الرئيسية/نبض الشارع
Khaberni Banner Khaberni Banner

الممالك الأردنية القديمة

الممالك الأردنية القديمة
العبادي

خبرني - تنشر " خبرني " بالاتفاق مع الكاتب د. احمد العويدي العبادي الحلقة الثانية من كتابه " محطات في تاريخ الاردن وعشائره " , وتتطرق الحلقة الثانية الى سرد تاريخي حول الممالك الاردنية القديمة وطبيعة الحياة المعيشية للانسان في هذه الممالك . وتاليا نص الحلقة الثانية : قامت على الأرض الأردنية عدة ممالك قبل الميلاد وبعده، وقد أشارت إليها أسفار العهد القديم بشكل موسَّع في كثير من الحالات، حسبما كان يتطلب الأمر بالإسرائيليين من عداوة أو حرب أو تحالف أو قوة أو ضعف. وتنتسب الممالك القديمة إلى شعب عربي واحد، وتتكلم لغة عربية واحدة، وهم شعب العموريين الذين هم أشقاء الكنعانيين، فسكن العموريون في الأردن، واتخذ الكنعانيون فلسطين بلداً لهم وسمِّيت أرض كنعان، بينما سُمِّيت الأردن تحت عنوانين عدة ، حسبما نجده في أسفار العهد القديم نفسها: الاسم العام هو بلاد عبر الأردن Trans Jordan ، والاسم الخاص هو المناطق الجغرافية وهي موكونات البلاد التي قامت بها هذه الممالك، وسمِّيت كل مملكة وشعبها باسم تلك المنطقة مثل الأدوميون (نسبة إلى أدوم) والمؤابيون (نسبة إلى مؤاب)، والحشبونيين (نسبة إلى حشبون ـ حسبان الحالية)، والعمونيون (نسبة إلى ربة عمون ـ عمان الحالية). والباشانيون (نسبة إلى باشان وهي بيسان الحالية). ومملكة الأنباط نسبة إلى اسمهم وليس إلى اسم المكان. جاءت هذه القبائل العربية مهاجرة من جزيرة العرب وحطّت رحالها في أرض الأردن واستوطنت كل واحدة منها دياراً يفصلها عن الأخرى معالم طبيعية مثل وادي الحسا، وادي الموجب، وادي الزرقاء، وادي اليرموك وقد كانت علاقاتهم ودية، ويتناسون ما كان يحدث بينهم من صراع او حروب إلا في فترات متأخرة. وقد ظهرت هذه القبائل بالأردن منذ حوالي ألفي سنة قبل الميلاد، في وقت واحد تقريباً. أولاً: الأدوميون: الذين كانت عاصمتهم بصيرا في محافظة الطفيلة الحالية، وقد ظهرت في الجزء الشمالي للمملكة العربية الأردنية مديان التي كانت تمتد جنوباً في شمال جزيرة العرب. وملك الأدوميون الشراة ووادي عربة والبادية الشرقية، وخليج بحر القلزم (أيلة/ العقبة الحالية) وساحل البحر الاحمر إلى الجنوب. وكانت لهم قوة برية وبحرية، ويستفيدون من القوافل التجارية والثروة الزراعية والثروة الرعوية التي سبق وأشرنا أنها ضايقت الفرعون المصري رعمسيس الثالث في فترة متأخرة من عهد المملكة الأدومية. كان لهم علاقات وطيدة مع مملكة مصر باعتبار أن ملوك وفراعنة مصر، كانوا يهتمون بحدودهم الشرقية من بلاد كنعان (فلسطين) وبلاد عبر الأردن (حيث تجاورهم مملكة أدوم) إلى درجة أن الملك الأدومي هدد الثالث لجأ إلى ملك مصر وتزوج أخت الملكة ثم عاد وحرر بلاده من الاحتلال الإسرائيلي فيما بعد، كما سبق وأشرنا في الباب الأول. كانت هذه المملكة تتألف في تركيبها السكاني من قبائل، ولكل قبيلة شيخ يعتبر هو زعيمها، ولهؤلاء زعيم يعتبر شيخ المشايخ، وتطوّرت الأمور بعد الاستقرار أن صار الشيخ الأعلى ملكاً للبلاد، يقود الجيوش بالمعارك، وله إدارة الدولة والعشائر، وكانت مملكة جيدة التنظيم، ونظام الحكم فيها وراثي في الذكور، ولم نجد من الاناث من صارت عليهم ملكة. ومن الملوك الذين وصلت أسماؤهم إلينا: / حدد الأول وهو أهمهم، وهدد الثاني، وهدد الثالث ثم الملك قوص الذي حكم في حوالي عام 732 ق.م وأياراموا (701 ق.م)، وقوص جبار (الذي جاء بعد ذلك). ثانياً: المؤابيون: وهي مملكة شهيرة كانت عاصمتها ديبون شمال وادي الموجب، ثم انتقلت إلى قبر حارسة (أي الكرك) زمن الملك ميشع. وقد وصلت مملكة مؤاب إلى درجة عالية من الرقيّ والقوة والبناء والاستقرار، ورغم أنهم رفضوا عبور بني إسرائيل من خلال مملكتهم إلا أنهم فعلوا ذلك بطريقة دون إثارة الغزاة الإسرائيليين، وسلموا من الأذى، بعكس ما كان عليه ملك سيحون الذي لقي وشعبُه الإبادة الكاملة كما يقول العهد القديم . كان الإله لكموش أهم إله عند المؤابيين، وكان ميشع أعظم ملك من ملوكهم الذي دوّن انتصاراته وإنجازاته على حجر ذريبان كما أشرنا في الباب الأول. وقد تعاقب على احتلالها فيما بعد كل من الآشوريين، والبابليين، وصارت مملكة مؤاب ولاية بابلية زمن الملك نبوخذ نصر، ولا بد من الإشارة هنا إلى بالاق بن صفور ملك مؤاب ( قبل ميشع بخمسة قرون تقريبا ) زمن العبور الإسرائيلي للأردن ودوره في مقاومة العبرانيين وتحالفه مع ملوك مديان الخمسة. ثالثاً: العمونيون: حيث استقروا في ربة عمون (عمان الحالية) ولا تزال آثارهم قائمة حتى الآن في جبل القلعة رغم ما تعاقب عليها من الدول والحضارات بالتعديل والإضافات. وقد حرر العمونيون بلادهم من الاحتلال الإسرائيلي وطردوا الإسرائيليين إلى بلاد كنعان (فلسطين). وقد قاد حرب التحرير هذا ملكهم ناحاش العموني، حتى إذا ما صار داود ملكاً انقلبت الموازين وقام في حوالي 1000 ق.م بالهجوم على كل من مؤاب وأدوم، ثم في عام 995 ق . م . جرد الملك الاسرائيلي طالوت حملة على عمون زمن الملك العموني حانون بن ناحاش . ومن ملوك العمونيون أيضاً حنون، شوبي، روحوبي، بعثا، شانيب، زاكير. وقد تحدث العهد القديم طويلاً عن عمون، حيث كان ملوكها حريصون عليها، وعلى عداء سافر مع بني إسرائيل، منذ أن صار طالوت ملكاً، وفصل بجنوده لمحاربة جالوت ملك عمون، وكان داود أحد الجنود/ أو القادة مع طالوت، وشاء الله أن يقتل جالوت، وقد قصَّ القرآن قصّتهم أيضاً. وفصّلناه في جزء: التاريخ السياسي للعشائر الأردنية (من هذا الكتاب ) باللغة الانجليزية . وقد حدثت صراعات دموية ما بين مملكتي عمون وباشان (شمال الأردن) وكانت النتيجة انتصار عمون في فترة من الفترات على باشان التي كانت (أي باشان) أكثر جيشاً وسكاناً ومساحة وموارد من عمون. ويذكر سفر التثنية الأصحاح الثالث أن السرير الحديدي للملك أوغ (عوج) كان موجوداً في حوالي عام 1200 ق.