Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

السودان الجديد

السودان الجديد

ألمحت الوثيقة الدستورية السودانية إلى الكثير من الضمانات للوصول إلى الغاية المرتجاة، إن لم ينقلب العسكرعلى النظام الجديد، بعد هدوء الشوارع وبتحريض من قوى الثورة المضادة، والوثيقة تتضمن أكثرية مدنية في المجلس السيادي، الذي سيتولى بعض صلاحيات رئاسة الجمهورية، أما بعضها الآخر، غير المنصوص عليه تحت باب «مجلس السيادة»، فيتحول تلقائياً إلى رئاسة الحكومة، رئيس الوزراء والوزراء تختارهم قوى الحرية والتغيير، ويعينهم مجلس السيادة، أما المجلس التشريعي الانتقالي، فستتولى قوى الحرية والتغيير تعيين ثلثي أعضائه على أن يتم ملء ثلث المقاعد الأخرى، بأسماء توافقية بين قوى الحرية والتغيير ومجلس السيادة، لممثلين عن بقية الحركات السياسية والشعبية والفصائل المسلحة.

 

فشل العسكر في «انتزاع» الحصانات غير المشروطة التي سعوا وراءها خشية ملاحقتهم جنائياً، المخابرات العامة تخضع لمجلس السيادة والحكومة، وقوات التدخل السريع،ستخضع لإمرة القائد العام للقوات المسلحة، والوثيقة الدستورية تحدثت عن سودان ديمقراطي، تعددي، لا مركزي، وعن مواطنة متساوية لا تعرف التمييز على أساس الجنس والعرق واللغة والدين، والحريات مصانة بما فيها حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر والعبادات، المرأة ستحظى بأربعين بالمئة من أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي، كما نصت الوثيقة على تشكيل عدد كبير من المفوضيات التي ستعكف على وضع دستور دائم، والمجلس العسكري سيعتبر منحلّا فور المصادقة النهائية على الوثيقة، والحكومة ستباشر عملها قبل نهاية الشهر الجاري، والمجلس التشريعي سيلتئم قبل نهاية العام، وهي بذلك نقيض دستور البشير، ويرى فيها السودانيون نصراً مبيناً لثورة الشعب السوداني، وهي بالتاكيد خطوة كبرى إلى الأمام، بحاجة لتحصينها بكل الضمانات التي تحول دون انفجار بعض الألغام المبثوثة فيها.

 

بعد المظاهرات الاحتجاجية ضد النظام العسكري الفردي ونتيجة لها تم عزل البشير ليتولى السلطة مجلس عسكري من زُلمه وأتباعه، أُجبر العسكر على التجاوب مع إصرار حركة الشارع ووحدة القوى السياسية والنقابية، الذين فرضوا أجندتهم وحققوا ما لم تكن تحلم به المعارضة منذ سنين عديدة، فوصلوا إلى منتصف الطريق ووقعوا اتفاقاً سياسياً وسطياً، سيبقى الاشتباك بأدوات سياسية وقانونية بين طرفي الاتفاق، فالعسكر الذي سلموا بنصف هزيمة، لن يسلموا كامل السلطة ويعودوا لثكناتهم، فقد تذوقوا طعم الكرسي وأهمية صنع القرار، وسيبقى السودان موضع اهتمام نظراً لأهميته الاقتصادية، ومياه النيل الجارية المتدفقة من وفي أحضان تربته، وثرواته الطبيعية الغنية، وموقعه الجغرافي الاستراتيجي جنوب مصر وشمال أثيوبيا، وفي مواجهة شط العربية السعودية، وتأثيره على نفوذ المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي الذي يضع أولوياته في منطقة القرن الإفريقي بعد الخليج العربي. ونهوض السودان، خطوة أولى جوهرية للعرب وللمنطقة وانتصار للتعددية وللديمقراطية، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

 

بالتاكيد انقسمت الآراء حيال الإعلان الدستوري، بين مؤيد له على اعتبار أنه يفتح الباب على بدء المرحلة الانتقالية، ومتحفّظ عليه من زاوية أنه يمنح العسكر الكمّ الأكبر من المكتسبات، وشبه رافض له كونه خالف وثيقة السلام وترتيبات الفترة الانتقالية. وهو انقسام يمثل تحدّياً رئيساً أمام وضع الوثيقة على سكة التنفيذ،وبالرغم من تحفّظ بعض مكوّنات «الحرية والتغيير»، على أصل التفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي، توصّل الطرفان إلى التوافق على "الإعلان الدستوري"، الذي يضع الأطر القانونية والدستورية لهياكل الحكم الثلاثة "السيادي، ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي".

 

 ننتظر من رئيس الوزراء المقبل تسيير عجلة الإصلاح الاقتصادي، ومحاسبة الفاسدين ورموز النظام القديم، بالإضافة إلى سحب السلاح المنتشر لدى كتائب النظام البائد والحدّ من ظاهرة التسلح الشخصي، غير انه يبدو أن السطوة العسكرية على البلاد لمدة ثلاثين عاماً كانت كبيرة، فالعسكر في الاتفاق الموقّع لم يضمنوا مشاركتهم فقط، بل ضمنوا أن يتم إصلاح المؤسسة العسكرية من داخلها وفق القوانين العسكرية. لكن المأمول أن قوة الشارع لن تمكّن العسكر من الحفاظ على الفساد المالي والإداري الذي كان في المؤسسة العسكرية طيلة ثلاثين عاماً. ورغم اعتبار أن «الروح التي غلبت على المفاوضات كانت روح الشراكة أكثر منها روح المشاكسة، يعطي أملاً بأن الفترة الانتقالية لن تشهد تجاذبات سياسية بين الحرية والتغيير والعسكريين، إلا أن الخوف من تنازل القوى المدنية مرة أخرى، بتركها تكوين مفوضيات الدستور والانتخابات والحدود للعسكر.

 

هناك من يرى، ومنهم مجلة فورين بوليسي، أن المؤسسة العسكرية أجهضت الثورة السودانية، وأن الاتفاق الذي تم التوصل إليه ليس إلا نصف نجاح، ولا يرقى لطموح الشعب السوداني. وأن من بيده السلطة اليوم ظهر جليا عند التوقيع وهو "حميدتي"، قائد قوات الدعم السريع المتهمة بانتهاكات جسيمة بحق السودانيين، الذي قال إنه تعهد بالالتزام بحكم القانون، وهو يحمل الإعلان الدستوري الجديد بالمقلوب. وترى المجلة أن خطة المؤسسة العسكرية لإجهاض الثورة والسيطرة على مقاليد الحكم راوحت بين الدبلوماسية والقتل والترهيب وأساليب الخداع، وأن بعض قادة المؤسسة العسكرية كانوا يتطلعون إلى خلافة البشير، وأنهم كانوا يريدون أن يجعلوا من الثورة مطيتهم لذلك. وأنه في الوقت الذي كان فيه ما يربو على مليون متظاهر يجوبون شوارع الخرطوم رافعين أعلام السودان احتفالا بسقوط البشير، كان العسكر يخططون لاحكام سيطرتهم على البلاد.

Khaberni Banner