Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

تَرَجَّلَ ..آخِر المُناضِلينَ .. الشُرَفاءْ

تَرَجَّلَ ..آخِر المُناضِلينَ .. الشُرَفاءْ

 

يُقال أن إسم الإنسان إشْتُقَ من النسيان . لكن الإنسان مع انه لا يتذكر كل الأشياء والأحداث والأسماء ، فانه يُبْقِي في الذاكرة أُناساً يصعب ، لا بل ، يستحيل نِسيانهم . وعليه تَختزن الذاكرة دوماً الشخصيات التي لا تتكرر في أفعالها ، وقِيمها ، ومَبادئِها ، وصَلابة ، لا بل حَدِّية وجَدِّية إيمانهم بما إقتنعوا به ، فقَدَّموا الغالي والنَفيس في سبيل الحِفاظ عل تلك المباديء والقِيم ، التي بالتأكيد تكون سامية عظيمة ، تَستحِق التضحية مهما بلغت ، والعَناء حتى العذاب لِسِمُوها ورِفْعَتهِا .

 

نَتحدثُ دوماً عن الرموز ، الذين أبلوا بلاءً حَسناً ، وقَدَّموا عطاءاً عظيماً متميزاً ثقيلاً ليس في مقدور عامة الناس تقديمه ، لان من يَتصِف به ويَثبُت عليه يكون متميزاً ، لذلك يُصبح رمزاً . والرموز عادة ، لا يُصنعون ، بل هم يَصنعون الأحداث . وكاريزميتهم تجعلهم يتصدرون ، وفي القلوب والعقول يُحفظون ، فيستعصون على النسيان . ولا بد من ذكر جُزئية إنسانية أراها هامة ، وهي ان هؤلاء الرموز ، يماثلهم من يحتفظون بهم بذاكرتهم . لأن للرموز دوماً أعداء أشداء ، حاقدون ، كارهون ، لكنهم في الغالب إما ساقطون ، او منقادون .

 

تَرَجّْلَ اليوم  ٢٠٢٠/٤/٤ ، عن عمر ناهز  ( ٩٣ )عاماً ، فارساً بدوياً ، قومياً ، عنيداً ، صلباً ، لم تَقوى كل القوى على ليّ ذراعه ، لا بالإغراءات ، ولا بالتهديدات ، فتحمل عَذابات السجون ، وغَياهبها ، وعُزلتها ، وظُلمة لَيلها ، ورطوبة جُدرانها ، وقَهر وِحدتها ، والحرمان ، والبعد عن الأهل والأصدقاء والأحبة . غادرنا الى جنان الخلد ان شاء الله ، المناضل ، لا بل شيخ المناضلين الاردنيين والعرب المناضل القومي / ضافي الجمعاني ( ابو موسى ) . غادر الدنيا ، التي غَدرت به ، وعَذّْبته ، حيث حُكم عليه بالسجن في وطنه  الأردن ( ١٠ ) أعوام  ، وأَفرج عنه الرمز الاردني الأبدي وصفي التل بعد ان قضى منها  (٥) أعوام ، وحُكم لاحقاً بسنة إقامة جبرية . كما حُكم عليه بالسجن المؤبد في سوريا ، قضى منها في السجن (٢٣) عاماً . وعليه يصبح اجمالي الأحكام التي صدرت بحقه ( ٣٥ ) عاماً تقريباً .

 

المناضل القومي البطل / ضافي الجمعاني ، مانديلا العرب ، لم يكن شخصاً عادياً ، ولا حزبياً كباقي الحزبيين ، ولا مناضلاً كباقي المناضلين ، ولا معارضاً كباقي المعارضين ، بل كان مُتفرداً ، مُتميزاً بصلابته ، وعِناده ، وإصراره ، وقُدرته على تَحمُّل عذابات السجون . شخصيته مزيج بين صلابة وعناد أهل البادية ، وحَدّية وجَدّية الجُندية لانه تخرج من كلية ساندهيرست العسكرية البريطانية . يُضاف الى ذلك خِصاله الشخصية الإنسانية من إستقامة ، وصراحة ، وصِدق ، ونزاهة . كان زاهداً في الدنيا ، لم تُغرِه العروض السخية لو حاد عن نهجه . عاش حياة بسيطة جداً ، إبتعد فيها عن الترف والرفاهية ، وهذا لم ينتهجه عشوائياً ، وإنما ليكرس صلابته وقدرته على تحمل غياهب السجون . عائلته وأبنائه لم يهنأوا  به ، لانهم شبّوا وكبروا وهو بعيد عنهم . لكن ذلك لم يُثنه عن مبادئه ، فلم تلِن  له قَناة ، ولم يَتعب ، ولم يَجزع ، بل كلما إكفهرت الدنيا أمامه زاد شِدة وصلابة وإلتصاقاً بمبادئه ونهجه القومي . لقد كان أبا موسى جَلداً صبوراً ، يَقهر سَجانيه بثِباته على مبادئه .

 

أبو موسى ، ضافي الجمعاني ، أضفى على نفسه كاريزما تَخُصُه ، لانه أضاف نكهة خاصة للنضال ، والثبات على المباديء ، لم يضاهه أحد بالمطلق ، لذلك كان وسيبقى أيقونة المناضلين الاردنيين والعرب ولا نبالغ اذا قلنا العالم .

 

برحيلك يا مانديلا العرب ، ويا شيخ المناضلين ، يا أيقونة المناضلين ، ويا سنديانة المناضلين ، يرحل آخر المناضلين الشرفاء ، ويَضْمحِل مفهوم النضال والثبات على المباديء . وداعاً فقيد الوطن والأمة العربية ، وداعاً فقيد المباديء وقِيم النضال . الى جنان الخلد ان شاء الله . ولعائلتك ولكل تلاميذك ومحبيك حُسن العزاء .

Khaberni Banner