Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

تحقيق لافت للزميل عمر عساف

تحقيق لافت للزميل عمر عساف
عناق اسلامي مسيحي في سماء عمان..أرشيف رويترز

 عندما تقرع أجراس الكنائس حزنا على الشيخ     الأردنيون صاغت قيمهم القبيلة والعروبة وأخوة الدم والشهادة   عمان- عمر عساف * مشاهد أردنية المشهد الأول مأدبا (وسط الأردن)، إحدى أقدم المدن الأردنية وأكثرها عراقة. عام 1992يشيع نحو نصف مليون شخص، معظمهم من سكان المدينة مسلمين ومسيحيين جثمان النائب في البرلمان رئيس البلدية السابق الشيخ أحمد قطيش الأزايدة، العضو القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، وأول أمين عام لحزب جبهة العمل الإسلامي، فيما تقرع جميع كنائس مادبا أجراسها حزنا على فقيدها الشيخ. المشهد الثاني: بلدة أدر (محافظة الكرك) تطلب عشيرة البقاعين (المسيحية) من حليفتها التاريخية عشيرة المعايطة قطعة أرض معينة ليبنوا عليها كنيسة جديدة لهم، يوافق شيخ المعايطة على طلبهم بشرط: "يكون الخوري منا". المشهد الثالث: قرية الرفيد في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، يحل شهر رمضان في الشتاء، ويعاني مؤذن القرية من المرض الذي يمنعه من الأذان، وخصوصا أذان المغرب الذي يؤذن بفك الصيام، فيتطوع الخوري يوسف الناصر بقرع جرس الكنيسة عند حلول المغرب حتى يفطر سكان القرية المسلمون من أبناء عشيرة العبيدات. ويمضون على هذه الحال عدة أيام حتى تعافى المؤذن من مرضه. هذه القصص، رغم الحزن المتسربل من بعضها، والتفكه في بعضها، إلا أن الأرادنة يذكرونها كذلك في معرض التدليل على عمق العلاقة بين مسيحييهم ومسلميهم، خصوصا عندما يحاول الغرباء مناقشة طبيعة العلاقة بينهم. ومثل هذه القصص، عشرات أُخر، تزخر بها ذاكرة الأردنيين. يقول المهندس جهاد العبوي، أمين عام حزب الخضر الأردني، وهو مسيحي، أن الخوري يوسف الناصر، وهو من أخواله، كان يلقب بـ"خوري العبيدات" وهم عشيرة مسلمة. ويذكر العبوي عن والده أنه عندما كان يزور غبطة البطريرك أو سيادة المطران بلدة الرفيد، كان خيالة العبيدات وفرسانهم يستقبلونه عند أطراف البلدة في موكب مهيب، ويحفونه إلى أن يصل إلى منزل الخوري، كرامة لـ"أبونا يوسف". هذه القصص والحكايا ليست مرتبطة في القرن الماضي، فهناك من الشواهد على مدى تاريخ الأردن الكثير الكثير، ويتفق الجميع على حميمية هذه العلاقة، رغم اختلاف التفسيرات والآراء حول أسبابها.   علاقات صاغتها القيم القبلية   ويذكر العلامة الراحل روكس بن زائد العزيزي، وهو مسيحي، في كتابه الشهير "مادبا وضواحيها" أن العشائر الأردنية احتجت على القوانين العثمانية التي فرضت على أهل الذمة، والتي منها أن يلبس المسيحيون ملابس تميزهم عن المسلمين، ويضعوا علامات على أبواب منازلهم. ويضيف العزيزي أن السلطات العثمانية اضطرت إلى الاستجابة لمطالب شيوخ العشائر وإلحاحهم المستمر، فاستثني مسيحيو الأردن من هذه التعليمات، إلا أنه أبقي على إعفائهم من الخدمة في الجيش. ويشير متابعون إلى أن العلاقة بين مسيحيي الأردن ومسلميه في القرون الثلاثة الأخيرة، كانت نتاج البيئة الأردنية التي طغى عليها الطابع القبلي وسادها الانتماء إلى القبيلة أو القرية. وعلى ذلك كانت التحالفات تبنى بين العشائر في الغزوات والمعارك الدائرة بينهم على أسس الجوار أو القربى، فسكان مدينة السلط عاصمة منطقة البلقاء التاريخية، كانوا يقسمون إلى قسمين حتى الآن، وهما "الحارة" و"الأكراد" وتقوم الاصطفافات إلى الآن، وهو ما يبرز في الانتخابات البلدية والنيابية، بحيث يصطف مسيحيو "الحارة" مع مسلميها، ضد مسيحيي "الأكراد" ومسلميها. وحنى الآن يتباهى أبناء قبيلة العدوان، المشهورة في البلقاء، بعلاقة النسب والخؤولة والحلف بينهم وأهالي بلدة الفحيص، القائمة منذ نحو 300 سنة، عندما انتصر الشيخ ذياب العدوان للفحيصية ووقف معهم ضد أمير البلقاء آنذاك الشيخ جوده المهداوي الذي أراد أن يتزوج ابنة خوري البلدة غصبا، واستطاع العدوان وأهالي الفحيص أن يقضوا على المهداوي وقبيلته. ولا تزال قبيلة المجالي الكركية ذائعة الصيت تذكر بالود تحالفها التاريخي مع عشيرة الزريقات. يقول الأب رفعت بدر، عضو الاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة والمشرف على موقع "أبونا" الإلكتروني، أن التدين لم يكن فرديا في الأردن، وإنما كان الفرد يتبع عشيرته أو قريته في دينها. ويلاحظ أن كثيرا من العشائر الأردنية تجد قسما منها يدين بالمسيحية، والقسم الآخر مسلم، ولا يمكن معرفة المسيحي من المسلم فيهم إلا يومي الجمعة أو الأحد.   تجاور البشر والحجر   الأب بدر يعرض لتاريخ المسيحية في الأردن، بالإشارة إلى أن "هذه الأرض شاءت الإرادة الإلهية أن تكون مهبط الديانات المسيحية الثلاث". وهو يقفز عن المعالم التاريخية والأثرية التي توضح بجلاء قدم وجود المسيحية على الأرض الأردنية، وتجاورها مع الآثار الإسلامية، ليشير إلى أن العلاقة "تتجاوز تجاور الحجر إلى تجاور البشر". ويفصل بالقول أن الروابط التي تجمع أهل هذه الأرض هي :"روابط الدم والأخوة والوطنية والقومية". فالأصل العرقي واحد، "كلنا عرب (...) تجمعنا روابط الأخوة والتعاون (...) ونتعلق بروابط الوطنية الأردنية والقومية". ويتابع "ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا (...) والدين الذي يدعو إلى التفرقة ليس دينا سماويا". ووفق الأب بدر، فإن عدد سكان الأردن، هو 5 ملايين و 400 ألف نسمة، وعدد المسيحيين فيه هو 245 ألف و 249 نسمة . وبلغة النسب المئوية هو 4,5 % وهذا هو عدد المسيحيين الأردنيين بتاريخ 1222008 ويتابع الأب بدر أنّ العدد "يشمل كل من يحمل الجنسية الأردنية وبات مسجلا لدى الأحوال المدنية. وبالطبع، هنالك العديد من المغتربين المسجلين، لكنهم لا يسكنون في الأردن". الكاتب والقاص والباحث الأردني مفلح العدوان، الذي أرخ للقرية الأردنية، في سلسلة "بوح القرى" التي نشرها على مدى أربع سنوات وأخرج الجزء الأول منها قبل شهر، يعتقد أن مرجعية العلاقة الحميمية بين المسلمين والمسيحيين في الأردن تعود إلى "تداخل دماء شهداء العقيدة على ثرى هذه الأرض منذ بداية الدعوتين وتراكمهما على بعضهما". ويسرد العدوان لـ"النهار" أسماء عشرات الشهداء من الديانتين الذين تحمل القرى رفاتهم، مشيرا إلى أن "هذه الأرض وعت وزرعت بعفوية هذا الوعي في وجدان أبنائها، فكان التعايش العقدي على أرض الواقع ذا جذور عميقة تحكمها العروبة". ويستشهد بأن مسيحيي الأردن في العهد المملوكي لم يكونوا يلبسون غطاء الرأس الأزرق الذي فرض على بقية المسيحيين في العهد المملوكي". ويؤمن بأن هذه المعاملة تعود بجذورها إلى العهدة العمرية التي كتبها الخليفة عمر بن الخطاب إلى أهل "إيلياء" القدس وما جاورها وأمنهم فيها على كنائسهم وبيوتهم وصلبانهم. وسبقها رسالة "الأمن والأمان" التي كتبها الرسول محمد إلى حاكم "إيلة" العقبة. ولاحظ العدوان خلال تجواله في القرى الأردنية، اختلاط بيوت المسلمين والمسيحيين وتجاور الكنائس والمساجد في الكثير منها. ويضرب مثلا لعلاقة الجوار، قرية الرميمين في محافظة البلقاء، وهي مسقط رأس مطران اللاتين في الأردن المطران سليم الصايغ، فيقول أن هناك سور مشترك ومدخل واحد يفضي إلى الكنيسة والمسجد المتجاورين. ويذكر الأب بدر، وهو من الباحثين المتعمقين المتابعين للوجود المسيحي في الأردن والشرق العربي، أن أول جماعة مسيحية تشكلت بعد جماعة الرسل التي أنشأها السيد المسيح، كانت في قريتي جدارا (أم قيس) وبيلا (طبقة فحل)، بعد أول لجوء سياسي في التاريخ عندما فر المسيحيون من بطش الرومان في فلسطين إلى هاتين القريتين في شمال الأردن، وليبنوا أقدم كنائس عرفتها البشرية هناك. وهو يشير إلى "نهر الأردن الخالد" الذي تعمّد السيد المسيح على شاطئه الشرقي في منطقة "المغطس" على يد يوحنا المعمدان، لتنطلق المسيحية من هذه الأرض "لأن المعمودية دشنت حياة المسيح العملية والرسمية. ويشدد الأب بدر على أن التاريخ "لا يذكر أبدا انقطاع الوجود المسيحي عن هذه المنطقة رغم كل الأعاصير الطبيعى والبشرية".   حضور فاعل   ويلفت الأب بدر إلى أن المسيحيين الأردنيين، رغم قلة وجودهم العددي، إلا أن حضورهم كان وما يزال فاعلا، وخصوصا منذ تأسيس إمارة شرق الأردن بقيادة (الأمير آنذاك) الملك المؤسس عبدالله بن الحسين. ويضيف أن المسيحيين منذ أول حكومة ومجلس تشريعي كن لهم وجود وتأثير، مستذكرا الراحل الشهير "عودة القسوس" الشخصية الوطنية الأردنية الشهيرة مثلا لذلك، في الحكومات والمجالس التشريعية المتتالية. ويحيل في هذا المجال إلى كتاب الدكتور معن أبونوار "تاريخ تأسيس إمارة شرق الأردن" الذي يسهب في الحديث عن مساهمة المسيحيين في الحياة السياسية الأردنية. وفوق الحضور السياسي والاجتماعي، يؤشر الأب إلى التأثير التعليمي والمعرفي الذي تصدت له الكنائس الأردنية. وينقل عن الأب الدكتور حنا كلداني في كتابه "تطور المؤسسات والكنائس المسيحية في الأردن وفلسطين في بداية القرن التاسع عشر والنصف لأول من القرن العشرين" أن وثائق الكنائس تدل على أنه كان لها مدارس، وهي منذ تأسيسها كانت مفتوحة لجميع الطلبة من مسيحيين ومسلمين. ويؤكد الأب بدر أن هذه السياسة "ما زالت قائمة حتى الآن" ويشدد على "أننا لسنا تبشيريين ولا نتبع الانتهازية التي تسعى إلى استمالة الآخرين بمختلف المغريات إلى دينهم". ما يقوله الأب بدر في هذا الباب يؤيده كاتب هذه السطور، وهو مسلم، لكنه اختار لبناته أن يدرسن في المدرسة الأهلية للبنات التابعة للكنيسة الإنجيلية العربية، وهي إحدى أعرق المدارس الأردنية، لأنها تربي طالباتها على الحس القومي العربي وتجذر فيهن قيم التعايش والتسامح والتآخي.   