Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

الشيكات.. مصدر.. إرباكات 

الشيكات.. مصدر.. إرباكات 

التعامل التجاري له أسس وآليات عامة ، وخاصة ، وتفصيلية ، مُترابطة ، ومُتشابكة ، محورها الثقة ،  فكل مصلحة تجارية او نافذة بيعية سلعية او خدمية ، لها ، وعليها ، تطالب آخرين ، ويطالبها آخرون . لأن من أبسط أسس التجارة ان ( يَفْرِدَ ) التاجر رأسماله في السوق متمثلاً  في السلع او الخدمات . وعليه يكون مُطَالَباً  بمبالغ من قبل آخرين ، ومُطَالِباً  آخرين بمبالغ . لهذا  تلجأ كل الاطراف في تعاملاتها الى إصدار شيكات آجلة بمواعيد وتواريخ محددة ، يضمن من خلاله سداد المبالغ المستحقة سواء كانت له ، او عليه . 

عِشتُ في دولة الامارات الحبيبة بلد زايد الخير ( ٢٠ )  عاماً ، منها ( ١٢ ) عاماً مديراً عاماً لستة شركات متنوعة النشاطات ، لذلك من الطبيعي ان يكون لنا في السوق ملايين الدراهم ، كما ان علينا ايضاً ملايين الدراهم . وعليه كان من الطبيعي ان يكون لدينا شيكات آجلة من آخرين بمبالغ كبيرة  ، كما اننا نصدر شيكات آجله بمبالغ كبيرة  ايضاً لجهات عديدة . 

كان ، وما زال ، النظام البنكي في الامارات ، لا يَسمح  بإيداع  شكيات الاخرين التي لديك الا في يوم الاستحقاق المتمثل بتاريخ الشيك ، وحتى لو تقدمت بشيك لديك قبل موعده ولو بيوم واحد لا يقبل البنك ايداعه .

أما في الاردن لو اصدرت شيكاً لطرف معين بتاريخ استحقاق بعد شهور ، فان من حقه حسب النظام المصرفي الاردني ان يودع الشيك في اليوم التالي ، بغض النظر عن تاريخ الاستحقاق المكتوب على الشيك !!؟؟ اذاً ما الفائدة من تأريخ الشيك !!؟؟ ثم ان ذلك يُحدِث ارباكاً كبيراً للقطاع التجاري ، لان من اصدر الشيك وحدّد تاريخة يضع في حسبانه  توفير الرصيد اللازم لصرف الشيك في موعده الذي حدده لِلوفاء بالتزامه . لكن اذا تم ايداع الشيك قبل موعده فمن المؤكد ارتجاعه لعدم كفاية الرصيد في حساب من اصدره . وبهذا يرتفع عدد الشيكات المرتجعة بشكل خيالي ، كما ترتفع قيم الشيكات المرتجعة الى مليارات الدنانير سنوياً في الاردن ، وهذا لا يعتبر مؤشراً صحيحاً بكل المقاييس ، بل يعتبر خللاً في النظام المصرفي . 

قبل ( ٢٣ ) عاماً ، وتحديداً عام ١٩٩٧ ، وبعد عودتي من الغربة بعامين ، شرعت في بناء منزلي ، وبعد انتهاء اعمال البناء ، جلست مع المقاول لتصفية الحساب بشكل نهائي ، فتبين ان المبلغ المتبقي للمقاول (٥,٠٠٠ ) دينار فقط وهو مبلغ بسيط جداً مقارنة بالكلفة الاجمالية للمشروع  ، ولانني كنت ادفع للمقاول بانتظام ، واحياناً كثيرة ادفع له دفعات مقدمة للانفاق على مشروعه الاخر ، سلمته شيكاً بالمبلغ المتبقي ، لتبرأة ذمتي ، وحددت تاريخ الاستحقاق للشيك بعد شهر بالاتفاق معه ، برضى تام من قبله ، واضعاً في اعتباري السداد باقرب فرصة ببيع قطعة ارض يصل ثمنها في السوق الى حوالي ( ٣٥,٠٠٠ ) ديناراً ، وفوجئت بعد ثلاثة ايام بالضبط ، باتصال من شخص لا اعرفة ، وعرف بنفسه انه محامي فُلان ، وان الشيك ارتجع ، وعليّ سداده خلال بضعة أيام ، والا سيكون مضطراً لاتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة ، اغلقت الهاتف معه واتصلت باحد ابناء عمومتي لديه نشاط في بيع وشراء الاراضي ، وكنت قد كلفته مسبقاً ببيع قطعة ارض ، وقلت له : اود بيعها غداً الساعة العاشرة صباحاً بمبلغ  (١٠,٠٠٠ ) دينار نقداً ، وبعتها باقل من ثلث الثمن لاتمكن من الوفاء بالتزامي ، حيث كنت اجهل ان النظام المصرفي في الاردن لا يلزم التقيد بتاريخ استحقاق الشيك ، كما  النظام المصرفي الاماراتي ، وان الالتزام بتاريخ استحقاق الشيكات هو التزام أدبي فقط . ومن يومها وحتى الان بعد مرور (٢٣ ) عاماً لم اطلب دفتر شيكات ولم اصدر شيكاً بالمطلق ، لانني خلال (١٢) عاماً التي كنت  فيها مديراً عاماً لم يرتجع ولا شيك واحد للستة شركات التي كنت مديراً عاماً لها بالمطلق . 

تذكرت هذا الموضوع ، وتذكرت تجربتي الشخصية ، عندما أُعلن ان نسبة الشيكات المرتجعة في الاردن في شهري ٢٠٢٠/٤،٣ بلغت ( ٧٧٪؜ ) وبلغت قيمتها ( ٤٩٤,٠٠٠,٠٠٠ ) دينار !!؟؟ بينما بلغت قيمتها في نفس الشهرين من العام الماضي ( ١٣٥,٠٠٠,٠٠٠ ) عن كل شهر . كما ذكرني موضوع الشيكات المرتجعة بمحاضرة حضرتها عام ١٩٧٢ في كلية الادارة والاقتصاد في جامعة بغداد ، مع اصدقاء لي ، وكان المحاضر السيد / ابراهيم كبه ، ليس دكتوراً ، وانما يحمل خمس شهادات ماجستير ، ويتقن ست لغات منها اليابانية ، وكان قد كلف طلابه بتحضير (١٨٠ ) صفحة من المادة ، ولما شعر بان الطلبة غير متمكنين من المادة ، فاجأهم بامتحان ، مكون من سؤال واحد : هل يعتبر الشيك نقداً ؟؟ علل . وتعريفي الشخصي المتواضع العملي وليس العلمي للشيك ، بانه مجرد ورقة ضمان ، لحين تاريخ استحقاقة ، عندها يُصبح نقدا . 

اعتقد ان النظام المصرفي الذي يسمح بايداع شيك قبل تاريخ الاستحقاق ، او يسمح بالمعضلة الثانية المتمثلة بتجيير الشيكات  ، نظام مُتخلف ، وُمربك للقطاع التجاري ، ويُثقل كاهل المحاكم ، ويستبدل حالة الثقة بين رجال الاعمال الى حالة التشكك وعدم الثقة . من سافر وطاف العالم ، واطلع على تجارب وانظمة الدول الاخرى ، يرى ان بعض الانظمة والقوانين لدينا متحجرة ، ومتخلفة ، وكأن القائمين عليها يعيشون في معزل عن العالم ، ولا يطلعون على تجارب الدول الاخرى ، ولا يسعى للتطوير والارتقاء بدل التخلف والانطواء . القطاع العام في الاردن مُحزن في ادائه ، وانظمته ، وقوانينه ، حتى عقلية الموظف تركن الى الروتين ، ولنا في قصة ( صبة الجورة ) العبرة والمثل ، فلا ابداع ولا تطوير عند المسؤول الكبير قبل الصغير . سبق لي ان إطلعت على شيك يحمل ستة تواقيع ، كل واحد يجيره للآخر . أليست هذه مهزلة !؟ أليس ذلك مُضحكاً !؟ الايساعد  ذلك على التلاعب والتزوير في صرف الشيكات !؟ سبق لي ان اطلعت على قضية تزوير شيكات كان محور اعتماد المختلس على تجيير الشيكات .

وأختم ببيت من الشِعر :- 

ظَننّاهُ ديناراً وقد غرَّنا الطِلا / فما ذَنبُنا انّا وجَدْناهُ دِرهَما !؟

Khaberni Banner
Khaberni Banner