الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner

القط بعشق خُنّاقه ،

القط بعشق خُنّاقه ،

التماهي مع الجلاّد ولبس عباءته وتقمّص دوره ( متلازمة ) إنسانية عجيبة وغريبة، وإن أمعنّا النظر في الوقت الحالي لوجدنا العديد من "القطط" التي تعشق خنّاقها حدّ الثمالة، ليس لأنه شباط شهر القطط فحسب؛ وإنما لأن الجميع ينتقد الفساد والظلم والقهر والتسلّط، وكثيرٌ منهم يمارسه حين تُتاح له الفرصة، وإن لم تأتِ تلك الفرصة للاستبداد والتسلط على شريحة واسعة، يمارسه في دوائره الضيقة كلٌ على هواه ومصالحه لمن هم أضعف منه شأنًا، هذه هي عقدة النقص بعينها وما يُعرف بِ ( التماهي مع الجلاّد)، وهو شبيهًا بتلك الأوهام الطوباوية التي يُمنّي بها المرء نفسه لمّا يدرك جيدًا في قرارة نفسه بأنه لا يستطيع أن يفعل شيئًا، ولن يفعل شيئًا..

وفي التوصيف النفسي يسمّى ذلك بِ ( التوحّد بالمعتدي)، وهو ميكانيزم دفاعي لاشعوري "يتقمّص" من خلاله المغلوب على أمره سمات قاهره وظالمه، إما جميعها أو بعضها أو ربما إحداها، فيقوم باستدخالها لعقله واستدماجها، ثم تمثّلها والتوافق معها، ليقوم فيما بعد "بإسقاطها" على غيره والأقل منه قوّةً على وجه الخصوص، وهكذا دواليك، تنتقل حمّى ذلك السلوك الهستيري من شخص لآخر عن طريق العدوى (عدوى السلوك)، بشكل فردي أو جماعي، لا فرق.

أما في التوصيف الاجتماعي فقد قالها العلاّمة ابن خلدون منذ زمنٍ بعيد؛ "إنّ المغلوب مولعٌ أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده".. وقيسوا سلوك أغلبية المواطنين اليوم على منوال ما قلناه أعلاه..

اعتاد المواطن العربي على ممارسة دور الضحية، فأمسى مُتقنًا له بجدارة، وتماهى مع الجلاّد في ديناميكية ملفتة للنظر تستحقّ البحث والدراسة، ظنًّا منه أنه من خلال ذلك يحافظ على مكتسباته، أو بالأحرى يحصل على أدنى حقوقه التي كفلته له دساتير العالم بأكمله ومواثيق حقوق الإنسان جميعها، ولم تحاول "الضحية العربية" التمرّد ولو لمرة واحدة على ذلك الدور المُهين، ولم تجرّب انتزاع حقوقها عنوة منذ زمنٍ بعيد، إلى أن ترسّخ (الخنوع) في الجينات العربية، ونقله السلف إلى الخلف، بالوراثة مرّة وبتناقل السلوك المُعدي مرّات للأسف الشديد..

لا يتوقف حدّ التماهي مع الظالم عند ممارسة دور الضحية أو إعادة تدوير الظلم، وإنما يتعدّاه إلى ما هو مُعيب أكثر، عندما يُطنِبْ (القط) في مديح خُنّاقه ويشجيه طربًا بوصفه بما ليس فيه، كما نشاهد ونسمع ونقرأ حاليًا من "السحّيجة"، الذين أضرّوا أنفسهم قبل أن يضرّونا جميعًا، مما زاد عدد القطط إلى ما لا نهاية..

تقديس "الصنم" هو جزء لا يتجزّأ من الثقافة العربية، وهي سمة أصيلة وموروثة فيها كذلك، لدرجة تخليق تلك ("النبوءة" المحقّقة لذاتها) التي أقنعت العرب أن حكم الحديد والنار هو السبيل الوحيد لاستقرارهم وتطورهم، وما زال كثيرٌ منهم إلى الآن يستشهدون بكلمات "الحجّاج بن يوسف الثقفي" في مقولته الشهيرة؛ ( وإني أرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وإني لأرى الدم يترقرق بين العمائم واللحى)، كم من حجّاج شهدناه، وما زلنا نشهد حاليًا، في جميع المواقع سواء في العالم الافتراضي أم في الواقع؟؟!!

