الرئيسية/عيون و آذان
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

النمو يتآكل والحكومة غير بريئة

النمو يتآكل والحكومة غير بريئة

خاص بـ "خبرني "

يواجه الإقتصاد الوطني تحديات عدة، ليس أقلها ظروف عدم الإستقرار التي تشهدها المنطقة وما نجم عنها من إغلاق الحدود مع العراق وسوريا (النافذة الوحيدة للنقل البري إلى السوق الأوروبي)، ناهيك عن تراجع حجم المساعدات والاستثمارات الأجنبية، والمستوى الكبير الذي وصله الدين العام لأسباب مختلفة، لعل من أبرزها تفرد الأردن بتحمل الجزء الأكبر من أعباء اللجوء السوري!

في خضم تحديات كهذه، كان يتوقع من الحكومة أن تتخذ إجراءات ومبادرات تسهم في تحفيز الطلب المحلي (الإستهلاكي والإستثماري) ليكون المحرك لعجلة النمو. ولكن، للأسف، فقد تحركت الحكومة، منذ أيامها الأولى، بعكس الإتجاه، ووصلت إجراءاتها "عكسية الإتجاه"  ذروتها مطلع العام الحالي باتخاذ حزمة واسعة من القرارات والتدابير التي كانت، في معظمها، جبائية الطابع. وبالرغم من أن الحكومة  قد قدرت حصيلة تلك الإجراءات، خلال مناقشة مجلس النواب لمشروع الموازنة العامة، بحوالي 450 مليون دينار، فإن المؤشرات تؤكد أن حصيلتها كانت ستتجاوز ذلك بكثير، بافتراض بقاء المتغيرات الأخرى على حالها. ولكن النظريات الإقتصادية تشير إلى عكس ذلك، حيث أن ارتفاع الأعباء الضريبية قد يؤدي إلى سلوك المستهلك والمستثمر، مرغما أو مختارا، بطريقة مغايرة لسلوكه المعتاد وبالتالي تتراجع أو تتباطأ حصيلة الايرادات الضريبية، وهذا ما يحدث حاليا، وقد يستمر في الأجل القريب!

بتلك الخطوة، وما أعقبها من تدابير تثبيطية أخرى غير مدروسة، تكون الحكومة قد قامت بتضييق الخناق على المواطن، مستهلكا ومستثمرا، وزادت من وطأة الضغوط على القطاعات الإقتصادية المنهكة أصلا، والكارثة أن كل ذلك جرى يجري دون تحقيق الهدف المنشود، كما ذكر سابقا!.

ما حدث، بصورة مبسطة، هو أن الإجراءات الحكومية قد أدت إلى زيادة تكاليف الإنتاج وربما دفعت البعض للخروج البعض من السوق، من جانب، كما أسهمت في نقل جزء لا يستهان به من القوة الشرائية من المستهلك، إلى خزينتها، من جانب آخر، علما بأن أوجه الإنفاق من قبل الطرفين مختلفة بشكل كبير؛ فالمواطن ينفق على شراء السلع والخدمات وبالتالي يسهم في تحريك قطاعات الانتاج والاستهلاك، جملة وتجزئة. أما الحكومة فأغلب إنفاقها سيكون موجها، على الأغلب، نحو تسديد عبء المديونية وربما إتمام بعض المشاريع الكبرى التي لم تكتمل خلال السنوات السابقة. وثالثة الأثافي، أن الحكومة تظهر فتورا ملحوظا في متابعة ما تبقى من مشاريع ممولة من بقايا المنحة الخليجية لم يكتمل إنجازها! الأمر الذي يعني أن المساعدات الخارجية المقدرة في الموازنة قد لا تتحقق، على الرغم من أن مستواها، المقدر عند 777 مليون دينار، هو الأدنى منذ سنوات! كنا يعني أيضا ضياع فرص مجانية للانفاق الإستثماري وربما توسع العجز المالي؛ هدف الحكومة المقدس!

كل هذا يفسر إلى حد كبير حالة التباطؤ أو التراجع التي تعانيها معظم القطاعات الإقتصادية؛ من مبيعات السلع الرأسمالية إلى مبيعات المواد الذائية بما فيها الحمص والفول والسردين!

بهذا السلوك الحكومي "التثبطي" الذي لا يتفق مع مبادئ أي مدرسة إقتصادية معروفة، ويتنافى مع الإجراءات التي اتخذتها الحكومات الغربية خلال الأزمة الإقتصادية التي انفجرت في عام 2008! بهذا السلوك تكون الحكومة قد عملت، بعلم أو دون علم، على تقليص قاعدة النمو والحد من مستوى النشاط الإقتصادي الذي يمثل المصدر الرئيس لإيراداتها.

وعليه فإن الحكومة قد تجد نفسها في العام القادم في وضع لا تحسد عليه، فمصادر إيراداتها قد تنكمش بشكل كبير، إذ أن قاعدة النمو التي كانت تمدها بتلك الإيرادات قد تآكلت، بفعل إجراءاتها وانعدام مبادرتها، بشكل كبير، في وقت كان ينبغي عليها اتخاذ إجراءات تسهم في تنمية النشاط الاقتصادي وتوسيعه، أو على أقل تقدير الحفاظ على حجمها! وعندها لن يكون بمقدور الحكومة سوى إعادة الكرّة مرة أخرى بفرض المزيد من الضرائب والرسوم، وعليه سيتقلص مستوى النشاط الإقتصادي مقارنة بهذا العام، وهكذا دواليك حتى تختفي "كيكة الإيرادات المحلية" أو تكاد، وسيكون البديل عندها المزيد والمزيد من القروض، إن وجد عندها ممولون، وبالتالي تحميل الاقتصاد المزيد من أعباء الديون، على شكل أقساط وفوائد، حتى يشكل هذا البند الجزء الأكبر من الموازنة، على حساب أوجه انفاق أخرى!

في ضوء ما سبق، يحق لأي متابع أن يسأل الحكومة، التي أمضت عامها الأول في الدوار الرابع، عن طبيعة الإجراءات التحفيزية التي تحدثت عنها ووعدت بها الأردنيين أكثر مرة! وللحقيقة أقول، لو أن عدد التصريحات التي تحدثت فيها الحكومة عن "إجراءاتها التحفيزية" المنتظرة يعتبر عاملا مساعدا في تحقيق النمو الإقتصادي وتحسين مستوى المعيشة، لكان الأردنيون ينعمون الآن برغد العيش، ولكن الواقع غير ذلك. وأستطيع الزعم بأن الأداء الإقتصادي كان سيكون أفضل بكثير لو اتخذت الحكومة استراتيجية تحفيزية شعارها "فعلنا هو عدم الفعل"!

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner