الرئيسية/فيس بوك تويتر
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

ثورة النكت الفيسبوكية

ثورة النكت الفيسبوكية

أكثر ما أزعج الجنرال "شارل ديغول" رئيس فرنسا سابقاً هو أن النكتة السياسية والرسوم الكاريكاتورية لم تعد تَعِرْهُ أي اهتمام في أواخر فترة حكمه، فقال حينئذٍ بحزن :" لقد تدنّت شعبيتي في فرنسا، فأنا لا أرى نفسي في الرسوم الكاريكاتورية، ولا أسمع إسمي في النكتة التي تنتقدني"...

يا سلام لو أن الوضع لدينا في نكت العالم الافتراضي السياسية التهكمية في الفيس بوك وإخوانه من الممكن تفسيرها بحسن نية كما فسرها 'شارل ديغول' بأن له شعبية !! حبذا لو كانت ثورة النكت الحالية عندنا بدافع الحب لا بدافع الحقد والكره. وهيهات...

"ناجي العلي" على الرغم أنه أشهر رسام (كاريكاتير) إلاّ أنه لم يكن مضحكاً، وإنما  كان وما زال يرسم على وجوهنا عندما نرى رسومه الساخرة ابتسامة ولكنها مُرّة، وحين سألوه لماذا لا تضحك؟؟ قال:" من يطلب النكتة في العالم العربي فعليه ألاّ ينظر الى الكاريكاتير بل الى الواقع السياسي العربي" !! لذلك تعتبر متعة النظر لرسوم ناجي العلي هي فرح مؤجل كالحلم الفلسطيني والعربي المؤجل !!! وهيهات...

أدرجت مثالين عن النكات والكاريكاتيرات الساخرة كلاهما بنكهة الحسرة والمرارة على مجتمعنا العربي رغم الفارق الكبير بين الاثنين؛ فالأول ينمّ عن (الحبّ) في نقد بنّاء لرئيس دولة عظمى، كان ذلك الرئيس يتلقّاه أيضاً بحبّ دون تجريم الفعل الكترونياً أو معاقبة شعبه، وهذا مفقود في مجتمعنا العربي بالطبع لأن النكات الساخرة عندنا لا تنمّ إلاّ عن (حقد وبغض وكره) لأصحاب المناصب والسلطة، وعلى النقد غير البنّاء لدرجة الشخصنة أحياناً للأسف الشديد.

أما المثال الثاني فهو يشي أيضاً بذات المشاعر من الحسرة والألم في كاريكاتيرات العلي لواقعنا العربي، يبدو أننا العرب مكتوب علينا العيشة بالوجع فحتى نكاتنا ما هي إلاّ تنفيس عن واقع مؤلم وليس للضحك والتسلية أو حتى الحبّ كالباريسيين وباقي شعوب العالم، فالاستغراق في البوح بنكت من باب السعادة والحبّ (ترفاً) لا نعرفه نحن العرب إلاّ لِماماً ..

نشهد اليوم ثورة حقيقية ولكنها (ثورة نكت ساخرة) في العالم الافتراضي، شكراً للفيس بوك وإخوانه لأنه ساعدنا للتنفيس عن آلامنا، وساعدنا أيضاً على (التأقلم) مع هذا الواقع المطبق والمرهق ..

كثرة استخدام النكت في الوقت الحالي ما هو إلاّ ميكانيزم دفاعي لقهر القهر، وتعبير عن صراخ الصامتين؛ فهي محاولة للتنفيس عن المكبوت والمسكوت عنه. هذا ما تبقّى لدى الإنسان المقهور والمهدور للأسف الشديد، وفي ظل عصر الإنترنت والهواتف الذكية لا يمكن التحكم في مصدر صناعتها أو ضبط إيقاعها ولا حتى إيقاف رواجها وسرعة انتشارها؛ فهي لسان الحال لقهر القهر..

الإسهال الكتابي بنكات ساخرة تارة ولاذعة تارة أخرى دون توقف على وسائل التواصل الاجتماعي في هذه الأيام  على وجه الخصوص تنطوي على مضامين وأبعاد اجتماعية سياسية جديرة بالتوقف عندها والتأمل فيها؛ فمن المعلوم أن النكت هي أحد التعابير الرمزية في المخزون الثقافي، وهي ركيزة أساسية لفهم المجتمع وما يدور فيه من أحداث، فهي مرآة المجتمع وتكشف سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن الجوانب الخفية في العقل الجمعي؛ من مواقف أو سخط أو رفض أو رغبات مكبوتة وكذلك التطلعات والآمال.

فما أن يحدث أمر ما في الوطن، أو وقعت زلّة لسان من شخص في موقع حساس-بقصد أو بدونه-، أو إعلان تصريح غير مسؤول من مسؤول، أو انكشف أمر ما، أو تورط مسؤول بمشكلة معينة، أو صدر ما يُعدّ نشازاً  أو غريباً، وغير ذلك من الأحداث الكثيرة المتسارعة مؤخراً، فنجد الألسن الافتراضية انطلقت بكثافة لتناقل النكت بهذا الخصوص، فتعجّ وسائل التواصل الاجتماعي جميعها بآلاف المنشورات بالتنكيت على ما حصل، ويتم إعادة مشاركتها دون أدنى تفكير أو تمحيص في فحواها أو حتى صحتها، فتتكرّر على صفحات الجميع صغاراً وكباراً دون استثناء.

كيف لنا استهجان هذا السلوك -حتى لو كان هجيناً- وهو السلاح الوحيد المتبقي بيد من لا حول لهم ولا قوة، والذخيرة غير القاتلة والمقبولة نسبياً للتعبير عن همومهم ومطالبهم وخذلانهم من ممثليهم في مواقع صنع القرار؛ فهم من خلال النكت الساخرة يعبّرون عن مشاعرهم المكتظة بالحرمان والمتخومة بالمعاناة والقلق من ضغوطات الحياة وغير ذلك من تجليّات الواقع المرّ والزمن الرديء.

العجيب بالأمر أن أغلب النكت لا تمتاز ببريق جمالي لافت للنظر، بل قد تكون سخيفة مرة وقبيحة مرات، ولكن سرعة انتشارها وأهميتها ترتبط بأهمية الحدث أو الشخص المرتبط بها، فهي نتاج فكري يطال كافة شرائح المجتمع، فلا أحد يسلم منها، وتعبر عما يجول في عقول السواد الأعظم من المجتمع. تلك التعبيرات الخيالية الطريفة والمضحكة تثير أحياناً السخرية، وفي أحيان كثيرة تثير الشفقة لما تسعى اليه من مبالغة وتهويل أو مراوغة وتشهير، وفي بعض الأحيان تكون تبسيط وتسطيح للأمور الهامة لا بل تسخيفها لدرجة يفقد الحدث أهميته. هذه (السخرية السوداء) قد تشكّل سلاحاً فتّاكاً، لأنها قد تذبح دون أن تجرح، لذلك يخشاها الكثير من المسؤولين سيّما التي تطالهم شخصياً.

 

كيف لا يلجأ المواطنون المطحونون (المسخمين)  حالياً الى آليات الهزل والضحك للتنفيس والتعبير عن الأفكار والأحاسيس المحرّمة والمكبوتة ؟؟ هل هناك آلية أخرى مباحة يا ترى؟؟ دعونا نتأمل في دوافع تلك الآليات قبل أن نحاسبهم عليها ونجرمهم الكترونياً !! أليس القهر والتفاوت الاجتماعي والطبقي والقمع المادي والمعنوي المسلّط على حريات الرأي والتعبير واستنزاف جيب المواطن تقود الى عواقب أكثر من ذلك؟؟ من المفروض شكر المواطنين على آليتهم الدفاعية (السلمية) تلك إزاء ما يحدث، لا كبتها وتجريدهم من حقوقهم في التعبير، على الأقل هذه الوسيلة وإن كانت أحد أشكال العنف اللفظي الافتراضي إلاّ أنها أقل خطراً من وسائل أخرى، لذلك حريٌّ بكم الفخر بهؤلاء المواطنين الذين يثورون ويرفضون ويشجبون ويتظاهرون في الواقع الافتراضي لا الواقعي، أليس ذلك أسلم لكم وللجميع وللوطن ؟؟!!

لكن لا تراهنوا على ذلك كثيراً، فهناك بركان يغلي تسبقه العاصفة، الرهان الوحيد هنا قوت المواطن وكرامته، فادعموه ولا تتركوه صيداً سهلاً لأصحاب الأجندات الخاصة؛ فالوطن بمواطنيه ولنا جميعاً ليس حكراً لأحد..

 

لا تنكروا أيها المسؤولين أن النكتة الآن هي ( التيرموميتر ) لرصد المزاج الشعبي ومعرفة مستوى وعيه، وإدراكه لما يحدث واستشعاره لخفايا الأمور، وأحياناً لجسّ نبضه، ومعرفة اهتماماته والقضايا التي تشغل باله، وهنا على وجه الخصوص تكمن الظرفية الخلاقة للنكتة وتوابعها، فهي صمام الأمن الاجتماعي حالياً. فلا يمكن بلع وهضم ما يحدث دون مهضّم النكتة، وتبقى النكتة سلاح الضعفاء في النقد خلال الأزمات وفي فترات الاستبداد، وما يميز النكت الافتراضية على الفيس بوك وغيره أنها سرعان ما تنتهي صلاحيتها ويتم استهلاكها بسرعة، فلا تخشوا منها ولكن احذروا ما وراءها ...

جميلٌ أن نضحك لأن في ذلك تنفيس وترويح عما نواجهه في هذه الحياة من قلق الوجود وخطر الحدود وإحباط الموجود، ولكن الأجمل أن نضحك من أنفسنا أولاً لما آل إليه حالنا..

من المؤكد أن يكون لنا في هذا الحديث من بقية... دمتم...

 

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner