الرئيسية/قضايــا
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

العالم يجوبني

العالم يجوبني

أتذكرون حين كنّا أطفالا صغارا ؟ كنّا نرى العالم كبيرا ، عظيما ، متنوعا ، غامضا ومخيفا ، أما فضولي لكل ما هو غامض فقد طور حلما لدي بأن أجوب العالم شرقا وغربا ، شمالا وجنوبا ...

عندما كنّا أطفالا ، كنّا إذا ما التقينا غريبا نظرنا إليه بفضول بيّن ، وتفقدناه من كل جوانبه ، وكنا نطرح آلاف الأسئلة حول لغته ولغة جسده ، حول ما يأكل وما يلبس ، حول عاداته ولون بشرته وحول عباداته وتحركاته ونواياه ... وكنا نتعامل معه بحذر ، حيث أننا لم نفقه شيئا عن هذا الغريب ولا عن قدراته الخارقة في إيذائنا حتى وإن بدى لطيفا ...

مرت الأيام ، بل الأعوام ، تحول بِنَا الزمن بدءً بالعولمة ، وما أدراك ما العولمة ، مرورا بالإختراق المسمى بالإنترنت ، كما وأصبح لدينا حقوق إنسان تفتح الأبواب للعالم لكي " يزورونا " من أجل التأكيد على تطبيق حقوق الإنسان ، يمد لنا يد العطاء لنواكب النمو والنهضة العالمية ، بدعوة أم من غير دعوة ، شئنا أم أبينا ...اليوم أدرك وبدهشة أن العالم قد أتى ليجوبني حيث أنا ...

ألتفت حولي ، فأراني منسجمة مع زميلة ألمانية تضع خططا للعودة إلى ديارها في عيد الميلاد ، وزميل من كينيا يعلمني عن أسرار القهوة هناك ، صديقة أطمئن عليها في اليابان ارتأت أن تسمي ابنتها " سناء " حيث أعجبها الاسم في بلادنا ، وأخرى في كندا تصارع سباق اللغات بين أبنائها ، وابن عّم في الولايات المتحدة هو أقرب لأن يكون أخي لكن اختلفت علي ملامحه فدققت في صورته كلما رأيتها عله 'فان ديزل' أو قريبا له ،  وأخرى في أستراليا تفاجئني بمكالمة صباحية فتسبق أمي في سماع أخباري ذاك النهار ، وأتراسل مع صديقتي في الباكستان فأسألها عن وصفة دجاج حار كنّا قد تحدثنا عنه في إيطاليا فتوبخني مازحة بأن الوقت غير مناسب للتحدث عن الطعام وقت الصيام ، وأسأل الأخرى في أثيوبيا عن كيفية وضع الموز مع الأفوكادو لتسريع استوائه فتخبرني بأن زميلنا في غانا قد رزق بطفلة بعد طول انتظار ، وأنتقل لأخوض حوارا مع صديقي النيجيري حول الانتخابات الأخيرة وتحديات شعبه ، ليشاركنا الحوار صديق إيطالي عاش تجربة إقتصادية صعبة في بلاده فارتأى أن يرحل ليزور القدس قبل عيد الميلاد بقليل فيحتفل بالعيدين معا ، وينقر شاشتي صديق آخر يعلمني أن وضع الإيبولا في تحسن في سيراليون ، ثم ما ألبث أن أتفاجأ بزيارة من زميل الدراسة آتيا من العراق ليحدثني عن آخر أخبار زميلتنا المستوزرة في البحرين وليترك معي هدية لصديقتنا المشتركة في فلسطين ، أما زميلي اللبناني العامل في أفغانستان فيبعث لي بآخر أخباره وبأن وجهته القادمة هي اليمن ، وفي خضم ذلك ، تأتي زميلتي الإسبانية لتدعوني إلى الإفطار في منزلها في نهاية الأسبوع القادم ، وينتهي يومي بسهرة مع العائلة بحضرة صديقة تونسية فنقضي الليلة نحلل المفارقات حول حقوق المرأة هنا وهناك فتعلمني بأن تعدد الزوجات غير مسموح في تونس ، بقايا القانون الفرنسي ... العالم يجوبني !

وحين ينتهي بي اليوم خلف شاشة التلفاز لأشاهد وأسمع آخر أخبار العالم ، أندهش وأحتار من جديد ، فما أراه هو شعوبا متصارعة متقاتلة لا تتحدث اللغة التي أتحدثها مع أصدقائي ، شعوبا لا تضحك ولا تبكي بنفس الأسلوب ، فمنها من يضحك شامتا ، وآخر يضحك هستيريا ! والآخرين يبكون ظلم الطبيعة أو ظلم الأخرين والأقدار ... وحدهم ، وحدهم !

 في الواقع ، أصدقائي حول العالم يهتمون لشؤون بعضهم البعض ، يفرحون لأفراحنا ويتألمون لآلامنا ... لكل منهم قدسيته وآيديولوجيته وإيمانه وأفكاره التي يجب ان نعتاد على تقبلها بل وعلى احترامها ... شعوب العالم يا عالم مكنونها الإنسان ، بعقله ، برغباته ، بأحاسيسه ، بأولوياته ، بمصادر خوفه وقلقه ، وبأسباب حزنه وفرحه ذاتها ... من قام بتشويهك أيها العالم ، من يضع الاختلافات ومن ذَا الذي يجردك من إنسانيتك ، ترى متى سيدرك العالم حقيقة العالم !

Khaberni Banner
Khaberni Banner