Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

اللامركزية على مفترق طرق

اللامركزية على مفترق طرق

أما وقد أدار المجلس الإقتصادي والإجتماعي (المجلس) حوار وطني معمق حول تجربة اللامركزية، وبات قريباً من صياغة توصيات ترفع للحكومة حول مستقبل هذه التجربة التي يُجمع الكثيرون بأن الفكرة إنطلقت ولكنها وصلت الى مفترق طرق تحتاج الى شواخص إرشادية للوصول الى الهدف المرجو منها، وهو تعزيز المشاركة المجتمعية بإتخاذ القرار للوصول الى تنمية مستدامة تعزز الإقتصاديات المحلية وتخلق فرص عمل للمواطنين.

المرحلة التي وصل إليها الحوار الوطني جد مهمة، وقد لخصها المجلس بثلاث خيارات، الأول الإبقاء على النموذج الحالي المستند الى وجود مجلسين أحدهما جله منتخب هو مجلس المحافظة والثاني معين هو المجلس التنفيذي، مع إجراء تعديلات على القانون رقم 49 لسنة 2015 يمنح مجلس المحافظة صلاحيات إضافية وإعطاء مرونة أكثر للمحافظين ومديريات التنمية المحلية في المحافظات في إعداد الخطط والبرامج والموازنات.

الخيار الثاني، إنشاء سلطة محلية كاملة الشروط على مستوى المحافظة بما يجعل من مجلس المحافظة المنتخب سلطة قرار على رأس منظومة لسلطة محلية على مستوى المحافظة ورئيس تنفيذي (معين أو منتخب) وجهاز إداري وفني وهذا يتطلب تشريعات جديدة "قانون السلطة المحلية" ويشمل عمل البلديات بما يختلف جوهرياً عما عهدناه منها كمنظات أهلية مستقلة.

الخيار الثالث، إنشاء سلطة مشتركة بين البلديات، بحيث يتم إنشاء طبقة ثانية في صلب النظام البلدي بهدف تعزيز الدور التنموي للبلديات وإنشاء "مجلس بلديات المحافظة" على غرار إتحاد البلديات المعمول به بهولندا.

جميع الخيارات المطروحة ستأثر على قانون مجالس المحافظات (اللامركزية) إما بالتعديل أو الإلغاء، ولكن المهم أن لا تقودنا التعديلات الى مفترق طرق آخر بعد أن كنا عبرنا المفترق الأول بخيار خاطئ، فما الذي يقلقني من الناحية التخطيطية الإقليمية والحضرية.

لقد ساد نموذج البلدية الكبرى في سائر المحافظات الأردنية بعد تنفيذ مشروع دمج البلديات في العام 2001 والذي كان له آثار سلبية في التعدي على الأراضي الزراعية الواقعة بين البلديات الصغرى والإنتشار الحضري بما شكل كتل حضرية أخذت تكبر وتكبر مع الزمن حتى أصبحت تمتد لمئات الكيلومترات المربعة مثال ذلك أمانة عمّان الكبرى التي تشكل حالياً مع مدن الزرقاء والرصيفة والسلط كتلة حضرية متشابكة تحتوي على ثلثي سكان المملكة. إن هذا النموذج السكاني والإقتصادي المرّكز Economics of Agglomoration ساد على حساب سائر المناطق الأردنية شبه الخالية من السكان بما يتناقض جوهرياً مع فكرة الإنتشار السكاني المتوازن وبالتالي التنمية المتوازنة، مما يستوجب التعجيل بتطبيق اللامركزية بإجراء تصحيحي مستعجل.

يجب تحرير المناطق التنموية المنتشرة بالمحافظات من عزلتها وإدماجها بمحيطها الحضري وتعزيز إرتباطها التنموي الأفقي بالمحافظة والبلديات بدلاً من إرتباطها العامودي بهيئة الإستثمار أو شركة المدن الصناعية. إن مفهوم التنمية الإقتصادية المحلية LED لا يستقيم بوجود هذا الكم الهائل من المناطق التنموية كجزر معزولة عن محيطها الحيوي لدرجة أنها تتمتع بصلاحيات مجلس التنظيم الأعلى ولا تتشارك بعوائد التنظيم مع البلديات لا بل تزاحمها على ذلك فماذا يتبقى للبلديات للمنافسة عليه بعد ذلك.

لا يمكن الحديث عن تطوير تجربة اللامركزية بدون مناقشة وعائها المكاني Spatial Envelope  ويقصد بذلك حدود المحافظات ومساحاتها غير المبررة تخطيطياً، فما الفكرة خلف تخصيص مساحة أقل من واحد بالمئة من مساحة المملكة لكل من محافظتي عجلون وجرش، بينما تستحوذ محافظة معان على 35% من مساحة المملكة.

إن التشكيل الجغرافي الطولي للمملكة (أغوار، مرتفعات شرقية، صحراء) لا ينعكس على حدود المحافظات كمناطق مناخية وبالتالي تكوين أقاليم متجانسة. وعليه، فإن أي نقاش لا يأخذ بعين الإعتبار الإستراتيجية العمرانية الأردنية سيكون ناقصاً، لأنه سيتعامل مع الحدود الحالية للمحافظات كتحصيل حاصل، مع أن هذه الحدود هي أحد القيود التي تحرر أو تقيّد التخطيط المكاني، فماذا لو تم إختيار نموذج "التنمية على المحاور" أو "أقطاب النمو" التي تتجاوز حدود المحافظة، فكيف ستتعامل الهياكل المقيدة بالمحافظة مع ذلك.

إن ما أنجزته وزارة التنمية السياسية والمجلس يعتبر خطوة مهمة أوصلتنا الى مفترق الطرق المذكور، ولا مانع من إطالة الوقوف للتفكير بالعلاقة ما بين اللامركزية على مستوى المحافظة والمركزية على مستوى الإقليم والدولة، ولتحقيق ذلك فلا بد من البدء بإعداد "إستراتيجية عمرانية أردنية وطنية" تحدد فيها مراكز التنمية ومحاور النمو المطلوبة العابرة للمحافظات والألوية والأقضية، آخذة بعين الإعتبار مسار سكة الحديد الوطنية والطرق الدولية والوطنية والدائرية والشريانية وعلاقتها بسيناريوهات نمو المدن.

بعد هذا كله، يتم الحديث عن المستوى الأدنى فالأدنى من التخطيط المكاني الذي يهدف الى التنمية المتوازنة لإقامة إقتصادات محلية تخلق فرص العمل في ظل دولة ذات سلطة سياسية مركزية متماسكة.

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner