خاص بـ "خبرني"
اعتلى منصة جامعة الحكومات العربية ثلاثة ثوار قادوا وزراء الخارجية المجتمعين من آذانهم لفرض عقوبات إقتصادية لن تلحق أدنى ضرر بنظام بشار الأسد وتلحق أضرارا كثيرة بالشعب العربي السوري، فتوسط الثلاثة رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها وجلس عن يمينه نبيل العربي وعن يساره داود أوغلو وزير خارجية تركيا، ومن حولهم وأمامهم وزراء الخارجية العرب الذين لا يمونون على غسل وجوههم وأيديهم.
المنظر كان في غاية السخرية والوجع واللامعقول، وحتى لا ينشغلوا بالبحث عن العقوبات أخرجوا من أدراج الجامعة الإتفاقية العربية المرحومة التي تلزم النظام العربي بمقاطعة العدو الصهيوني والتي تحتفظ بها دمشق من دون كل عواصم الممانعة والإعتدال وإعتمدتها لإلحاق الأذى بالشعب السوري.
لابد من الحديث عن الثوار الثلاثة أولا، فالمسؤول القطري أنهى دراسته الجامعية في جامعو لومومبا، وحصل على شهادتي الماجستير والدكتوراة من جامعة هافانا، قاد الربيع المصري حتى أسقط مبارك وقاد الربيع التونسي حتى طرد زين العابدين وتصدى لقيادة ربيع الليبيين حتى أجهز على معمر القذافي وواصل قيادة ربيع اليمنيين حتى أجبر علي صالح على توقيع المبادرة الأمريكية – الخليجية وقبل هذه كلها قاد ربيع قطر حتى مكن الأمير حمد من الإطاحة بوالده وطرده إلى دولة الإمارات، أي أن ربيعا قطريا قاده حمد بن خليفة ضد والده خليفة بن حمد الذي كان يقضي إجازة في سويسرا ويعود الفضل في هذا الإنقلاب للشيخ حمد بن جاسم رئيس الوزراء ووزير الخارجية الذي يشك أمير الدولة في ولائه فقطعت الشيخة موزة وأبناء الأمير كل علاقاتهم برئيس الوزراء لدرجة أن الأمير لا يأمن أن يغادر قطر دون أن يصطحب معه هذا الرئيس، أما نبيل العربي فهو واحد من إفرازات الرئيس أنور السادات الذي سلم شؤون مصر لواشنطن وتل أبيب وعمل فيما بعد مع الرئيس حسني مبارك، ثم فرضته دول مجلس التعاون الخليجي لتولي منصب أمين عام جامعة الحكومات العربية، أما عن يسار الشيخ حمد فقد جلس وزير الخارجية التركي، أي وزير خارجية أول دولة إستعمارية تحتل وطننا العربي وتعيث فيه قتلا ونهبا وإذلال ومحاولة دائمة لإنتزاع هويته القومية وتدمير لغته العربية وتعليق المشانق للقادة العرب وخاصة في ساحات الشهداء في دمشق وبيروت وعلى إمتداد ساحة الوطن العربي، وقد إبتسمت في سخرية من طلب تركيا من سوريا الإعتذار عما فعلت لها، وتصورت أن السوريين ينتظرون الإطلاع على الإعتذار الصهيوني لتركيا لينقلوا عنه الإعتذار عما فعله الجيش الصهيوني بالباخرة مرمره وبتسعة شهداء أتراك ذهب دمهم هدرا ولم يقدم العدو إعتذارا كاذبا لأنقرة!