م في قلعة ربة عمون. مما يعني بالنسبة لنا انتصار عمون على باشان انتصاراً وصل حدّ جلب سرير الملك نفسه. ويعني أيضاً أن غنائم ذات أهمية تم الحصول عليها في تلك الحرب. وعندما قرر زعماء الأسباط، وهو ما يدعيه كتاب العهد القديم , أقول قرروا اعتبار الأراضي الأردنية من الغنائم التي يجب توزيعها على أسباطهم، أخذوا مساحات شاسعة من أراضي مملكة عمون مما يلي نهر الأردن من جهة الشرق , واحتلّوها لسبط جاد. أما بعض الإشارات في أنهم احتلّوا مملكة عمون برمتها في فترات متقدمة (أي 1200 ق.م وما بعدها) فهو أمر مستحيل، ذلك أنها كانت مملكة قوية، وأراضيها شاسعة وكان بنو إسرائيل قد أنهكتهم الحروب مع الشعب الكنعاني وسائر الممالك الأردنية الأخرى، وبالتالي كان احتلالهم مقتصرا على اجزاء سهلة مثل منطقة الزور (حول الشريعة/ نهر الأردن)، وحتى أقدام مرتفعات السلط. واما ماوراء ذلك فالأراضي وعرة وهي ليست موقعاً مريحاً للمعارك بالنسبة لهم. ورغم ادعاء الإسرائيليين في العهد القديم ، أنهم احتلوا أراضي من ممالك مؤاب وعمون وباشان من عروعير وهي مدينة مطلّة على نهر الموجب إلى الجنوب من ذيبان، وعلى الحافة الشمالية لوادي الموجب، إلى جلعاد وهي إلى الشمال الشرقي من السلط وهي أرض وعرة وتكسوها الغابات وتصلح لحرب العصابات التي يتقنها أهل البلاد أكثر من المحتلين، إلى باشان في غور الأردن، أقول رغم هذه الادعاءات إلا أن الحقيقة لا يمكن أن تكون بهذا الشكل إطلاقاً، وهو مخالف للذوق والمنطق وسياق التاريخ . فعروعر عبارة عن جيب عميق داخل مملكة مؤاب، ولا يمكن أن تقف مؤاب مكتوفة الأيدي أمام قطعها إلى جزئين شمالي وجنوبي، وبالتالي فإن هذه المعلومة لا تتفق مع التاريخ، ولا مع عقلية ملوك وشعب مؤاب في حينه. إذ يتعذر التصديق أن تعجز مملكة مؤاب القومية عن دحر جيب إسرائيلي لا يحتاج لكبير عناء لطرده منه. ولكن يمكن أن تكون مقدمتهم وصلت إلى هناك وتم القضاء عليهم، فأعرضوا صفحاً عن ذكر خسائرهم وهزيمتهم وادعوا احتلال عروعير والاقامة فيها . أما بالنسبة لجلعاد، فهي أكثر وعورة وصعوبة على الاحتلال الإسرائيلي من عروعير، ذلك أنها أيضاً جيب في مملكة عمون . فالسلط وما حولها وزي كلها عمونية آنذاك، ولا يمكن أن تكون للإسرائيليين قدرة التسلل إلى جلعاد والبقاء فيها وسط مملكة كانت قوية، وانتصرت قوّة على مملكة باشان أوسع وأقوى الممالك الأردنية آنذاك. وبالتالي يصبح كلام العهد القديم هنا مشابهاً لما هو عن عروعير، إذ حاولوا وفشلوا، وهذا الذي يبدو واضحاً بالنسبة لنا والله أعلم. وحول اصطلاح جلعاد في التوراة لا بد من القول أنه أوسع من مفهومنا الحالي، فقد كانوا يطلقون كلمة جلعاد على الأرض الممتدة من نهر اليرموك إلى وادي السلط، وقد ذكر ذلك بالتفصيل الرحالة البريطاني اليهودي لورنس أوليفنت في كتابه: أرض جلعاد The Land of Gilead . الذي ترجمته شخصياً إلى اللغة العربية وتم نشره. من هنا، فإن وادي اليابس في شمال الأردن كانت بالنسبة لهم جزءاً من جلعاد، وقد ذكر سفر صموئيل الأول الأصحاح الحادي عشر (11) حادثة في منتهى الأهميّة تبيّن قوة مملكة عمون وملكها ناحاش في حوالي عام 1050 ق.م. إذ قام ناحاش بالهجوم على (يابيش جلعاد أي وادي اليابس)، حيث لم تذكر المصادر الاسرائيلية نوعية وهوية هؤلاء السكان، إن كانوا من بني إسرائيل أم من مملكة باشان باعتبار الموقع يدخل في حدود هذه المملكة الشمالية. أعلن السكان رغبتهم بالسلم، فوافق ناحاش شريطة أن يقلع عين كل شخص من السكان من اهالي يابش ( وادي اليابس ) ، ولا شك أن ذلك ربما كان لإظهار هيمنته وجبروته من جهة، ولتقليل مهارتهم وقوتهم الحربية المستقبلية من جهة أخرى. تقدم شيوخ يابيش من ناحاش بطلب مهلة سبعة أيام للإجابة، وكان مغزاهم من ذلك البحث عن نجدات. والغريب العجيب أن ناحاش وافق على طلبهم دون ان يفكر في خطورته عليه وعلى جيشه . فأرسل الشيوخ إلى شاؤول ملك اليهود آنذاك في فلسطين يطلبون منه النجدة. وطلب إليهم أن يعدوا ناحاش أنهم سيستسلمون له في اليوم التالي، وذلك لإعطاء جيشه فرصة للوصول إلى المكان قبل الاستسلام. وصادف أن استرخى ناحاش، وتأخر في الهجوم فباغته شاؤول وهزمه هزيمة منكرة. من الواضح أن الجبروت والغرور الذي هيمن على ناحاش قد أودى به إلى هذه النتيجة. وبعد حوالي خمسين عاماً أي حوالي 1000 ق.