مسلمو الثقافة مسيحيو الديانة   بهذه العبارة يعرّف النائب المسيحي في البرلمان السابق الدكتور عودة قواس المسيحيين الأردنيين. إذ يقول: "نحن نفتخر بأن ديانتنا مسيحية ولكن ثقافتنا عربية إسلامية". ويفصل ذلك بالقول: "أنا أتعامل مع أهل بيتي تماما كما يتعامل جاري المسلم مع أهل بيته (...) وتحكمي منظومة القيم والعادات والتقاليد ذاتها التي تحكم المسلمين، التي في جزء كبير منها تنبع من القيم الحضارية التي ينادي بها الإسلام، والتي لا تختلف كثيرا عما تنادي به القيم المسيحية". وقواس، الذي ينتمي إلى التيار القومي، لا يمكنه أن يتصور المسيحيين الأردنيين أقلية أو أنهم يعاملون على هذا الأساس. وهو يصر على أن المسيحيين "جزء من النسيج الوطني الأردني. ويرفض قواس بشدة أن يعامل وفق امتياز أو محاصصة، "ولماذا يكون ذلك طالما أننا أردنيون وأبناء هذه الأرض منذ نشوء المسيحية، وطالما نتمتع بجميع حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور". ويلفت الباحث والكاتب السياسي جمال الطاهات إلى أن المسيحيين كانوا مؤثرين في الحياة السياسية الأردنية بشكل واضح جدا، ليس فقط في السلطة، بل والمعارضة كذلك، إذ كان منهم الكثير من الزعامات التاريخية التي قادت المعارضة الأردنية وأسست أحزابا يسارية، مثل الدكتور يعقوب زيادين أحد مؤسسي الحزب الشيوعي، والدكتور منير حمارنة الشيوعي وعالم الاقتصاد، والسيدة إملي نفاع، الرائدة في العمل النسوي. كما كان لهم باع في بناء النظام القضائي الأردني.   العلاقة مع الإسلاميين   الأمين العام السابق لحزب جبهة العمل الإسلامي القيادي في جماعة الإخوان المسلمين النائب الشيخ حمزة منصور، يؤكد أن المسيحيين العرب والأردنيون خصوصا "جزء من أمتنا وشركاء في بناء حضارتها وثقافتها وتاريخها وحتى المصير". وهو يقول: "لا تعجب أن تجد أن العلاقة هي في أحسن صورها وتصلح أن تكون نموذجا يحتذى به، بما في ذلك العلاقة بين الحركة الإسلامية ورجال الدين المسيحي الأردنيين التي تتمتع بالقوة والمتانة". ويستشهد بالعلاقة المتميزة التي تجمع قيادات الحركة مع المطران المناضل عطالله حنا "الذي استضافته جمعية الإخوان المسلمين في مقرها ودعت مئات الشخصيات الوطنية على شرفه". وقبل أيام قليلة استضاف الحزب الدكتور منير حمارنة أمين عام الحزب الشيوعي الأردني للتحدث في مقر الحزب عن الوضع الاقتصادي في الأردن، ورافقه الشيخ منصور في ندوة في مدينة الكرك (جنوب). ويشير إلى أن أحد الأعضاء القياديين في الحزب وهو عدنان مساعدة القيادي في شعبة الدائرة الثالثة بعمان وهو مسيحي. "فالباب مفتوح في الحزب لكل من يؤمن بأهدافه بصرف النظر عن معتقده". ويستذكر الشيخ منصور، الذي يقود كتلة نواب الحركة الإسلامية في البرلمان، علاقات التعاون الدائم بين الحزب ومختلف الأحزاب الوطنية والقومية الأردنية التي يترأس عددا منها مسيحيون، وكذلك النواب المسيحيين في البرلمان". وهو على الصعيد الشخصي تربطه علاقات وطيدة وحميمة بأصدقاء مسيحيين يتزاور وإياهم ويبادلهم الصداقة والمودة. والحركة، وفق منصور "تفرق تماما بين المسيحيين العرب أبناء هذه الأمة وبين من تهوّد وتصَهْـين من مسيحيي الغرب". الرعاية الهاشمية للمسيحيين روى أحد المقربين من الملك الراحل الحسين بن طلال لمراسل "النهار" قصة، كان شاهدا عليها. يقول أن الحسين تلقى رسالة عاجلة من حفيدة امبراطور الحبشة (أثيوبيا) السابق هيلاسي لاسي، تطلب منه بصورة عاجلة لا تحتمل التأخير مساعدتها ماديا لتغطية نفقات علاجية، وأنها لم تجد أحدا في الدنيا تلجأ إليه سواه. وصادف أن جاءت الرسالة في يوم عطلة والبنوك الأردنية مغلقة. ويضيف الراوي، وهو إعلامي عمل في معية الملك فترة لا بأس بها، أن الحسين وقع في حال من القلق والإحراج، واغتم كثيرا، وصار كمن ضاقت الدنيا أمامه واسودت من حوله، وتوترت أعصابه، إلى أن أبلغه أحد كبار موظفيه أن المشكلة حلـّـت من خلال اتصالات مع أحد فروع البنك العربي وتم تأمين المبلغ المطلوب للسيدة الحبشية. ويتابع: "عندها انشرح وجه الملك وأشعل سيجارة أخرج مع دخانها تنهيدة عميقة، وقال: "الحمد لله أن خرجنا ببياض الوجه". فسأله: "ولكن يا صاحب الجلالة كان بالإمكان الانتظار إلى أن تفتح البنوك، كما أنك لست ملزما بمساعدة هذه المرأة، حتى أنك لا تعرفها لتهتم لأمرها إلى هذا الحد وتغتم لأجلها؟. فأجابه الحسين: "لهذه السيدة دين في عنقي (...) هل نسيتم أن جدها وقف مع جدي وأجاره يوم لم يجد من يجيره". وكان يقصد النجاشي ملك الحبشة المسيحي، الذي أجار المسلمين الذين أرسلهم الرسول محمد وقال لهم :"إن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد". ففتح لهم باب الهجرة إلى بلاده ورفض أن يسلمهم إلى قريش عندما طلبت منه إعادتهم. هذه الحادثة تشي بالحساسية المفرطة التي كانت عند الملك الراحل حيال المسيحيين، المرتكزة إلى ما كان يؤمن من تراث جده الرسول وعلاقته الحميمة مع المسيحيين مثل الراهب بحيرة وحاكم العقبة والمقوقس(القبطي) حاكم مصر، والنجاشي، الذي صلى عليه النبي صلاة الغائب عندما علم بوفاته، ووصاياه لأصحابه بالاهتمام بهم. ويشهد تاريخ الهاشميين في الأردن على موقفهم الثابت في الاعتناء بالمسيحيين الأردنيين والاهتمام بهم، وحرصهم على إرساء حال من التعايش بينهم والمسلمين. وهم لم يكونوا يفوتون عيدا عند المسيحيين إلا واغتنموه لتهنئتهم. وحتى في الإفطارات الرمضانية التي يقيمها الملك الراحل وخلفه الملك عبدالله الثاني، يكون رجال الدين المسيحي ضمن قائمة المدعوين. هذا الاهتمام بالمسيحيين، يجد له سندا آخر غير إرث علاقة الرسول بهم، وهو أن العائلة المالكة جعلت منذ تأسيس المملكة، الوسطية والاعتدال مبدأ ثابتا في سياسة الدولة داخليا وخارجيا. ويشير الأب رفعت بدر إلى أنه، إضافة إلى تمتع المسيحيين بحرية العبادة وإقامة شعائرهم وطقوسهم الدينية. فهم "يتمتعون كذلك باستقلالية وحرية تامة في إدارة شؤونهم الكنسية وتطبيق القوانين الكنسية المتعلقة بالأحوال الشخصية من المواريث والتركات والزواج والطلاق تماما كما يطبق المسلمون قوانينهم للأحوال الشخصية في المحاكم الشرعية". ويؤيد ذلك الدكتور قواس الذي يلفت إلى أن "هناك قانون يرعى الخدمات الاجتماعية لهم (...) واعتراف رسمي بكنائسهم، كما أن لهم محاكمهم الكنسية التي تحكم باسم صاحب الجلالة تماما مثل بقية المحاكم النظامية والشرعية".   هل هناك خوف على المسيحيين ؟   يجيب الكاتب السياسي في صحيفة "الرأي" اليومية كمال مضاعين (مسيحي) بـ"لا" كبيرة"، منبها إلى أنه لم يشعر أبدا أنه جزء من أقلية. ويضيف مضاعين: "عندما أنظر إلى ما يحدث في بعض الدول المحيطة أحس براحة عميقة لكوني أردني" ويتابع "لا أخشى شيئا هنا لأني شعر وأمارس دوري بوصفي جزءا فاعلا في هذا المجتمع وأنتمي إلى العروبة الضاربة في هذا البلد من عهد الغساسنة والتغلبيين قبل مئات السنين". أما الأب بدر، فهو كذلك لا يحس بشيء من الخوف، وهو يشير إلى أن الدستور الذي يكفل حق المواطنة للجميع ويحمي حرية العبادة والعلاقات العميقة بين الأردنيين وحرص العائلة الهاشمية المالكة على إشاعة التآخي والمساواة، كل هذه وغيرها لا تبقي مجالا لأي خوف على مستقبل المسيحيين الأردنيين. قواس لا يبتعد عن الأب بدر ومضاعين في هذه الرؤية، وهو لا يرى أن هناك مشاكل تواجه المسيحيين بسبب ديانتهم. ويقول: "هناك مشاكل ديمقراطية وهناك مشاكل في حرية الرأي في كل الوطن العربي وليس في الأردن (...) وهي ذات المشاكل التي يعانيها بقية الأردنيين والعرب بتفاوت من بلد إلى آخر في هوامش الحرية المتاحة، لكن المشاكل على أساس الدين غير واردة إطلاقا في هذا البلد. ويرفض قواس كذلك أي ادعاء بالتفريق بين المسيحيين وغيرهم في الوظائف العامة، ويلفت إلى أنهم في الأردن لم يكن هناك أي حاجز بينهم والوظائف العامة في الحكومة أو الجيش أو الأمن، أو حتى في الحياة السياسية، "فالتوظيف هو على أساس الكفاءة وبناء على حق المواطنة (...) ورأينا من حولنا في لبنان والعراق ما آل إليه التوظيف استنادا إلى العرق أو الدين أو الطائفة أو المحاصصة المنبثقة عنها من افتئات على الحقوق وشيوع التفرقة والظلم".   نزعات التطرف   وعن نزعات التطرف التي سادت في الفترة الأخيرة، يقول الأب بدر: "هي ليست متجذرة في الأردن وإن تأثر بلدنا بها سلبا" في إشارة إلى تفجيرات عمان 2005، التي قال أنها "لم تفرق بين مسيحي ومسلم". ويعتقد أن هذه النزعات تسعى إلى "النيل من الوسطية والاعتدال اللذين ينتهجهما الأردن الدولة والمجتمع". ويضيف: "الإرهاب لا دين له (...) ولا نشعر أنه موجه ضد المسيحيين وإنما ضد الأردنيين جميعا". أما قواس، فيقول أن السياسي المسيحي يستطيع أن يتفهم كيف أن بعض الجماعات تحاول استغلال الدين وزجه في السياسة. وهو بوصفه مسيحيا لا يخيفه ذلك، وإنما "يخيفني بوصفي وطنيا عربيا أن أرى النظام القومي العروبي قد ينهار وأن يأتي من يريد أن يعيدني إلى الخلف ويصادر الديمقراطية ويحد من الحريات التي نناضل لتجذيرها في الأردن والعالم العربي". وفي الأردن تحديدا، لا يخشى الدكتور قواس من الجماعات الإرهابية التكفيرية التي تحاول إيذاء الأردنيين جميعا، مشيرا إلى أن ميزة هذا البلد أنه "قائم على الأمن والاستقرار لأن الأردنيين موحدون مسلمين ومسيحيين ضد من يتّجر بالدين".     *سكرتير تحرير في صحيفة الرأي ومراسل صحيفة النهار اللبنانية التحقيق في صفحة العرب والعالم في "النهار " http://www.annahar.com  
Khaberni Banner