هذا هو الثلاثي الذي بات يقود الربيع العربي الذي يستوقف كل منصف حريص على سوريا الوطن وسوريا الشعب ويدفعني إلى طرح عشرات وعشرات التساؤلات التي لا يصعب الإجابة عنها، فالحرص التركي الكاذب على الشعب السوري لا يتفق وأربعة قرون تركية من الإذلال للأمة والفتك بها وتحويل كل شبر في وطننا إلى بقرة حلوب تجمع الإمبراطورية العثمانية حليبها ولا تترك لها ما يقاوم جوعها أو عطشها، فالذين فتكوا بالعرب لا يمكن أن يكونوا حريصيين على جزء منهم، فالإسلام الأمريكي الذي يحكم تركيا يوجه سياساتها المعادية لنا، فعندما فجر الليبيون ثورتهم أخذت تركيا موقفا مؤيدا لمعمر القذافي حتى تلقت وعودا من الأمريكيين والأوروبيين بأن حصة أنقرة مضمونة فتغير الموقف، والموقف التركي الحالي والممارس لا يعكس أدنى حرص على الشعب السوري ولا على ثورته وإنما تستهدف سوريا الوطن والشعب، وكل هذه التهديدات لنظام بشار الأسد لم نسمع بمثلها للعدو الصهيوني الذي أقامت معه نظامها بإسلامه الأمريكي أقوى وأعمق العلاقات وماتزال قائمة حتى اللحظة رغم كل الإحتقار الذي مارسه العدو الصهيوني ضد الصديق التركي، وإذا كان الكثيرون أبدوا إعجابهم برجب أردوغان وحكومته في موقفه الزائف من القضية الفلسطينية، وإذا كان بشار الأسد يقتل شعبه فإن الفعل ذاته يمارسه أردوغان، وهو يواصل قتل الأكراد من شعبه ويهاجم العراق ليلاحقهم بدباباته وطائراته وجنوده، وتركيا التي إغتصبت لواء الإسكندرون عام 1939 وترفض عودته إلى الوطن الأم، وتركيا التي تؤكد مطامعها في شمال العراق هي تركيا التي تزعم أنها ضد إحتلال فلسطين، وتركيا التي إحتلت نصف جزيرة قبرص وتصر على فصلها في دولتين بل وتمنعها من التنقيب عن النفط في مياهها الإقليمية تسعى إلى معاقبة سوريا وليس نظامها موظفة موقعها وسياساتها لخدمة أمريكا والإتحاد الأوروبي والعدو الصهيوني ( إحتلت تركيا شمال قبرص عام 1975 وأعلنتها دولة تركية لا يعترف بها سوى تركيا عام 1983) الموقف التركي مما جرى ويجري في سوريا هو إستمرار لموقف الدولة العثمانية الإستعمارية من الوطن العربي كله، وهي بإسم الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي تهدد وتتوعد سوريا تحت زعم زائف هو حماية المدنيين السوريين، ولأول مرة يدعو الأوروبيون تركيا لحضور إجتماع أوروبي مخصص لفرض عقوبات على الشعب السوري رغم رفض أوروبا منح تركيا العضوية في إتحادها، وبهذا تكون أنقرة عضوا في جامعة الحكومات العربية وعضوا في الإتحاد الأوروبي رغم أنها ليست عضوا هنا وليست عضوا هناك رغم خدمات أنقرة المشبوهة والممارسة ضد الوطن العربي، وعندما زار رجب أردوغان مصر وطلب أن يزور غزة رده المصريون لأنهم يدركون علاقاته مع العدو الصهيوني ومزاعم تأييده للشعب العربي الفلسطيني.
إن الوطن العربي في تآمر أنظمته عليه فتح كل الأبواب للقوى الإستعمارية حسب الترتيب الزمني لغزوها لنا، فبدأت الإمبراطورية العثمانية التي كانت أول دولة إستعمارية لوطننا وأكثر دولة في وحشيتها وعنصريتها ومحاولاتها لتغريبنا في وطننا وتتريكنا وطنا وأمة وقومية ولغة، وتلتها القوى الإستعمارية الأخرى كبريطانيا وفرنسا وأمريكا، ثم هاهم يصطفون مجتمعين في العودة إلى إذلالنا ونهبنا وفرض التبعية علينا، وكان كل نظام عربي يقوم بدوره المتواطىء البعض بثرواته والبعض بموقعه والبعض بإستمرائه الذل والعمالة للقوى الغربية المعادية لأمتنا.
إن الأمر المؤكد أن أنقره المرتبطة بالعدو الصهيوني بعلاقات إستراتيجية إختلفت ظاهريا مع العدو الصهيوني إختلافا لم يدفع بها إلى إلغاء العلاقات والإتفاقات الإستراتيجية مع هذا العدو كما فعلت مع الجار السوري المسلم والعربي وتبدو جاهزة للعب دور العميل لواشنطن وأوروبا وقد يكلف هؤلاء أنقرة بتنفيذ كل ما يطلب منها هؤلاء الأعداء تنفيذه ضد سوريا، وسنرى أية كراهية وأية أحقاد يحمل العثمانيون الجدد المعتنقون للإسلام الأمريكي، ولا ننسى الدور الذي قاموا به عند غزو العراق عام 1991 وغزو العراق عام 2003، فهم لا يمثلون السنة ولن ينجحوا في خداع البعض بزعم أنهم مع الشعب الفلسطيني بينما يعادون بقية الأمة وهذا أمر مؤسف ومدمر للعلاقات المفترض أن تقوم بين تركيا المسلمة وبقية المسلمين. [email protected]