م توفي ناحاش، وخلفه ابنه حانون، ذلك أن نظام الحكم كان ملكياً وراثياً في الذكور من الأبناء. وفي الوقت الذي كان ناحاش يتميز غيظاً على شاؤول الذي هزمه، كان ودوداً مع داود الذي كان عدو شاؤول الذي كان يطارد داود، فالتقت المصالح بين ناحاش وداود على المحبة أمام عدوّ واحد وهو شاؤول. عندما مات ناحاش وتسلّم ولده حانون كما قلنا (سفر صموئيل الثاني الأصحاح العاشر)، أرسل داود وفداً رفيع المستوى من أتباعه لتعزية حانون بوفاة ناحاش إلى ربة عمون (قلعة عمان الحالية) إلا أن الحكمة والصواب جانب حانون، تجاه صديق والده، كما جانب والده ناحاش تجاه عدوهما شاؤول، إذ خضع حانون لرأي مستشاريه التنابلة من حوله من رجال الدولة بأن نوايا داود ليست شريفة، وأن هذا الوفد لم يأت للتعزية وإنما للتلصّص على عورات العمونيين، وجمع المعلومات وبالتالي الهجوم على مملكة عمون مستغلاً حزن الشعب على ملكهم الراحل ناحاش. ولسوء حظ هذه المملكة أن الملك حانون اقتنع برأي هؤلاء المستشارين. وبناء عليه، أمر حانون بأخذ وفد داود وإهانتهم وحلق نصف لحاهم، وقصّ ثيابهم من الوسط في الجهة الخلفية حتى أستاهم. وكانت هذه في عادات العمونيين نمطاً من التحقير والإهانة السائدة آنذاك. وأرسلهم عائدين إلى داود في حال من المهانة أثارت غضب داود وانسته حسنات ناحاش أمام سوء تصرف ولده حانون. وقام داود بتجهيز جيش لَجْبٍ ونصّب يؤاب قائداً له، وقد أعطاه الأوامر الواضحة في الانتقام شرّ الانتقام من عمون ملكاً وشعباً وملأً (الملأ هم كبار رجال الدولة). هنا شعر حانون أن مستشاريه قد أساءوا الرأي، فأرسل إلى حلفائه السوريين للنجدة أمام جيش يؤاب ، وجمع العمونيون وحلفاؤهم قوات كبيرة للقتال، وعسكروا حول قلعة ربة عمون. فوجد يؤاب الاسرائيلي نفسه في وضع لا يحسد عليه أمام جيش قوي من الحلفاءمن الممالك الاردنية, فقسّم جيشه إلى قسمين لمجابهة هذا الموقف. وكان النصر حليفه، وألحق بأعدائه هزيمة منكرة ألجأتهم إلى داخل أسوار قلعة عمون. واكتفى يؤاب بذلك، وهو يخشى أن تكون هذه خدعة لإبادة جيشه، فعاد إلى القدس ليخبر سيِّده بما حدث، بينما سلم الجيش العموني والسوري من الإبادة، وإن كانوا ذاقوا الهزيمة . والهزيمة لا تعني القتل وإنما الصمود هو الذي يعني ذلك. غضب داود لعدم احتلال قلعة ربة عمون وعاصمة المملكة العمونية، فأرسل يؤاب مرة أخرى على رأس جيش لاحتلال ربة عمون، ولكنه لم يستطع الاستيلاء عليها، لمنعتها من جهة، ولتوفر المياه من جهة أخرى من خلال الخزانات، ومن خلال السراديب الأردنية السرية إلى رأس عين عمان. كان طول الحصار لصالح العمونيين وضدّ الإسرائيليين حيث اضطر يؤاب أن يحقق شرفاً كبيراً على أثر مقتل القائد المعروف يوريا الحثي، أحد قادة الملك داود الذي يقال ان داود تزوج امرأة ذلك القائد، وأنه أرسله للموت لهذه الغاية حسبما تذكر اسفار العهد القديم . فطلب يؤاب النجدة من داود الذي حضر هذه المرة بنفسه على رأس قوات كبيرة، وقام باحتلال عمون، ووصفها بأنها مدينة ملكية، وأنها مدينة المياه، وانبهر داود المحتل بتاج الملك ووضعه على رأسه، وكان تاجاً من الذهب مرصّعاً بالحجارة الكريمة، وكان الإله المعبود لدى عمون آنذاك هو ملكوم Malkoom ولم يقتصر داود ( الذي كان نبيا وملكا ؟؟؟ ) في فعله على ذلك، بل نهب غنائم كثيرة وعامل العمونيين بمنتهى الوحشية، ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفؤوس وزجَّ بهم في أتون الأجر/ اي في افران النار المشتعلة , فأحرقهم جميعاً (سكان عاصمة العمونيين) وقام بتخريب المدينة ثم عاد إلى القدس. استطاع العمونيون أن يلعقوا جراحهم، وتم تنصيب الامير شوبي وهو أحد أبناء الملك ناحاش ملكاً عليهم، لأنهم خسروا بسبب سوء سلوك وتصرف ملكهم حانون الذي أثبت عدم قدرته على الحكم بسبب رعونته وطيشه وخضوعه لسيطرة مستشاريه. ولحسن حظ الملك شوبي أن اندلع حرب بين الملك داود وابنه أبشالوم، فانتهزها شوبي مناسبة وصار يمدّ داود بالسلاح الحربي المصنع حديثاً، والأسرّة، وعزّز موقف داود الذي حفظ الود لعمون، ولم يفكر ثانية في العودة إليها أو تخريبها هذه المرة، إذ لولا الإعانات العمونية لما تمكن داود من قهر ولده أبشالوم. وإذا صحّ ما ذكرته اسفار العهد القديم ، فإن زوجات الملك سليمان بن داود الغريبات ومنهنّ من عمون قد وضعن بموافقته هياكل لعدو من الآلهة الوثنية في منازله، ومن بينها الإله ملكوم، إله عمون، إلا أنني أشكّك بهذه الرواية التي وردت في : (سفر الملوك الثاني/ الأصحاح 23)، والتاريخ حوالي 940 ق.م. وقد بقيت عمون شوكة في خاصرة الإسرائيليين وعجزوا عن تدميرها أو احتلالها بعد داود. فلجأوا إلى تخويفها عبر الحرب النفسية عن طريق أنبيائهم الذين صاروا يتنبأون بدمار عمون. ففي سفر عاموص (1: 13) حوالي 670 أي بعد مائتي عام ونيف من انتهاء حملة داود عليها، كما ذكرنا أعلاه. تتنبأ عاموص ضد عمون، واتهم العمونيين أنهم يسلكون مسلكاً وحشياً في حروبهم، وتوعَدهم بنيران على أسوار ربة عمون عاصمتهم تأكل (أي النيران) قصورهم، وأنه سيتم أخذ ملكهم وأمرائهم أسرى. ولكن شيئاً من هذا لم يتحقق بل بقيت عمون تبني قوتها وتزدهر على أحسن ما يكون. واستمرت هذه النبوءات الكاذبة. وفشلت الحرب النفسية التي استمرت لأكثر من نصف قرن، حتى إذا ما حلّ القرن السادس قبل الميلاد نجد النبي أرميا يقول أن ملكوم إله عمون قد تملّك سبط جاد الإسرائيلي، وذلك يعني أن عمون حررت الأرض من سبط جاد، واستعادت الأراضي إلى حظيرة الدولة العمونية. ورمى عاموص نبوءة قال فيها: أن عمون ستتحول إلى تلٍّ خارب، وسوف تُحرق بناتها (أي قراها) بالنار، وأنها سترتدي السواد. وأن ملكوم سيذهب إلى السبي، وسيتم طرد كل رجل دونما امهال . إلا أن نبوخذ نصر الذي ظهر في فترة نبوءات أرميا، لم يتجه نحو عمون لتدميرها، لأن عمون قد سبقت إليه، وطلبت محالفته ومؤازرته وساهمت في إبغار صدره ضد المملكمة العبرية في القدس. وكان عدم تحقق النبوءات صفعة للإسرائيليين حقاً، حتى إذا ظهر النبي حزقيال حوالي 588 ق.م استنأنف الحرب النفسية ضد عمون ، من حيث توقف أرميا، وادّعى حزقيال أن نبوخذ نصر سيدمر عمون، بحيث لا تجد من يذكرها، وأن نبوخذ نصر سيصل إلى مفترق طرق إما إلى القدس أو عمون وأنه سيختار الذهاب إلى عمون لتدميرها. ويبدو أن سوء الطالع لم يحالف ربة عمون، بل حالف القدس، إذ وضع نبوخذ نصر اسم المدينتين كل منهما على سهم. إلى أيهما سيذهب، وهو عادة ضرب القداح، فبرز سهم القدس، وبذلك فشلت نبوءة حزقيال، وأنقذ الله ربة عمون، وتوجه نبوخذ نصر إلى القدس حيث نكب اليهود نكبة تاريخية ذكرها القرآن الكريم في سورة الإسراء ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) [الإسراء:4 , 5 ] . وهنا قامت الأفراح والليالي الملاح في عمون بسبب نكبة اليهود هذه على ايدي الملك العربي الاشوري نبوخذ نصر ، الأمر الذي أغضب النبي حزقيال ووصف العمونيين بأنهم "يصفقون بأيديهم ويدقون بأرجلهم له. وقد تنبأ لعمون : ( أنها ستكون اصطبلاً لجمال البدو الذين سيغزونها ويدمرونها ) وقد عاد نبوخذ نصر إلى بلاده، ونصّب بعده على اراضي مملكة بني اسرائيل المحتلة وعاصمتها اورشليم القدس , اقول نصب والياً بابلياً تابعاً له وهو: جدلياً. وهنا حدث أمر مفاجئ لم تذكر المصادر التاريخية سبباً أو مبررات له، وهو أن ملك عمون الجديد. بعليبس أغرى إسماعيل اليهودي بقتل جدليا الوالي البابلي بالقدس المعين لحكم فلسطين حسبما ذكر العد القديم في سفر أرميا (40: 14). وفي رأينا أن هذه قصّة مختلفة من قبل اليهود في محاولة لإيغار صدر نبوخذ نصر ضد عمون، وإلا ما هو المبرّر بقتل جدليا الحليف القوي لعمون والذي سام اليهود خسفاً وصارت الحدود الغربية والجبهة الغربية لعمون آمنة ووادعة؟ أكرر القول أن هذه قصة مختلفة في حينه لغايات الفتنة انذاك بعدما فشلت جميع محاولات ونبوءات ودعاء انبياء بني إسرائيل على عمون والتمني بدمارها، والتي لم تزدد إلا ازدهاراً وإعماراً . ويبدوا أن صمت العهد القديم عن ذكر عمون بعد التحدث عن هذه المؤامرة كان نمطاً من تجنب إدخالها التاريخ، ولا بد من انتظار الحفريات الأثرية لتغطية هذه الفترة من القرن السادس إلى الثالث قبل الميلادي. تعود عمون ثانية الى في التاريخ إلى مسرح الأحداث في القرن الثالث قبل الميلادي بعد سباق قد تظهر عنه معلومات بعد إجراء الحفريات والدراسات. ولكن هذا الظهور يبرهن على أن عمون استطاعت البقاء، واستمرت بالعمران، وذلك ما يظهر عام 300 ق.م عندما احتل اليونانيون هذه المملكة ضمن احتلالهم للأردن وسوريا. وقد أولاها اليونانيون أهمية كبرى، إذ صارت من ممتلكات بطليموس المصري خلال جزء من القرن الثالث قبل الميلادي. حيث أعيد بناؤها، وأطلقوا اسماً جديداً عليها وهو: فيلادلفيا بدلاً من ربة عمون. وأما الاسم الجديد فهو مشتق من اسم بطليموس فيلادلفوس الثاني (383-346 ق.م). ازدهرت ربة عمون في الفترة اليونانية أيّما ازدهار، وصارت إحدى تحالف المدن العشرة وغالبيتها في الأردن، وكان تحصينها ضرورة أمنية للإمبراطورية لتكون قادرة على مواجهة الموجات اليدوية القادمة من الصحراء. حيث تعلَّم اليونانيون الدرس في أنهم قادرون على حصار المدن والقلاع واحتلالها، لكنهم غير قادرين على القضاء على البدو أو منع هجماتهم. كما أن اختلاف الثقافة والأساليب الحربية والطبيعة الجغرافية وسرعة الحركة تجعل هؤلاء البدو الأقل تسليحاً، أكثر قدرة على التكتيك والهجوم والهروب والنهب والسلب والتدمير بما يستعصي على جيش نظامي مقيم. كما أن أسلوب البدو يجعل من كل واحد منهم جندي مقاتل أو غازٍ ناهب، أما أسلوب الدولة فإن القتال محصور في الجنود والحامية المرابطة. حدث صراع بين الجناح المصري والجناح السوري للإمبراطورية اليونانية بين أتباع بطليموس في مصر، والسلوقيين في سوريا، الذين رأوا أهمية ربة عمون، وضرورة السيطرة عليها، لحرمان مصر من مخفر متقدم في خاصرة بلاد الشام من جهة، ولتكون مخفراً متقدماً للسلوقيين ضد المصريين والبدو على حدٍّ سواء من جهة اخرى . فقام الملك أنطيوخس الثالث ( الجناح السوري ) بقيادة جيش كثيف وضرب حصاراً طويلاً على قلعة ربة عمون، أدى إلى احتلالها في نهاية المطاف. ولكن ذلك الاحتلال كان لخيانة احد الأسرى العمونيين بسرّ البقاء الطويل والصبر على الحصار ، وهو توفر الماء، فدلّهم على وجود نفق سري بين القلعة ونبع الماء في أسفل الوادي، وعندما عرف اليونانيون السرّ عمدوا إلى مصدر الماء فقطعوه ، فاستسلمت المدينة، ولولا ذلك لباء الحصار بالفشل. كما كان فيها مصادر أخرى من البرك والخزانات التي تستخدم للطوارئ. كان ذلك الاحتلال البطليموس عام 218 ق. م. وبقي اليونانيون في عمان مدة تقارب مائة عام بعد هذا الاحتلال , حتى طردهم منها الأنباط. استولى الأنباط على عمان في القرن الأول قبل الميلاد، إلا أن اليونان جُنّ جنونهم لما حدث، فقام الإمبراطور اليوناني هيرودس الكبير وشنّ حملة هوجاء، واستطاع بعد صراع طويل إخراج الأنباط منها عام 30 ق.م حتى إذا ما حلّ الرومان مكان اليونان انتقلت ربة عمون ومملكتها إلى ملكية الرومان الذين أزالوا غالبية البناء القديم وأعادوا بناء المدينة، حتى إذا ما صارت المسيحية الدين الرسمي لروما، صارت عمان مركزاً لأبرشية مسيحية هي: أبرشية البتراء وفيلادلفيا، وكانت تابعة لأبرشية بصرى في حوران. واستمرت عمان بالازدهار حتى جاء نور الإسلام يحمله جنود الله من رجال الفتح الإسلامي المظفر في القرن السابع الميلادي، وصارت عمان ترد في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين، وقد أوردنا ذلك مفصّلاً في كتابنا: الأردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين. ولا تزال آثار الدول المتعاقبة موجودة في عمان حيث تدل على أن الإنسان العموني الأردني استطاع التكيف مع جميع الدول رغم تباين اتجاهاتها وأساليبها، وعمل على إعمار بلده، وأن نُسِبَ هذا الإعمار للدول التي حكمت الأردن، فالمدرج العموني سمي المدرج الروماني نسبة للعصر الذي بني فيه، وليس لأن بناته كانوا من الرومان. فلا شك أن عملاً هائلاً كهذا يحتاج إلى أيدي عاملة وعمال مهرة هائلة يتعذر جلبها من روما، وإنما من عمان نفسها وما حولها. وتوجد مقاطع حجارة من نفس النوعية المستخدمة في بناء القلعة والمدرج. وقد عاينت بنفسي عدة مواقع منها في ياجوز، وأخرى على طريق ناعور عند خروجها من رأس العين، وأخرى في الضاحية الجنوبية الغربية لعمان. وقد تم طمس الكثير من معالم هذه المحاجر بسبب العمران، أو بسبب استخدامها كسَّارات في الخمسينات حتى السبعينات من القرن العشرين، حيث كانت الحصباء تستخدم للبناء في عمان، ثم انتقلت مواقع الكسارات الى شرقي عمان. بعد ان تجولت في العديد من الواقع عبر القرن العشرين , وانزاحت امام تمدد العمرن والمدينة ومن المدرجات الأردنية التي أُنشئت بالأردن في زمن الاحتلال الروماني هي: اثنان في عمان وثلاثة في جرش واثنان في بلا (طبقة مُحل)، واثنان في البتراء، واثنان في جدارا (أم قيس). فيكون عددها أحد عشر مدرّجاً. ولا شك أن إنشاءها ينمّ عن فترة ازدهار حضاري واستقرار أمني وتكاثر سكاني ويدل على أن الإنسان الأردني إذا ما شعر بذلك أبدع أيّما إبداع، وأن العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم كانت غير عدائية على الأقل. وإن وجود قاعات للموسيقى، وأخرى للمسرحيات برهان على التقدم الذي شهدته الأردن في فترة الحكم الروماني المتقدمة. وإن حمام الحوريات على الضفة الشمالية لسيل عمان ليدل على قدر عظيم من الفخامة، وإن أصبح بالياً في معظمه مع الدهر. وإن الرحالة الأجانب الذين زاروا عمان في القرن التاسع عشر الميلادي تحدثوا عن شبكة هائلة من القنوات المائية تحت الأرضية، ونقل الماء بالأسطوانات الفخّارية على الطريقة النبطية. إلا أنهم جميعاً ينكرون نبطيّة هذا الأسلوب، ويعزونه دائماً إلى حضارتهم الغربية وهي روما. كان الرومان لصوص مهرة يسرقون جهود الاردنيين وينسبونها الى انفسهم . كان نهر عمان الذي صار سيلاً ثم تحول الآن إلى مجرى للمياه العادمة، أقول كان مسقوفاً في الحقبة الرومانية وذلك لحماية مجرى الماء من التلوث، وحماية البساتين من الفيضانات، وليكون ذلك جزءاً من تنظيم المدينة، ولم يصل إلى القرن العشرين إلا بقايا قناطر تهدمت أيضاً بسبب الحركة البنائية في هذه المدينة بعد أن تحولت إلى عاصمة للبلاد. وكانت شوارع عمان مبلطة ومحاطة بالأعمدة القائمة,حيث تحدث عنها الرحالة، وعثر عليها الناس عندما شرعوا في البناء في منتصف القرن العشرين. ومن الملفت للنظر أن الأردنيين قد اتخذوا أسماء أخرى غير العربية مضافة إلى أسمائهم العربية المحلية، وذلك في كل حقبة، ففي العهد اليوناني نجد أسماءهم تحمل الأسماء اليونانية لأنها اللغة الرسمية والتدوين صار بها وبالتالي قد نعرف الاسم العربي للشخص، وقد لا نعرف كما أن الكتابة كانت باليونانية كلغة رسمية أيضاً. فمثلاً نجد الشاعر العربي المدفون في أم قيس مكتوب على ضريحه: إليك أقول أيها المارّ، كما أنت، كنت أنا، وكما أنا تصير أنت، فتمتع بالحياة كأنك تموت غداً، من نظم الشاعر أرابيوس (355م).ومن الملاحظ ان اسمه من مقطعين هما : اراب / ارابي وتعني العربي او عرب , واما المقطع الثاني فهو مقطع النسبة وهي وس في اللغة اليونانية، والكلمة تعني العربي . وكان في أم قيس معاهد للعلم والأدب تخرج منها شعراء أردنيون منهم الشاعر ملياجر. وكانت إحدى المدن العشرة (الديكابوليس). وتعود إلى المملكة العمونية التي اندرج أهلها ضمن موجات الحكم المتعاقبة إلى أن جاء الفتح الإسلامي فالتحقوا بعروبتهم حكاماً ومحكومين وخلعوا عبادة آلهة الوثنية، واعتنقوا الإسلام والتوحيد، واندمجوا في أسماء عشائر جديدة، لا زالت هنا وهناك في شتّى بقاع الأردن. وهنا تنطبق عليهم صفة هامة من صفات الشعب الأردني ألا وهي التكيف مع الأوضاع الجديدة من أجل البقاء والاستمرار. وكما وقع الظلم على الشعوب الأردنية، وصار المؤرخون يتحدثون عن الرومان مع نسيان هذا الشعب وعن اليونان والصليبيين والأتراك , مع نسيان الاردنيين وكذلك الكلام عن المحتل او الحاكم مع نسيان دور الشعب الاردني , فإن الأمر نفسه لا زال يتجاهل الحديث عن وجود شعب اسمه : الأردني، مع تجاهل إنجازاته الحقيقية ونهضته العلمية والعمرانية وانتسابها لأشخاص محددين أو لأناس من غير الشعب الأردني. وبهذا ينطبق المثل القائل: نحن في الأردن مثل خبز الشعير مأكولين ومذمومين. وأيضاً المثل القائل: ملحتنا ما تبلغ ـ أي لا أحد يحترم العيش والملح الذي يتناوله في ديارنا. ولا بد من الحيث عن عمون بخاصة، والأردن بعامة في فترات سبقت وجود العمونيين في الديار الأردنية، حيث غشيها الهكسوس، وهم ملوك الرعاة الذين كان الحصان، والعجلة التي يجرها الحصان وسيلتهم في الحركة والحرب، وبذلك كانوا متفوقين على الآخرين بهذا السلاح الذي يعتبر في حينه أمراً يفوق التصوّر والإحاطة به. وقد تقدم الهكسوس وحارب قبائل البدو، ولم يتمكن من السيطرة على الأردن، وإنما اكتفى بممر واسع له وهو قادم من الشمال إلى الجنوب، بينما بقيت أجزاء الأردن الشرقية تحت حكم القبائل البدوية. وصل الهكسوس إلى مصر وحكموها، وكان من أولوياتهم الحفاظ على بادية الأردن لأن حكام مصر عبر التاريخ يعتبرونها بوابة الفناء للاننظمة في مصر ، لأن أغلبية من حكم مصر أو احتلها جاء من البوابة الأردنية أو الفلسطينية واعتقد بعض الباحثين أن الأردن لم تكن مأهولة في فترة الهكسوس وهي من 2100-1500ق.