الرئيسية/قضايــا
Khaberni Banner Khaberni Banner

تعود ألا تتعود

تعود ألا تتعود

يقول نجيب محفوظ : "قاتل الله العادة؛ فهي التي تقتل روح العجب والإعجاب فينا". والذي يدرك سلبيات التعود على شيء معين يرتكز على هذا المبدأ، وكذلك على مبدأ "المرء أسير ما تعود عليه".

من منا لا تسيطر عليه بعض العادات؛ والتي يسعى للتخلص منها لكنه يعود لها في كل مرة يقرر ذلك،ليشعر أنه مسجون بعاداته.

لا بأس إذا كانت الأشياء الذي تعود عليها الإنسان إيجابية، لكن الكارثة  إذا كانت سلبية، والمصيبة الأكبر هو إقتناع الشخص بصحة ما تعود عليه من أخطاء؛ لتصبح ممارسات لا يستطيع التخلي عنها، لشعوره بفراغ كبير وضياع إذا حاول أن يبتعد عن تلك العادة. ليصبح الإنسان غير قادر على التفريق بين الحب والتعود، ليكون مخلصا لإنسان ويحبه بشدة ولا يستغني عنه، وعند أبسط إختبار يصطدم بالطرف الآخر بأنه لا يبادله المشاعر ذاتها وبأنه تعود عليه فقط ليستطيع التخلي عنه عند أي فرصة أو توفر بديل.

للأسف الشديد أننا نعيش واقعاً قاسيا يجعلنا نغير وجهات نظرنا وتفكيرنا نحو الأشياء. ففي الواقع إذا أردنا الإحتفاظ بمن نحبهم علينا أن نكون قادرين على التخلي عنهم ، لأن القدرة على التخلي والتنازل عن الأمور تضمن لنا المحافظة عليها، لأن الإنسان بشكل عام يميل لمن يتخلى عنه وبمن يشعر بأنه يبتعد عنه، فكم منا تمسك بشيء ليجده إبتعد عنه أو إختفى، وكم منا لم يكترث لشيء أو شخص ليجده متمسكا به مذلولا ؛ باذلا قصارى جهده للبقاء معه.

معادلة عكسية بالتأكيد لا نستطيع تعميمها، لكنها منتشرة في ضل ظروف التشتت والخذلان وهي "تمسك بي أبتعد عنك؛ إبتعد عني أتمسك بك". لتتفاجىء بأغرب الأساليب المبهمة الضبابية، التي تتناسب مع أمراضهم النفسية وفهمهم الخاطيء للأمور، مستمتعين بلعبة الأكاذيب، متلذذين بطعم الخيانة،  ليصبح الإخلاص عدوهم. متناسين أن الإنسان لا يصنع الحب والكراهية والوفاء والخيانات، وأننا لا نختار قدرنا  بل نحن محكومون له، وأن ما نفقده الآن مع سبق الإصرار والترصد يعوضنا الله عنه فيما بعد.

لذلك علينا جميعاً أن نكون قادرين على التخلي عن أي شيء لا رجاء منه، وأن يكون النسيان هو السلاح السام والقاتل لمعركتنا، لأن النسيان هو وحده القادر على دفن من كنت تعتقدهم  عزيزين في مقبرة الذاكرة، واضعا أمامه جيشا وأحصنة ؛ وقلاعا من ألغام الصمت إستعدادا للتنازل  عن مريض نفسي لا يمتلك من المشاعر ما يستطيع أن يساعد بها نفسه؛ فكيف له بمساعدة الآخرين.

قال الفيلسوف إميل سيوران:"أن القدرة على التخلي هي المقياس الوحيد للإرتقاء الروحي حين نغادر الأشياء، وليس حين تغادرنا ". وقال أيضا " الوعي لعنة مزمنة، كارثة مهولة، إنه منفانا الحقيقي، فالجهل وطن والوعي منفى". وهذا ما يحدث في زمننا، يصنعون  بجهلهم  أوطان، وآخرون يشترون بوعيهم أطنان من الخيبات والعثرات، والقليل من الدهشة…..

مجمل القول ما قاله سليمان العودة" خير العادات ألا تعتاد شيئاً". وأضيف  أن لا تتمسك بشيء لأن الأشياء في زمننا تذوب وتتلاشى إلا إذا كانت العادة التي تعودنا عليها إيجابية تساعدنا على الإرتقاء بأنفسنا؛ وتحقيق النجاح. فكل إنسان يمتلك الحق في إختيار أنماط عيشه وتحديد رغباته حسب مبادئه وميوله، لكن عليه أيضاً مراعاة وإحترام رغبات الآخرين، وبدلا من السعي لتعويد الآخر على تصرفاته التي قد تكون خاطئة، عليه أيضا بالتعود على تقبل الآخر، وخرق النمط، وكسر الروتين.

والأهم هو إدراك الشخص لنفسه التائهة ومساعدتها على الخروج من متاهة الضياع إن وجد. لأن الفراغ الذي سيشعر به الإنسان بعد فقدانه التعود على شيء ما؛ ربما يكون متاهة أخرى يجب أن يسيطر عليها للمحافظة على نفسه وأن لا يخسر ذاته، وأن نؤمن بأن لا شيء دائم، وبأن كل الأشياء حولنا قابلة للتلاشي دون سابق إنذار.

 

 

 

 

 

 

 

 

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner