الرئيسية/العالم
Khaberni Banner Khaberni Banner

القتلة الاقتصاديون !!

القتلة الاقتصاديون !!

"أنت لا تدري يا بني كيف يدار هذا العالم، بالقليل القليل من الحكمة”. هكذا أنهى سياسي نمساوي بارز ونظيف الكف في القرن التاسع عشر رسالة إلى ابنه الذي كان يتأهب لدخول المعترك السياسي، ناصحاً إياه بعدم الإقدام على هذه الخطوة. لكن، لو أن هذا السياسي نفسه يعيش الآن بين ظهرانينا، لنبس بكلام أقسى بكثير. كان قال: “أنت لا تدري يا بني كم ان هذا العالم يدار بالكثير الكثير من الفساد، والقتل، والإجرام”. هل نحن نبالغ هنا؟ ربما. لكن، ليس بالنسبة للكاتب الأمريكي ستيفن هيات الذي أصدر مؤخراً كتاباً بعنوان “لعبة قديمة بعمر الإمبراطورية” كشف فيه، وعلى لسان بعض كبار العاملين في قطاع المال وعلماء البيئة والاجتماع، عن شبكة الفساد المعولم التي يديرها “قتلة اقتصاديون مرموقون”، على حد تعبيره. من هم هؤلاء “القتلة”؟ إنهم مهنيون محترفون يتقاضون رواتب عالية ويغشون الأمم في أرجاء الكرة الأرضية كلها بمبالغ تصل إلى تريليونات الدولارات. ويقوم هؤلاء بتجرية المال من البنك الدولي و”الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية” (USAID)، وغيرها من منظمات المساعدة الخارجية، إلى صناديق الشركات العملاقة وجيوب عدد قليل من العائلات الموسرة التي تسيطر على الموارد الطبيعية. وتشمل أدواتهم إعداد تقارير مالية خادعة والابتزاز وتجارة الجنس وعالم الجريمة، وذلك من خلال لعبة قديمة بعمر الإمبراطورية، اتخذت أبعاداً جديدة مرعبة خلال زمن العولمة هذا. تتوالى فصول الكتاب بترتيب يتبع تدفق المال والنفوذ في الإمبراطورية المعولمة وكيفية بيع القروض لبلدان العالم الثالث، كما آلية تدفق المال غير النظيف عن طريق حسابات سرية في بعض المصارف، وفشل نماذج التنمية المعتمدة على الديون، وتراكم جبال من الديون غير المدفوعة، وتقويض الاقتصادات المحلية بواسطة “صندوق النقد الدولي”، والتدخل العسكري لتأمين الاستيلاء على الموارد والثروات الطبيعية على امتداد الكوكب. وبهذا المعنى، “القتلة الاقتصاديون” يخدمون نخبة صغيرة من الشركات والمؤسسات ذات التأثير الواسع بهدف دائم ومتواصل: تحقيق المزيد من الأرباح والنفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري بشتى الطرق والوسائل. والأرقام التي يوردها الكاتب أصدق أنباء من الكتب: تدفع بلدان العالم الثالث ما يزيد عن 375 مليار دولار أمريكي سنوياً لتفي ديونها، أي ما يعادل عشرين ضعفاً من حجم المساعدات الأجنبية التي تتلقاها. يتدفق سنوياً من المال القذر ما لا يقل عن 500 مليار دولار أمريكي من البلدان الفقيرة إلى حسابات “الاوفشور” بإدارة مصارف أمريكية. وتراوح مصادر هذا المال من الاحتيال الضرائبي وهرب رؤوس الأموال إلى غسل الأموال والمتاجرة بالمخدرات والأسلحة. بحلول العام 2015 ستتزود الولايات المتحدة بحوالي 30 في المائة من نفطها المصدر من أفريقيا وتعمد شركات النفط المتعددة الجنسيات إلى الاستعانة بمزيد من الجيوش الخاصة لحماية عملياتها في التجارة. بينما يناضل الشعب العراقي لتحديد مستقبله وسط الفوضى السياسية والعنف الدموي، يتقرر مصير نفطه، الذي يمثل الاحتياطات الاقتصادية الأكثر قيمة، وراء الأبواب الموصدة. وهذا يعني أن اتفاقيات المشاركة في إنتاج النفط المفروضة على العراق ستكلف البلاد مئات المليارات من المداخيل المفقودة. أثبتت قروض البنك الدولي لبلدان العالم الثالث بمئات مليارات الدولارات، انها زادت هذه البلدان فقراً وتخلفاً كما زادت النخب الحاكمة ثروات فاحشة. هذا كان غيضاً ضئيلاً من فيض “لعبة قديمة بعمر الإمبراطورية”. ولو أن صاحبنا الوزير النمساوي النظيف قيّض له “العودة إلى المستقبل” وقرأ هذا الكتاب، لضحك على الأرجح، قبل أن يخط رسالة أخرى لابنه يبلغه فيها أنه قرر الانتحار.   * كاتب سوري   الخليج
Khaberni Banner
Khaberni Banner