م. وذلك بسبب تحولها إلى جبهة عسكرية تحمي البوابة المصرية الشمالية من هجمات البدو والامم الاخرى التي قد تطمع في السيطرة على مصر . وبذلك صارت مصر بالنسبة لبدو الاردن زمن الهكسوس مصدر رزق واعاشة ومراعي لمواشيهم , في الوقت الذي التزم هؤلاء البدو بعد الاغارة على مملكة الهكسوس . وبذلك ادى التفاهم بتبادل المنافع والسلم بين الطرفين . فعاش الطرفان كل منهما غير قادر على القضاء على الآخر او ترحيله من الارض . من هنا كان العيش المشترك على هذه الأرض التي انقسمت انقساماً طولياً غربي ( مصر وفلسطين ) مع الهكسوس، وشرقي ( بلاد الاردن / ادوم ) مع البدو. وبقيت الفكرة الخاطئة بخلوّ البلاد من السكان عن الفترة أعلاه، قائمة حتى عام 1955 م عندما تم اكتشاف هيكل صغير خلال أعمال الإنشاءات في مطار عمان/ ماركا. ويحتوي الهيكل على مقادير كبيرة من الأواني الفخارية والأدوات الأخرى، ومنها أواني فخارية مستوردة من اليونان وقبرص، ومزهريات حجر مصرية، ومثل هذا يدل بل ويبرهن على أن عمان، وبالتالي الأردن كانت مأهولة بالسكان المتحضرين في الفترة الطويلة التي يعتقد البعض انها كانت خالية من السكان , بل وتدل هذه المخلفات الاثرية أن تزاوجاً بين المحتلين الهكسوس والبدو الاردنيين المجاورين لحدود مملكة الهكسوس قد أخذ مكانه في تفاهم وتناغم مما جعل الحياة أكثر استقراراً وازدهاراً، يدل على ذلك هذا الهيكل الذي يعني فيما يعنيه وجود رجال دين وأناس يتعبدون وبالتالي شعب مستقر متصل مع الامم من حوله , بل شعب له دينه وحضارته وثقافته , واذا كانت اخباره غير مدونة فان ذلك قصور في الحفريات التي كان يتوجب اجراؤها لوصول الى مزيد من التفاصيل عن هذه الحقبة وغيرها من الحقب التاريخية . فالاقدمون عاشوا بما ساهم وساعد في بقائهم وتركوا من الاثار القليلة او الكثيرة ماتعطي الاشارات اوالتفصيلات عنهم وعن نمط حياتهم وثقافتهم ومعتقداتهم . ولكن قدر الاردن انه دائما كخبز الشعير ماكول ومذموم ولا حول ولا قوة الابالله العلي العظيم ثالثاً: الأنباط: إن الحديث عن الأنباط يبقى قليلاً مهما كَثُر (بضم الثاء) ولأنهم شعب فريد من نوعه ومتميز بعبقريته , تحوّل من البداوة والرعاية إلى الفلاحة ثم إلى المدينة ثم إلى نحت مدينة في الصخر لا شبيه لها في الدنيا، وصارت عام 2007م من عجائب الدنيا السبعة. يقول العهد القديم في سفر التكوين أن الأرض الممتدة من وادي زاراد (الحسا) حتى بحر القلزم (خليج العقبة) كان يدعى سعير ـ وهو يسمى الشراة اليوم. وقد ورد اسم سعير هذا في الروايات التاريخية، وفي كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين أيضاً وإنما ورد بلفظ سعير أو شراة فهما كلمتان مترادفتان على كل حال وان اختلف اللفظ . إن هذا الجزء من الكلام في سفر التكوين أمر لا يحتاج إلى نقاش لأنه ملموس بين أيدينا. أما الذي يحتاج إلى نقاش فهو قول العهد القديم ، أن هذا الجزء من الأرض كان يطلق عليه اسم أدوم، وأنها أعطيت لعيسو. أما اسم أدوم لهذه الديار، فلا خلاف عليه، أما أنها أعطيت لعيسو فهي نقطة النقاش. ويذكر العهد القديم أيضاً أن أولاد عيسو وأحفاده تكاثروا واستطاعوا طرد الحوريين وهم سكان الكهوف في هذه المناطق وهي جنوب الاردن أو القضاء عليهم حيث تمكن أبناء عيسو باحتلال الديرة بأجمعها. وبذلك حولوا عيسو الى بطلاسطوري وان ذريته تتكاثر كالجراد وهو مالا يتفق مع عقل . إنه يستحيل أن تكون ذرية عيسو قد تكاثرت خلال هذه المدة من زمن إبراهيم إلى زمن موسى وهي خمسة قرون أن يكون عددهم قد وصل إلى درجة للقضاء على مملكة أدوم القوية الواسعة التي كان سكانها يصلون إلى عدة ملايين من البشر المتجانسين المؤمنين بقيادتهم في حينه. كما أن عيسو من العبرانيين، والأدوميون عرب من العموريين وقد وصلوا كقبيلة بهذا الاسم إلى الأردن، وشكلوا مملكة، وصار لهم ملك كما سبق وشرحنا من قبل وبالتالي فإن التوراة التي دأبت أن تَنْسِب كل شيء إلى العبرانيين ثم إلى بني إسرائيل، لم تجد من يناقش هذه المسألة من المؤرخين السابقين والمعاصرين. وقد يكون عيسو حاول السيطرة على الحاكم ففشل، ولكن الإسرائيليين لا يذكرون فشلهم وهزائمهم إلا في حالات قليلة وإنما يتحدثون عنها على أنها انتصارات لهم وإنجازات، ومن هنا فإن الرأي العلمي الذي يخرج عن الإسرائيليين محوط دائماً بالشبهات، ومنسوب بالباطل والتزوير ويجعلون الغلبة لهم، ويحاولون أن يجعلوا أنفسهم أساس كل شيء غير واضح للآخرين وينسبون له الأمجاد الوهمية. إن اسم سعير قد جاء من اسم أحد ملوك أدوم، وكانت الأسرة الحاكمة تتألف من الأمراء، ومجلس الحكم يتألف من شيوخ العشائر ضمن المملكة الأدومية الأردنية. وإن التوراة لتناقض نفسها وهي تسرد أسماء ملوك أدوم ثم تحوّل ذرية عيسو إلى أبطال وهميين، يتعاملون مع الأدوميين وكأنهم عصافير أو أرانب. وإن حديث التوراة عن عيسو أيضاً يأتي قبل ولادة عيسو نفسه، فلا أدري كيف استطاع عيسو أن تكون له ذرية تشكل شعباً ليقهر الشعب الأدومي الأردني، قبل أن يوجد هو نفسه في الحياة وقبل ان يولد من بطن امه . وأن الأحداث التي تشير إليها التوراة تقع إلى حوالي عشرين قرناً قبل الميلاد (2000 ق.