من الضروري جدًا هنا التمييز بين العفو عند المقدرة وبين التعاطف مع الطاغية عندما يُظهر أي درجة من الإنسانية، ففي الحالة الأولى هي مشهد راقي من "دفاع التسامي" وتبنّي ثقافة التسامح، أما الحالة الثانية فهي حالة مرضية لا محالة عندما يتم تضخيم سلوك الظالم الإيجابي مهما صَغُر حجمه أو قلّ مقداره إلى حدّ نسيان جميع ظلمه وجوره وفساده، هناك فرق كبير جدًا، لأن الحالة الأخيرة تفرض حالة من التماهي مع الجلاّد وتقمّص دوره حدّ التوحّد معه، ووصفه بالبطل وربما المنقذ المخلّص، وهنا يحدث الانتقال القبيح من حالة التعاطف إلى حالة الإعجاب الشديد بشخصية الطاغية الفاسد حدّ الاندماج، وما يزيد الأمر فداحة هو استدراج الجميع بدهاء شديد إلى التماهي مع هذا المشهد القميء..

وفي سياق هذه العجالة، يمكننا القول أن المواطن قد بات رهينة بيد الجلاّد، ولم يعد الإنسان أغلى ما نملك، ولم تعد الدولة ترى مواطنيها سوى رهائن لها، وهنا مكمن الخطر؛ لأن التماهي مع الفساد بات أسهل من "رغبة" التخلص من الجلاّد، وهذا الوضع المُزري يشهد على أن تلك الرغبة ما هي سوى مجرّد مسرحية هزلية يمثّلها المواطن على نفسه ليس بدافع التدلّل على الإطلاق، بل لأن واقع الجلاّد يفرض نفسه عليه بشكل جادّ يفوق رغباته وربما قدراته كذلك، وهنا اغتنمت هذه الرغبة الفرصة بتلهّف لكي تتحول من الحلم الرومانسي الذي كانته، إلى شيء مبتذل جدًا؛ فغدت عامل من عوامل الترقّي المهني والغنى السريع..

في ضوء ما سبق تبدو الحرب على الظلم والفساد كما تُدار حتى الآن حربًا معه لا عليه، تتكالب على الأعراض وتتغافل عن الأسباب، حيث يبدو المطلوب هو ترويض المارد والتماهي مع الفاسد لا الإطاحة به، وقصّ مخالبه فقط وليس اقتلاعها من جذورها، ومطاردته بيد والتربيت عليه بالأخرى، الأمر الذي قاد إلى خلط الأوراق وإسقاط الفشل على أكباش الفداء، وإرغام المواطنين قسرًا تارة وطوعًا تارة أخرى للتماهي مع الجلاّد، كنوع من المقايضة مقابل "خرافة" الأمن والأمان، فأضحى تقمّص هذا الدور هو الأصل لا الاستثناء، وهذا ما يسمى بِ ( باثولوجيا ) الرواسب الثقافية والأحقاد الاجتماعية والثارات النفسية المتنكّرة في زيّ (الوطنية)، دعمًا لحلف الجهل والفساد والتخلّف والاستبداد..

وأخيرًا أقول للقُساة قلوبهم وللضعاف نفوسهم وللبلهاء عقولهم؛ احذروا "متلازمة التماهي"، ولا تسقطوا عيوبكم على غيركم، وكافحوا فسادكم قبل أن تكافحوا أسراب جرادكم..

بعد الفساد سيغزونا الجراد، فمن منهم أكثر خطرًا وأشدّ فتكًا بالبلاد والعباد؟؟ تساؤل وطني مشروع جدًا اليوم، ولحين الوصول إلى إجابة، سيبقى لنا من هذا الحديث بقية...

Khaberni Banner
Khaberni Banner