Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

الشرعية

الشرعية

إلتزاماً بقرار حظر النشر الصادر عن عطوفة نائب عام عمان الأكرم إنكفأتُ كغيري عن التعليق على أيّ أمر متصل بأزمة بنقابة المعلمين حتى أحيلت القضية إلى القضاء العلنيّ وبات الحديث فيها مباحاً غير مؤثّر على الملف التحقيقي المكتمل .

 

وبادئ ذي بدء ، أتوقف عند شعار " الشرعية " المُنادى به على أساس أنه يسبغها على كل ما يصدر عن مجلس النقابة من مواقف طالما أنه منتخب وفق أحكام القانون ، والحقيقة أنّ الخلط قد شاب المسألة ، بين الشرعية وبعض الميكاڤيلية .

 

فللشرعية ركنان تدوم بوجودهما وتختلّ بغياب أحدهما ، ركنٌ إبتدائيّ يتعلّق بولادة الشخصية الطبيعية أو المعنوية والآخر يرافقه مدى حياته أو طيلة الفترة التي مُنح فيها رخصة التصرف شريطة الإلتزام بذات التشريعات التي كانت سبباً في وجوده ، وما من شرعية إلّا وقُيّدت حقوقها بواجبات راجعة جميعها إلى القانون ، يعيبها التعدّي ويبطلها التعسُّف فينزعا عنها الشرعية بالمحصّلة لدى الغُلُوّ .

 

فالأردنيّ - مثالاً - يتمتع بجنسيته وحقوقه المدنية المصانة دستوريّاً وقانونياً ويخضع لولاية القضاء في أقواله وأفعاله ، وقد يترتب عليه جزاء سحب الجنسية إذا إقترف فعلاً ينزع عنه جنسيته وفقاً لأحكام ذات القانون ، وعليه يمكن القياس بمدى إرتباط الحقّ بحُسن الإستعمال وأثره على شرعية الوجود القانونية .

 

ولو سُوِّغ لطرفٍ أن يحتفظ بما يعتبره شرعية رغم كلّ ما فعل لسادت شريعة الغاب ، ولما كان القانون عاقب على المسؤوليات الجزائية والتقصيرية المرتبطة بالتعدّي أو التعسُّف ، بل إن الحقوق كافّة مرهونة - من الإلهيّة حتّى الوضعيّة - بنصوص تمكّن صاحبها من إستعمال ما هو شرعيٌّ منها شريطة عدم الغلوّ أو التجاوز ، وإلّا لكانت رخصة السَّوق وحدها كفيلة بمنع مخالفة أو سحب الترخيص من أي سائق يتجاوز القوانين مهما بلغ تجاوزه وكأنّ حقه في الترخيص قد منحه شرعية القيادة كيفما كان ، وحتى عقوبة الإعدام التي تسلب المرء حقه في الحياة شرعية هي الأُخرى بموجب التشريعات !

 

ولعلّ المصطلح أعلاه - الشرعية - وما يدور في فلكه هو من جملة الشعارات التي تدغدغ عاطفة العقل العربيّ على وجه الخصوص ، فتاريخ الأمّة زاخر بنماذج نالت السلطة على ظهور الدبابات وفوق أشلاء جثث الأبرياء تحت عناوينٍ شتّى مدّعية الشرعية وحتى الديموقراطية ، وقد أعاد ما سمّي بـ " الربيع العربي " إحياء هذه الصورة المشوّهة ، ولعلّ هذا يعيدنا تلقائياً إلى ضرورة إعادة تسمية الأشياء بمسمياتها أو كما عبر عنه المفكر والسياسيّ العراقي حسن العلوي بعملية " فصل التوائم الوهمية " والتي فكّك عبرها العديد من الإلتباسات التي تدخل في تشكيل الذهنية السياسية العربية بطريقة مبتورة كالخلط بين المسلم الذي يعيش في دولة مسلمة أو مختلطة خاضعاً للقانون الوضعيّ ، والإسلاميّ الذي يحمل مشروع دولة ، وكذلك الفارق بين مشروع القوميّة والقوميّ ، التعددية والحزبيّة إلى آخر القائمة من توائم وهمية .

 

وهذا يوصلنا بطبيعة الحال إلى ضرورتين ، الأولى إعادة تموضع القوى كلٌّ وفق شرعيته الحقيقية والثانية ضرورة " أردنة " المشهد السياسيّ عموماً ، فشرعية النقابات مرهونة بالحفاظ على هدفها الذي وجدت من أجله وهو المهنيّة ، وهذا ما يفرض عليها طابعاً معيّناً لدى التعاطي مع المسائل عموماً و يرسّم حدود حركتها وإلتزامها بالتشريعات ذات العلاقة التي تتحكم بتفاصيل حركتها والتي يرتب القانون جزاءات على مخالفتها كما هو الحال لدى أيّة شخصية معنوية أُخرى سواء كانت رسمية أو غير رسمية ، فحتى سلطات إنفاذ القانون محكومة في عملها والحياة الخاصة لأعضائها كذلك بحدود القوانين والأنظمة تحت طائلة العقاب والتسريح من الخدمة أيضاً ، أي سحب الرخصة الشرعية من المتجاوز أو المتعدّي ، وهذه قاعدة عامّة تحكم الحياة البشرية منذ الأزل وإلى الأبد .

 

أمّا ضرورة " أردنة " الساحة السياسية ، فهي أقرب لما كتبت عنه سابقاً والمعروف بـ " النظرية السياسية الرابعة " للمفكر الروسي ألكسندر دوغين ، فمعظم التيارات التي تحتل الساحة الحزبية أردنيّاً إنتهت أو أخفقت في الخارج ولم تنجح في الداخل لعدم إمتلاكها البرامجية المؤهلة مما حدا بالنقابات لممارسة الدور السياسي نظراً لضعف الأحزاب وإستيرادها الفكر غير المنتج وغير الملائم للطبيعة الأردنية وتركيبتها الإجتماعيّة الخاصّة ، وأعاق هذا الزحام الحركة على الساحة .

 

كما نتج عن هذا الأمر صورة ملتبسة وإشكاليّات تطبيقية ، فأدوات من يحترف العمل السياسي مختلفة تماماً عمّن لا يحترفه ، فالتركيبة هنا تلعب دوراً  أساسيّاً في الأهليّة المؤدّية لإستخدام المقبول من الأدوات ، والميكانيكيات التي تتيحها القوانين مختلفة بين الفئتين كذلك - السياسيّة والمسيّسة - ، مما ينتج خشونة وتعنّتاً لا يقبلان المرونة والمراوغة أي تطبيق قواعد الإشتباك السياسية الفعّالة لدى التعاطي مع السُّلطة وحتّى مع الآخر أيّا كان ، وهذا أقرب للميكاڤيلية القائمة على " أن الغاية تبرّر الوسيلة " بعيداً عن قاعدة " خذ وطالب " المعتبرة في السياسة ، ويتحكّم ذلك كلّه بما يحمل من أدبيات وأصول بنتيجة الأفعال وإستمرارية الفاعلين تحت المظلة الواحدة ذاتها ، مظلّة القانون التي يجب وأن يحتكم الجميع إليها ، دولة ومؤسسات وأفراد .

 

لهذا نجد أن قواعد اللعبة السياسية وتدرج إستعمال الأدوات ونوعيتها تختلف لدى القوى المتمرّسة بين دولة وأُخرى ومن مرحلة إلى مرحلة ، فالعمل السياسي في الدولة المستقرة ليس ذاته في الدول المفكّكة ، والعمل مع دولة المؤسسات ليس كالعمل مع الدولة المنفلتة ، فكلّ وسطٍ له قواعده ووسائله التي يجب على السياسيّ تقديرها وفقاً للموقف ومآلاته سعياً نحو تحقيق الأهداف ، وهنا يكمن الفارق بين السياسي والمُسَيَّس .

 

قيل في الفقه " لا حُجّة مع التناقض " ، فمن يتمسّك بالشّرعية لا يجتزئها وفق الأهواء فهي تستند إلى نصوص ليس لأحد أن يتجاوزها أو أن يتغاضى عن ذلك تحت طائلة المسؤولية - المتجاوز والمتغاضي - فالمصلحة العامة مُغلّبة على الخاصّة ، وحقوق الآخر قد ترجّح الكفّة وهي واجبة الصيانة والحماية ، وإستثناء فئة من أحكام القانون هو أكثر ما يمزّق جسد الوطن وتتشظّى معه المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات .

 

لا نتعدى على القول الفصل المنتظر من القضاء المستقلّ ، إنّما يتوجّب علينا جميعاً أن نُعيد الأمور إلى نصابها ، فالقول الآن للقضاء بحكمه الذي سيكون عنواناً للحقيقة بعد مروره بالأدوار الكاملة .

 

إنّما هذه قراءة متأنّية لأزمة إستعصت على الحلّ المريح ، وتجاوزت المنطقية  في التعاطي مع المرحلة وحساسيتها ولم تُحسَب فيها الأولويّات بدقّة حتى أنتجت هذا الكمّ من الخشونة التي يستحيل معها التغاضي أو التجنُّب ، فعَظمُ الوطن عصيٌّ على الكسر ، والوطن للجميع .

 

ولعلّ الأيام القادمة تبشّر بالإنفراج

حمى الله الأردن قيادة وشعباً

Khaberni Banner Khaberni Banner