م) أي قبل مجيء سيدنا إبراهيم إلى فلسطين أصلاً، وحيث كانت فلسطين أيضاً للكنعانيين منذ عشرات القرون وكانوا في حالة من الازدهار والاستقرار، وكذلك كان شأن أبناء عمهم العموريين العرب الأردنيين ومنهم الأدوميون. تزيد التوراة أيضاً في معلومة لا يمكن أن تتفق مع العقل ولا تتطابق مع الزمن إذ تقول أن مملكتي مؤاب وعمون قد تشكلت من أبناء بنات لوط. وهذا أمر لا يتفق مع العقل أبداً فالعمونيون والمؤابيون كانوا موجودين كشعب وعشائر في حوالي 2000 ق.م أي قبل مجيء لوط وإبراهيم عليهما السلام باكثر من مائتين وخمسين سنة , ولكن المنطقة المعقول أن تكون إحدى بنات لوط لجأت وزوجها (إن كانت متزوجة) إلى مملكة مؤاب باعتبار زوجها مؤابي من هناك لأن أهل قرى قوم لوط كانوا يرتكبون الفاحشة، وإن الثانية لجأت إلى مملكة عمون لأن المكان أيضاً قريب من المملكتين المتجاورتين وإن وجود التمثال الحجري لامرأة لوط الذي يعتقد العامة أنه لها وأن الله مسخها حجراً لكفرها. يقع ضمن مملكة عمون، وقريب من مملكة مؤاب في الآن نفسه، كما أن قبر لوط غير معروف إلى الآن، وأغلب الظن أنه لجأ إلى مملكة عمون لبعدها عن مكان السخط الالهي , ثم مؤاب لقربها من ديار من بقي من القرى ممن امن ولم يصبها الله بالنازلة التي اصابت المؤتفكات ( قرى قوم لوط الشاذة ) وربما كانت الحركة عكسية والله اعلم . ومن المنطق انه زوّج ابنتيه ممن أمن من أبناء هاتين المملكتين وأن التوراة تغاضت عن الحقيقة وحرفتها وكان همّها الوحيد هو فقط القول بأن أدوم من أبناء عيسو أو العيص، وأن عمون ومؤاب من أبناء بنات لوط. ولنفرض جدلاً دون التسليم بذلك أن رجالا من هاتين المملكتين : ادوم وعمون تزوجوا من بنات لوط عليه السلام , والجواب أنهما كبنات نبي لا بد وأن يتزوجن من ناس مؤمنين أيضاً. وإذا أردنا المقارنة نجد أن شعيب (الحفيد الأدنى للنبي شعيب عليه السلام، والحامل لاسمه) قد زوّج ابنته من موسى لأنه عرفه بعد الحديث معه أنه (أي موسى) مسلم وليس كافراً. وانهما وضعها الله سبحانه وكيلا على شرطيهما. وليس غريبا ان يكون هناك مؤمنين من رعايا او امراء مملكتي ادوم وعمون . وكذلك قد يكون الازواج من المؤمنين من قوم لوط وانهم بعدما اصاب قومهم ماصابهكم رحلوا الى ادوم وعمون , وانخرطوا في المجتمع والحياة هناك . وبناء عليه فإنني آخذ معلومات التوراة / العهد القديم بحذر، وهي على غزارتها لا تنشر إلا ما يخدم عقيدة هؤلاء القوم الحاقدة على سائر البشر والعقائد والأديان. وتتناقض التوراة مع نفسها مرة أخرى عندما تقول: أن عمون ومؤاب كانتا في العصور السابقة خاضعتين لأجناس من العمالقة كانوا يُدْعون الأيميين في مؤاب، والروفانيين والزمزميين في عمون. وأنهم استمروا حتى قام الإمبراطور الفارسي كدر هومر ملك عيلام حملة تأديبية سحقت هؤلاء العمالقة كما سحقت قوة الحوريين في سعير. نخلص إلى القول أن هذه العشائر التي أشارت إليها التوراة كانت موجودة وهي عربية بلا منازع لأنه لم يستقر في الأردن شعب إلا الذين جاءوا من الشرق. وأن العموريين عندما جاءوا طردوا هذه الشعوب وحلوا مكانها ولا علاقة لهم بعيسو ولا لوط ولا بني اسرائيل .وما دام الشيء بالشيء يذكر فإن من العشائر الأردنية التي سبقت العموريين , هم : الكفتاريون والزمزميون وغيرهم. ثم نعود إلى موضوعنا الرئيس هنا، وهم: الأنباط وهي المملكة الأردنية القديمة الوحيدة التي ليست من العموريين، وإن كانوا جميعاً من العرب. وقد تحدثنا في كتابنا: في ربوع الأردن جولات ومشاهدات عن كيفية تحوّل الأنباط العرب من رعاة إلى رعاة مزارعين ثم إلى مستقرين ثم إلى تجار، ثم إلى مرحلة البناء، وتوطيد التملك في هذه الديار، فصاروا مهرة في الإنتاج الزراعي، وتربية أصناف الماشية، وبخاصة الجمال لحاجتهم إليها في نقل البضائع عبر الطرق التجارية القديمة، حيث كانت البتراء نقطة تجمع وإعادة توزيع إلى مصر، وغزة والشام وبالتالي إلى أوروبا عبر موانئ البحر الرومي ـ البحر الأبيض المتوسط. ورغم أن الدراسات لم تغطي الأنباط بصورة وافية، إلا أنني ومن خلال معاينة البتراء وقراءة كثير مما يتعلق بهم باللغتين العربية والإنجليزية، أخرج برأي خاص أرى فيه أن الأنباط عرب قدموا إلى الأردن من الشرق وهم بدو رحّل يحملون متاعهم فوق جمالهم، ومعهم أنعامهم من الغنم والابل والبقر والخيل والبغال والحمير , وأنهم جاءوا من منطقة كانت تتوفر فيها المياه بصعوبة، وكانوا يستنبطون الماء أي يستخرجونه من أرض تبدو قاحلة في مظهرها , فصار هذا اسمهم، مثلما صار اسم الغساسنة من اسم العين التي نزلوا عليها. وعندما تجولوا في بادية الأردن وربوعه، وجدوا من الصعوبة عليهم السكن في منطقة الشمال والوسط والكرك لعدم قدرتهم على الاصطدام مع الأردنيين السابقين، ومع الممالك القائمة في الاردن وفلسطين ومع الإمبراطورية اليونانية التي كانت الأردن إحدى ممتلكاتها، فاختاروا منطقة تتوفر فيها حاجتهم من الأمن اولا والماء ثانياً والغذاء ثالثاً. 1. توفير الأمن: حيث أن هذه منطقة وعرة يصعب على أي جيش اقتحامها، وإذا اختفى أهلها فيها تبدو وكأنها قاحلة خالية من السكان. وهذا شبيه بما سبق وذكرناه من السراديب في القرى الأردنية الأخرى التي تستوعب سكان القرية ومواشيهم ويلجأون إليها وقت البرد الشديد، واجتياح الأعداء الذين لايجدون أحداً في المكان , وإن المتجول في منطقة البتراء وما حولها إلى وادي عربة يجدها ملاذاً آمناً طبيعياً هائلاً. وإن المتجول في الجبال المحيطة بها شرقاً وجنوباً وشمالاً يجد نقاط مراقبة اثرية قديمة تطل على جبال الشراة والسهول الشرقية حتى ما بعد معان أي حوالي خمسين كيلو متراً، حيث توجد العيون الغزيرة العذبة في هذه الجبال والأرض الخصبة فيها. ويبدو أن هذه النقاط المسماة باللهجة الأردنية مناطر Manater ومفردها منطرة، إنما كانت نقاط مراقبة بصرية يرابط فيها مجموعة من الرجال ويبلّغون قولهم بواسطة إشعال النار أو التحرك الفوري إلى حيث مركز الشعب النبطي ليستعد لمجابهة الغزاة القادمين من أية جهة كانت. وعندما تكون الأمور آمنة ينتشرون نحو الشرق ويستغلون سهول الشراة ومياهها للزراعة والإنتاج، واستطاعوا التوسع حتى حققوا الشهرة إلى درجة اضطرت القوافل التجارية القادمة من اليمن والشام أن تمرّ بهم كمحطّة رئيسة بديلة عن محطات وادي الأيكة ومدين، ومحطات قرى قوم لوط، أو متممة لها، ولكن القوافل هنا تجد الأمن والأمان والرعاية مما جعل سمعة الأنباط تفوق كل سمعة في هذا الصدد، بعكس ما كان عليه أمر أهل مدين والأيكة، وقرى قوم لوط، حيث كانوا يطففون الميزان والكيل ويقطعون السبيل على الناس، وقد ذكر القرآن الكريم ذلك وشرحناه مفصّلاً في كتابنا، التاريخ السياسي للعشائر الأردنية، أحد أجزاء هذا الكتاب باللغة الانجليزية . تحوّل الأنباط من قبيلة لها شيوخ عدة، وشيوخ مشايخ إلى مملكة لها أمراء، ولها ملك يعودون إليه وله قرار الحرب والسلم، وعليه خدمة ورعاية شعبة، وامتاز ملوكهم بالتواضع المعهود في البوادي الأردنية سابقاً. وقد حملوا الأسماء العربية، كما سنرى بعد قليل إن شاء الله. 2. توفر الماء : فالماء أساس الحياة , وإن نوعية المياه هنا من حيث المصادر تتكون من ثلاثة أنماط، الأول مياه النبع السطحية، وأهمها وأغزرها عيون موسى عند فتحة الجبل الذي يؤدي إلى وادي موسى ثم إلى البتراء على مسافة ثلاثة كيلو مترات من النبع. وتتميز هذه النبعة بغزارة وعذوبة مياهها، وخفيتها أي أن الشخص الغريب لا يدرك ولا يتصور ولا يعرف بوجود العين إلا لحظة وصولها، عندما يكون على بعد أمتار منها فقط. وهذا بحد ذاته جعل الغزاة يستخدمون منابع الصدقة والفرذخ وأيل من قرى الشراة إلى الشرق من وادي موسى وعلى الطريق إلى معان. وبهذا صارت مياه عين وادي موسى آمنة من الأعداء لأنهم لا يرونها من مسافة بعيدة، كما أن بداية مجراها تسير في وادٍ ضيق لمسافة طويلة نوعاً ما. وأما النمط الثاني فهي مياه الجمع، حيث أن جبال البتراء جرداء تتكون من الحجر الرملي الأملس الذي لا يشرب الماء، وبالتالي فإن أدنى زخات من المطر تلقي بهذه المياه على صفحة الصخر إلى أقدامه، وهناك استنبط الأنباط طريقة حولوا بموجبها هذه المياه إلى خزانات كبيرة تمتلئ بالماء، فلا يضيع منها شيء أبداً. وهناك أيضاً تجاويف صخرية طبيعية أو منحوتة تسمى الخوابي Khawbi ، ومفردها خابية Khabiah ، تتجمع فيها مياه المطر النازلة عل الصخر، وتحتفظ الخوابي بالماء في ظل ظليل طيلة السنة بعيداً عن الشمس والتبخر، وتشكل مصدراً نقيا للشرب. وأما النمط الآخر فهو الخزانات: التي كانت تستخدم للشرب والتجارة، وقد أقام الأنباط عدداً من السدود في نهايات الأودية النازلة من سلسلة جبال البتراء إلى وادي عربة، بحيث تتحول إلى الحلّ الثالث والأخير للاحتفاظ بكل قطرة ماء تنزل على تلك الديار. وعلى هذه السدود قامت الزراعات الكثيفة التي أنتجت خضاراً وفواكه في غير موسمها، واستخدامها في التصدير للتجمعات السكانية المجاورة في الأردن وفلسطين، وجلب دخل كبير من جراء ذلك , فضلاً عن الاكتفاء الذاتي لاستخدامات السكان أنفسهم، وقد عثرت السلطات الرسمية بالأردن على العديد من السدود النبطية , اقول عثرت عليها في العصر الحديث وأقامت على أنقاضها سدوداً حديثة كما أنه توجد بعض أشجار العنب (دوالي) إلى ماقبل دخولي السجن (2007) أما الآن وأنا أكتب هذا الكتاب من الذاكرة في السجن وفي ظروف سيئة. ومن أسوأ ما يمر بالإنسان السويّ فإنني لا أدري إن اندثرت هذه الدوالي. وأشجار التين والزيتون ام لا ؟ . واضح أن الأنباط اختاروا أكثر المواقع منعة في جبال البتراء حيث الممر الضيق وهو فتحة طبيعية في الجبل الصخري، ويفضي بعد ثلاثة كيلو مترات إلى فسحة من الأرض، حيث أقاموا الخزنة التي هي مقبرة لملوكهم، ثم إلى مدرج منحوت في الحجر الرمي والذي تأكل بحيث يحتاج إلى ترميم، ثم نجد قصر العدل وقد تجولت فيه شخصيا عدة مرات، ورأيته كيف كان محكم التنظيم والنحت والتوزيع، ثم شارع الأعمدة، ثم تلال إلى الشمال حيث يناياتها الاثرية تحت التراب الآن، ومغائر متناثرة هنا وهناك ، ثم إلى الغرب حيث يوجد الدير والكثير من الكهوف والمنحوتات والمسلة . لم يترك الأنباط أنفسهم تحت رحمة أي غزاة قد يحتلون منابع عيون وادي موسى، حيث أقاموا خطّاً سريّاً لنقل المياه تحت الأرض، يجلب المياه من نقطة سريّة عند النبع غير مكشوفة، ولا يؤثر عليها وجود الأعداء على النبع، ويتألف هذا الخط من الفخار الناعم المتقن، وقد رأيت العديد من أجزائه في عام 1968 في بساتين الجيَّة Jayyah المطلّة على وادي موسى وينتهي الخط إلى خزان للمياه قبل مدخل البتراء. وقد زرته عام 1987 وكتبت عنه ورسمته وشرحت ما حوله في كتابنا: في ربوع الأردن جولات ومشاهدات، 1987 ـ الجزء الأول. وبعد تجمع المياه في الخزان المذكور يجري نقلها ثانية عبر اسطوانات فخارية اخرى يمكن مشاهدتها بسهولة مغطاة بالجص تارة، ومكسورة تارة أخرى في سفح ممر صخر السيق المؤدي إلى الخزنة، وأن هذه المياه كانت كافية لأهل المدينة الصخرية، كما كان لديهم مصدر آخر للمياه بديل في حالة الطوارئ ومعزّز للخط الأول، ألا وهو ا
Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner