فمثلاً ، إنتشرت بعض المصطلحات والتعابير  المُسيئة لمن تُطلق عليه ، اذا كان لديه قيم ومباديء ويستاء من  هذا التوصيف ، اما اذا كان من صنف  : سارحه والرب راعيها ، ولا تُحدث عنده الكلمات المسيئة فرقاً  ، فهذا شيءٌ آخر ، ومع كل الأسف هُم كُثر . فبعد ان كنّا أعِزاء أصبحنا أذِلاء نستمرء التوبيخ في سبيلِ مَكْسَبٍ رخيص .

 

ظهر في هذه الايام ، التي انتشر فيها الرُخص ، مصطلح (( حشوة او حشوات )) !؟ انا مواطن أردني بسيط ، تربيت في قرية بسيطة منسية ، تفتقر لكل شيء ، لكن فيها  الكثير من الكرامة ، والكرم ، والعزة ، والإباء ، والشمم ، لديّ موروث ، من والدتيّ عليهن رحمة الله ، ان الحشوة تُستخدم للفرشات والمخدات من صوف  غنم وشلايا والدي عليه رحمة الله . حيث كانت والدتيّ ، عند ( قصاص ) غنم والدي كانتا  تقتطعان جزءاً من صوف الغنم  لعمل فَرْشَاتْ ، ولحف ، ومخدات ، بعد حصولهن على موافقة مُسبقة من والدي  قبل أسابيع من ( القْصَاصْ ) والقصاص يعني : جَزِّ صوف الغنم ، توضيح ضروري الى جماعة الكورنفليكس ، يفرضة إختلاف البيئات ، والفارق بين قرية زحوم ، ومنتجع دابوق .

 

مصطلح ((حشوة )) ، هذا المصطلح المُعيب لمن لديه كرامة ، مصطلح بذيء ، فيه تحقير ، وإساءة كبيرة لآدمية الإنسان . معناه في الانتخابات النوائبية ، التي تُفرّخ للوطن نوائب متجددة ومتكررة كل اربع سنوات ، يعني هذا المصطلح على الصعيد التطبيقي ، ان ينتقي احد الميسورين ، من الذين يودون الترشح ، ليصبح واحداً من نوائب الوطن ، ينتقي عدداً من الاشخاص ، الذين يفتقرون لإنسانية الإنسان ، ليكمل عدد قائمته الانتخابية ، ويبدأ التفاوض معهم على مبلغ معين ، وعلى ما يبدو ان سعرهم الدارج في السوق ( ٣,٥٠٠ ) دينار ، (٥٠٠ ) دينار رسوم الترشح الصوري ، و ( ٣,٠٠٠ ) دينار ثمن الحشوة . وانا ارى انه رغم رُخص المبلغ وتفاهته ، فانني  ارى انه مرتفع مقارنة برخص الحشوات ، وان  الذي يدفع هذا المبلغ مغرر به ، ومخدوع ، ومضحوك عليه ، وكان عليه ان يربط السعر بالمسمى  ، فحشوة الفرشة الواحدة من الصوف لا تزيد عن ( ٣ ) أرطال ، أي ( ٩ ) كغم ، وبما انني لا اعرف ثمن رطل الصوف الان ، لكنني اتذكر ان والدي كان يبيع الرطل ب ( ١ ) دينار واحد في السبعينات ، وعندما استفسرت عن سعر رطل الصوف الآن تبين ان الاسعار تتفاوت ، فتوصلت الى ان معدل سعر الرطل =  ( ٣,٣٣ ) ثلاثة دنانير و ٣٣ قرشاً ، وعليه فان ثمن حشوة الفرشة تساوي = ( ٩,٩٩ ) تسعة دنانير و ٩٩ قرشاً ، وهذا يذكرني بتسعيرة أحذية ماركة باتا . وعليه انصح المشتري ان يصحح السعر ، ويتنبه ، ولا يُخدع ، ويُبتز ، لان هذا هو سعر السوق للحشوة .

 

ولم يكتفِ قانون الانتخاب المِسخ ، المتخلف ، بذلك المصطلح ، بل هناك مصطلحاً آخر هو (( التعريق )) . وهذا المصطلح له استخدامات كثيرة يصعب حصرها ، لكنني سأورد بعضاً منها : مثلاً : عندما يكون هناك مرشحاً قوياً يمتلك كافة جوانب القوة واهمها القوة المادية ، والاستعداد لتقديم مال الساقطين الرخيصين ، المال الأسود مثل لون وجه المشتري والبائع ، يخطط  احد الاشخاص للترشح ، لتتم مفاوضته ، ويُدفع له مبلغاً مُجزياً ، لإزاحته من طريق المرشح القوي . وهناك استخدام آخر ، عندما يكون المرشح متنفذاً في اجهزة الدولة ، ينوي احد الأشخاص  الطامعين في وظيفة متميزة ، ينوي الترشح ، لتتم مفاوضته ، ويَشترِط التعيين في الموقع الذي ينشده للإنسحاب . كما يُستخدم ( المُعَرَّق ) ، اذا صحّ التصريف ، كأداة ، بان يدفعه مرشح آخر ليترشح ، ليُضعف موقف مرشح آخر قوي ومنافس ، وذلك مقابل مبلغٍ  مجزٍ زاد في السنوات الماضية  عن ( ١٠٠,٠٠٠ ) مئة الف دينار وربما وصل الى نصف مليون دينار ، حسب ما سمعنا . 

 

نعرف ان الحشوة ، إما للنوم اذا كانت فرشة ، او للتَلحُفِ بها اذا كانت لِحافاً  من صوف ، او ( للتَرَكِّي )  ( يِتْمَرْگى ) اذا كانت الحشوة مِخدة . أما ان يحولها المستفيدون من قانون الانتخاب المشوه ، الذي شوه عاداتنا وتقاليدنا ، ورَخَّص إنساننا ، الى بيع إنسان في سوق لا يشبه شيئاً الا سوق النِخاسة ، فهذا كثير جداً على شعبنا ، الذي شَوهه ، ومَزقه ، وشَتته ، وأطاح ببنيته المجتمعية التي كانت قوية ، فانتشر  التناحر ، والتنافس غير الشريف ، وانتشر الكذب والزيف ، لدرجة ان ابناء العمومة الذين كانوا متوادين متراحمين متكافلين متحابين اصبحوا  متشاحنين ، متباغضين ، أعداء  .

 

كل الأوطان تنهض ، وتتطور ، وترتقي مع مرور الزمن ، الا نحن في هذا الوطن ، المنكوب ، المنهوب ، ننحدر ، مع مرور الزمن ، بسبب قوانين مشوهة ، إشكالية ، خُطط لها في ليلٍ عدائي بهيم  لتوصل الغث ، وتُبعد السمين . وأختِمُ ببيتينِ من الشِعر :-

وكسبُ المالِ للمخلوقِ حقٌ / ولكن لا تَبِعْ شَرَفاً بمالِ .

وإنَ المالَ قد يأتي ويمضي / وأنتَ وما ملكتَ الى إرتِحالِ .

Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner