Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

بعض الوزراء .. يشبهون .. الفقراء

بعض الوزراء .. يشبهون .. الفقراء

بعض الناس  ، يؤخذ عليهم نزعتهم للتعميم في إطلاق الاحكام على الناس  بعامتهم ،  وهذه مَثلبة ،  وعيب كبير ، وشرٌ مُستطير ، وغُلو ، وإجحاف بحق الآخرين ، وتعدٍ عليهم . عندما نتحدث عن المجتمعات ، من الخطأ ان نُعمم بِردَة ِفعل سطحية او انفعالية ، كأن نقول : ان المجتمع الفلاني كذا وكذا ، والمجتمع العلاني كذا وكذا ،  مثلا ليس من المنطق ان نقول ان المجتمع الاردني شجاع ، او كريم ، او متبرم لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب ، كما يُردِد البعض .  هذه سطحية قاتلة عند من يُطلق الاحكام على عواهنها . التعميم صفة الانسان الانفعالي .  لان ذلك لا يتعدى الانطباع العام  السطحي . صحيح ان الناس تُكوِّن انطباعاً عاماً عن مجتمع ما ، لكن من المنطق ان لا يتجاوز حدود الانطباع العام .

ما جاء اعلاه لا ينطبق على توصيف او تقييم الافراد ، بالتأكيد ، لان الفرد يتصف بصفاته التي يحملها ، سواء كانت مكتسبة او موروثة ، ويمكن توصيف شخصيته وطباعه وسلوكياته لدرجة كبيرة من الدقة ، حتى لو ظهر تباين في  اراء الناس عن شخص معين ، لان ذلك يعتمد على طبيعة العلاقة بين الشخصين ، وهل هناك تواد او تنافر ، كما انه يرتبط بطبيعة وقناعات الشخص الذي يُقيِّم فتنعكس على المُقيَّم .

تطرقت اعلاه للمجتمعات ، ومن ثم الافراد ، للتمهيد للولوج الى موضوع المقال ، والذي يندرج ضمن اطلاق الاحكام على بعض الفئات من المجتمع ، مثل مسميات وظيفية معينة ، كالوزراء ، المهندسون ، الاطباء ، الفنيون ، والمهنيون .. الخ . وجدت ان الدارج في مجتمعنا التعميم كأن يقال : الاطباء مغالون في اجورهم ، او يبالغون في طلب التحاليل وغيرها ، لان لهم عمولات .. الخ . ربما يكون هناك اطباء ينتهجون هذا النهج ، نقول ربما ، لكن التعميم فيه اجحاف وإساءة لمهنة من اقدس المهن ، ومن يمتهنونها يدركون ان التميز بالتخصص لا بد ان يرافقه رقي في الخُلق والقيم ، هذا اذا ودّ النجاح والشهرة .

بعد كل ما سلف ، والذي اجده ضرورياً ، آتِ الى موضوع المقال تحديداً . لديّ قناعة ، من تجارب ومعارف  شخصية خاصة ، ان بعض الوزراء يشبهون الفقراء . وعندما اقول يشبهون الفقراء ليس بالمدلول الحرفي من الناحية المادية ومستوى الحياة ، لأن هذا  لا يستقم طبعاً ،  لكن هناك أموراً متشابهة  اخرى كالصدق والبساطة والامانة ، والبعد عن الشللية ، والتكتلات ،  والصالونات المشبوهة ، وتبادل المنافع والمصالح ، التي دمرت الوطن .

بعض الوزراء سكنوا  في مناطق  شعبية وعاشوا فيها بسطاء الى ان توفاهم الله . بعض الوزراء لم يغير اثاث بيته الذي اشتراه عند زواجه ، لم يغيره حتى بعد ان تدرج في الوظيفة العامة الى ان أتت به الصدفة

وزيرا ولم يتحسن وضعه قليلاً الا بعد ان غادر الحكومة وفتح مكتبا للمحاماة مثلاً . لكن الكثير من الوزراء من تسلق ، وتملق ، وطحن الاخضر واليابس مثل الجراد ، واصبح ( بيقُشْ ) مثل البلدوزر ،  لا يُحلِّل ولا يُحرِّم ، ( يلهف )  كل ما حوله ، وكل ما تطاله يده القذره .

ليس كل الوزراء ، يسكنون دابوق ، او عبدون ، او اي مكان من مناطق عمان النقية بأجوائها،  الراقية بمناظرها ، البشعة بقيم بعض ساكنيها الغالية باثمانها ، وربما الملوثة بتاريخ بعض قاطنيها . هناك وزراء وهم الغالبية ، تولوا مناصبهم زوراً وبهتاناً ، لا الوزارة لهم ، ولا هُمْ لها ، ليسوا مؤهلين لها . إنحطوا قيمياً ، فحطوا على الوزارة بالباراشوت ، لا نعرف منهم هم !؟ ولا من أين اتوا !؟ لكننا نعرف الى اين هم ذاهبون ، بعد ان ينهبون . هؤلاء أتت بهم حلقات الفساد الكامنة الخبيثة ، التي تمأسست ، وتنتقي افرادها بعناية فائقة ، صارمة في معاييرها ، حيث العضوية تشترط في العضو ان يلعب بالبيضة والحجر ، وربما تصل مهارته ان تكسر البيضة الحجر ، اضافة الى القدرة على التفنن بإدعاء ، القيم والاخلاق ،  والنزاهة ، والنبل ، والانتماء للوطن ، والحرص على خدمة المواطن ، وان يُقنع العامة بانه هكذا ، لكن الممارسة تأتي على النقيض ، هذا اضافة الى بعض الصفات التكميلية المتناثرة ، كالخُبث ، والدَجَل ْ، والكذِب ، والتزوير ، وتناول الكاس ، والطعن في اعراض  الناس ، وان يكون مجرداً من اي مسحة من ضمير ، ويقضم ، وينهل ، وينهب ، مثل المنشار في الغدو والرواح ، وان يعتبر فترة توزيره مشمشية ، لأسياده ، والفتات له ، وان يكون مقتنعاً بان هكذا فرص اذا لاحت لن تتكرر ، مع انهم تكرروا حتى توهمنا انهم تحجروا على كراسيهم . هذه الفئة الخبيثة اللعينة هي التي دمرت الوطن . هكذا وزراء يشبهون بعض الأغنياء ، مالهم من سُحت ، وحرام ، ورشاوي ، وتهاون ، وتنازلات في مواصفات العطاءات .

أما القلة من الوزراء ، الانقياء ، الاتقياء ، الشرفاء الذين يشبهون الفقراء ، فعددهم قليل يصل درجة الندرة . وبعض الوزراء ، كانوا شرفاء ، لكنهم وجدوا انفسهم مقيدون في حبائل دوائر الفساد ، فاستجابوا مرغمين امام غطرسة وسطوة كبار الفاسدين ، فانصاعوا  لضعف في شخصياتهم وقيمهم وقناعاتهم ومعتقداتهم .

وددت ان اطرح هذا الموضوع الخفيف البسيط ، وربما الغريب ، كنوع من التأشير على بعض سلبيات مجتمعنا ، التي ينتهجها الكثير من الناس ، يُدمون بها قلوب الاخرين باطلاق احكام على عَواهِنها بكلام مُرسل دون التريث ، والتدقيق ، والتمحيص ، دون وجه حق ، ودون ان يلتفتوا الى ذلك ، وربما يعتبرونها نوعاً من فشة الغُل او الانفعال الآني الطاريء . أدعوا ان نحترم الشرفاء ، سواء كانوا وزراء او مدراء ، وان نتوقف عن التملق للملوثين الفاسدين الذين اصبحوا أثرياء .

مجتمعنا لا زال بخير ، فيه الصالح والطالح ككل المجتمعات لا بل هو افضل من كثير منها . لكن المشكلة تكمن عند الشلة الفاسدة التي غرست انيابها السامة في كل مفاصل الوطن وهي التي تُقرِّب وتُبعِّد ، وتُوظِف وتَطرُد ، طبعا تُقرِّب الفاسدين وتُقصي وتُبعد الشرفاء لانهم يشكلون حجر عثرة في طريق فسادهم وافسادهم . وهنا لا بد من الاشارة الى ان ما ينطبق على الوزراء سلباً وايجاباً  ينطبق على غالبية  موظفي القطاع العام بمختلف مستوياتهم ، لان الفساد تغلغل في كل مفاصل الدولة الا من رحم ربي . وهنا أود ان أختصر بجملة واحدة  : (( بعض الوزراء يُشبهون الفقراء ، وأغلب الوزراء يشبهون الأغنياء  الفاسدين مالهم حرام ))  . وأختم ببيت من الشِعر عميق الدلالة والصلة في الموضوع :-

قد يُكرَمُ المرؤ إعجاباً بِخِسَّتِهِ /  وقد يُهانُ لفرطِ النخوةِ السَبّْعُ .

Khaberni Banner
Khaberni Banner