Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

العقل زينة ؛

العقل زينة ؛

إن كان الفقر " أبو" الجرائم، فإنّ ( قلّة العقل) أمّها، كيف لا والعقل صانع الإنسان واستقامته مصنع الكرامة!! فلا الدولارات ولا الدنانير ولا الدراهم ولا أيّ عملة في العالم يمكنها استبدال "مجد العقل"، ولا حتى الذكاء يُغني عن العقل مهما كان حادًّا إن لم يحجز الإنسان عن فعل ما لا ينبغي، فإحسان التصرّف وحسنه عقلاً، ونرى أناقة ورقيّ الأخير-أي العقل- في سلوك صاحبه الذي كرّمه الله تعالى وميزّه بتلك النعمة، وإن فقده أو حتى لم يحسن استخدامه في تمييز الغثّ من السمين، بات كالبهيمة التي تأكل وتشرب ولا تعقل شيئًا، وكما قال قديمًا "ابن حزم الأندلسي": "لا فرق بين مُقلّد وبهيمة تُقاد"، وكأنه يقول لأصحاب العقول المغيّبة، سريعي العدوى، المقلدين، والمعفيين من التفكير والبحث عن الحقيقة، إذا لم تفكروا وتعقلوا فلا فرق بينكم وبين البهيمة التي لا عقل عندها، وما أكثر البهائم حالياً..

من البديهي أن المجتمع "غير العاقل" من يسيّر أموره المستبدّون، فكما تكونوا يُولّى عليكم، وبالعامية (سوسه من عوده)، حيث يحرص أولئك المستبدّون على تجهيل الناس، وإفراغ عقولهم، وشغلها بالترّهات، وتعبئتها بالسخافات، لجعلهم مثل البهائم ليسهل عليهم قيادتها، وفي هذا الشأن يقول "الكواكبي": "والمستبدّ يودّ أن تكون رعيته كالغنم درًّا وطاعًة، وكالكلاب تذلّلاً وتملّقًا". ومشاهد العرب، كلّ العرب ( الأخيرة ) تشي بذلك بجلاء ووقاحة.

ليس كل من يملك العقل يُعتبر عاقلاً، فكم من سفيه وأحمق ادّعى ذلك ورأينا نتاج عقولهم في أفعالهم القبيحة التي أودت البلاد والعباد إلى التهلكة!!  العاقل الحقيقي من يترفّع عن السفاهات والفساد، ويتسامى عن خوارم المروءة كلها، ويسمو بنفسه نحو مكارم الأخلاق؛ فمروءة المرء بعقله، ومروءة المجتمع بعقله الجمعي أيضًا، فالعقل الفردي والجمعي صنوان لا يفترقان.

وعندما يسطو "سلوك القطيع" على عقول الجميع، ويفرض عليهم الانصياع لأوامر ومصالح بغض النظر عن صوابها من عدمها، يُفرغ العقل من ( البصيرة ) ليعقلن اللامعقول وليشرعن اللامشروع، وهذا هو ما آل إليه حالنا اليوم..

وبدلاً من طغيان العقل الفردي على الجمعي في عصر الحداثة، حدث العكس تمامًا، وزاد ذلك من أشكال الانصياع والإذعان إلى أقبحها، وتعطّلت ملكة التفكير وقُمعت أصوات العقل، وتقزّمت الآراء في حيّز ضيّق لمن له الغلبة والشأن فقط، فسقط العقلان معًا، وسقطت معهم "الحكمة" في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، ويا ساتر من الجائر!!

وفي الوقت الحالي طغى بسفور فاضح وملفت للنظر  جدًا "العقل الجمعي الافتراضي"، الذي أثّر في عقول العوام ووجّه أفكارهم وتحكّم بانفعالاتهم وقاد سلوكاتهم في العالمين الافتراضي والواقعي على حدّ سواء، وعلى المستويين الفردي والجمعي في ذات الوقت، وبلا أدنى ريب، ودوره اليوم هو الأخطر على الإطلاق في تغييب العقل العربي لصالح العقل الافتراضي العالمي، وهذا ما حدث فعلاً، حيث نجح في السيطرة على الرأي العام بجدارة، فأُخمدت أصوات الحقّ لحساب أصوات "النشاز"، ثم الانجرار وراءها على حساب الوطن ومواطنيه، من خلال "محاكاتها" أحيانًا، وربما ( تقمّصها) في أحيان كثيرة، تحت تأثير ( القولبة النمطية الذهنية )، فنخرت العقل العربي حدّ التسوّس.

وعلى الرغم من هذا المشهد المأساوي والهزلي كذلك ( للفخّ ) الذي وقع فيه العقل العربي في شبكة وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة بكافة أشكالها، إلاّ أننا لا ننكر أنها ألقت علينا بظلال صحيّة نسبيًا؛ من خلال القدرة على كشف الحقائق من زيفها، بسبب تنوّع مصادرها ومواقعها، وتمكّننا من الوصول للمعلومة مرئية ومسموعة لا مكتوبة فقط، "والعاقل هنا"، من يستطيع غربلتها لفصل الحقيقة عن الشائعة عندما يمسي ( الحقّ ) ميزانه الذي يزن به الأمور..    اعتقد هنا وأكاد أجزم أننا لو أجرينا دراسة معمقة عن العقول العربية للأحياء منهم والأموات، لوجدناها ما زالت ( مجلتنة)، أي في ورقتها، "براند نيو" يعني، وإن كان أقصى ما استخدمه العقل البشري من قدراته في أعظم اختراعاته هي ١٠٪؜ فقط من طاقة العقل الحقيقية، وهي عقول غربية، ربما العقل العربي (حاليًا) المجمّد والمكبّل والمغلق لم يرقى إلى أعشار إن لم يكن أقلّ، والعقل زينة..

"الشمس" الأخرى للبشرية هي ( ثقافة العقل )، ولا يمكن لها أن تنمو سوى بإدامة القراءة والمطالعة، ودوام التعلّم من تجارب الحياة وعثراتها، وحينها فقط سيسطع نورها، ولن تفنى ولن تزول، وإن تداعى الجسد الذي يحملها؛ لأن "الخلود" بما يصنعه العقل ويترك أثره على البشر والحجر، من العلم المولود، والسلوك المحمود، والعطاء اللامحدود..

وجود الجمال والمال دون اقترانه بالعقل يشبه تمامًا وجود الزهرة الجميلة في الوحل، ولعلّ الإبصار "بعين العقل" أفضل بكثير من الاكتفاء بالرؤية من مقلة العين؛ لأن ذلك لن يزيد المجتمع سوى ( عميانًا )، ويمسي كالريشة في مهبّ الريح..

لا يسعني أن أختم هذا المقال في هذا المقام بأجمل من كلمات من غار في النفس البشرية وسبر أغوارها وسبق فرويد بمسافات، ذلك الطيّب "أبو الطيب المتنبّي" عندما ميزّ بين العاقل والجاهل وقال في هذا البيت الجميل: " ذو العقلِ يشقى في النعيم بعقله، وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ"..

كيف لا يكون لنا من هذا الحديث بقية ونحن نتحدث عن مكرمة "العقل" للإنسان؟!... دمتم....  

Khaberni Banner